حماتي كل سنه

لمحة نيوز

لي الحقيقة مرة واحدة بس. إنت مين؟
يوسف سكت لحظة وبعدين قال
أنا اللي كنت محبوس عشان هو ما يطلعش.
وفجأة الأرض كلها اهتزت.
وصوت من تحت الباب الحجري صرخ لأول مرة، صرخة مش بشرية خالص، كأنها غضب قديم اتفك.
والباب بدأ ينادي عليهم
ادخلوا أو اقفلوا بس بسرعة.
الراجل بص لأحمد وقال
اختار دلوقتي.
والمفتاح في إيده ابتدى يضيء بنور خافت كأنه بيستجيب للباب.
وفي نفس اللحظة
يوسف مد إيده ناحية الظلام وقال
أنا راجع مكاني.
وخطا أول خطوة جوه البابلحظة ما أحمد مسك المفتاح، النور الخافت اللي كان طالع منه اتبدّل فجأة وبقى كأنه ردّ عليه.
الأرض كلها سكتت لثانية واحدة مرعبة.
حتى البكاء اللي تحت الأرض اتقطع نص جملة.
يوسف اتجمد في مكانه وهو بيبص لأبوه
إنت اخترت
الراجل صرخ
اقفل! بسرعة قبل ما الظل يكمل!
أحمد كان بيرتعش، بس إيده كانت ثابتة على المفتاح كأنه لأول مرة فاهم إن القرار ده مش بس عنه ولا عن يوسف.
عن كل حاجة اتدفنت قبل كده.
رفع المفتاح ببطء ناحية الشق ناحية الباب اللي بيتهدّم.
وفجأة
الظل صرخ.
الصوت كان أعلى من أي حاجة سمعناها قبل كده، لدرجة إن الزجاج في الشقة اتشرخ.
يوسف وقع على الأرض ماسك رأسه، وكأنه بيتشد من جوه.
ماتعملهاش! صرخ بصوت متكسر.
أحمد دموعه نزلت لأول مرة من بداية الليلة
أنا مش بخسرك أنا بحاول أرجّعك!
وإيده دخلت جوه الشق بالمفتاح.
وفي اللحظة دي
الباب الحجري اتقفل فجأة بقوة مرعبة.
خبطة واحدة أنهت كل حاجة.
سكون.
الهواء وقف.
والنور رجع طبيعي كأن مفيش
حاجة حصلت.
أحمد وقع على الأرض، والمفتاح في إيده اتفتّت تراب.
بص حواليه بسرعة
الشق الأرضي اختفى.
العلبة رجعت صاج عادية فوق الطاولة.
والراجل
اختفى.
سكتنا.
ثواني دقيقة مفيش أي صوت.
أحمد لف بسرعة
يوسف؟
مفيش رد.
قام بسرعة ودور في الشقة كلها.
يوسف!!
البيت فاضي.
بس على الأرض في الصالة كان في حاجة صغيرة جدًا.
ورقة.
نفس خط حماتي.
فتحها بإيدين بيرتعشوا.
وكان مكتوب فيها جملة واحدة بس
الباب اتقفل بس اللي خرج منه ما رجعش مكانه.
وفي اللحظة دي
من أوضة يوسف اتسمع صوت خفيف جدًا.
نفس صوت الطفل اللي كنا فاكرينه انتهى.
بس المرة دي كان بيضحك أحمد وقف في النص، كأنه اتحشر بين لحظتين عمره ما تخيّلهم فقدان ابنه أو فقدان الدنيا اللي يعرفها كلها.
الظل اللي ورا يوسف اتحرّك تاني، ومع كل خطوة كان الهواء بيتقل أكتر، كأن المكان نفسه بيكتم أنفاسه.
يوسف بص لأحمد وقال بهدوء غريب
مافيش وقت تفكر هو خلاص خرج نصّه.
الراجل صرخ
لو خرج كله مش هيفضل باب أصلاً! ده هيفتح كل اللي اتقفل قبل كده!
أحمد مسك دماغه بإيده، عينه على يوسف وعلى الشق اللي بيهتز وعلى الباب الحجري اللي بيتهدّم لحظة بلحظة.
وبصوت مكسور قال
إنت ابني حتى لو إيه اللي جواك إنت ابني.
يوسف سكت لحظة.
والظل وراه وقف فجأة.
كأن الكلمة دي لمسته.
وفي نفس اللحظة الشق الأرضي بدأ يطلع صوت تاني غير كل الأصوات اللي قبل كده.
مش صراخ مش همس
ده كان صوت بكاء.
بكاء طفل.
أحمد اتجمد.
ده ده مين؟
يوسف بص له وقال
مش أنا بس اللي جوه في حاجة
تانية اتسجنت معايا.
الراجل قال بسرعة
أول ما يطلع الظل بالكامل كل اللي اتسجن هيرجع كله!
الأرض بدأت تنفتح أكتر والباب الحجري بدأ يتفكك من فوق كأنه بيتسحب لأسفل.
والظل مد إيده وابتدى يدخل من خلال يوسف نفسه.
يوسف صرخ لأول مرة
دلوقتي!
أحمد وقع على ركبته.
قدامه المفتاح المكسور كان لسه بيطلع نور خافت كأنه آخر فرصة.
الراجل هتف
يا أحمد! القرار!
والبكاء تحت الأرض بقى أعلى
وأحمد رفع عينه وبص ليوسف.
وفي لحظة صمت غريبة
مد إيده ناحية المفتاح ومسكه أحمد وقف مكانه، والورقة وقعت من إيده كأنها اتحرقت قبل ما توصل للأرض.
ضحكة الطفل من أوضة يوسف كانت خفيفة لكنها كافية تقلب كل اللي حصل من شوية من انتهى إلى لسه.
ببطء شديد مشى ناحية الأوضة.
كل خطوة كانت تقيلة كأنه ماشي على أرض مش بتاعته.
فتح الباب.
الأوضة كانت فاضية السرير مرتب الشباك مقفول.
مفيش حد.
بس الصوت لسه موجود.
ضحكة أقرب كأنها جاية من جدار الأوضة نفسه.
أحمد بص في الركن وبعدين في الدولاب وبعدين تحت السرير.
ولا حاجة.
لحد ما عينه وقعت على مراية صغيرة كانت متعلقة على الحيطة.
المراية كانت عادية في الأول
لكن فجأة
سطحها اتغير.
وبقى مش بيعكس الأوضة.
بقى بيعكس مكان تاني.
نفس الباب الحجري.
لكن المرة دي كان مفتوح نص فتحة بس.
ومن جوه كان في طفل واقف لوحده.
يوسف.
بس مش يوسف اللي خرج.
ده كان واقف جوا وبيرفع إيده كأنه بينادي.
أحمد قرب من المراية وهمس
ارجع أنا قفلت الباب أنا اخترت.
يوسف ابتسم من جوه وقال بصوت هادي
جدًا
أنت قفلت باب بس في أبواب بتتفتح من غير مفاتيح.
وفجأة
انعكاس أحمد نفسه في المراية ما عادش بيعمل نفس الحركة.
اتأخر ثانية.
وبعدين ابتسم ابتسامة مش بتاعته.
والصوت اللي وراه خرج بهدوء مرعب
الدور عليك دلوقتي.
النور في الأوضة انطفى.
والمراية فضلت منورة لوحدها باب مفتوح على مكان ما بيتقفلش أبدًا أحمد فضل واقف قدام المراية في عتمة كاملة، مش قادر يفرق بين اللي بيحصل واللي انتهى فعلاً.
الصوت سكت.
والضحكة اختفت.
والانعكاس رجع طبيعي.
ثواني طويلة عدّت كأنها عمر كامل.
لحد ما المراية نفسها بدأت تهدأ، ونورها يضعف كأن الباب اللي فيها بيتقفل من تاني.
وفجأة
اختفى كل شيء.
رجع الضوء للأوضة عادي.
المراية بقت مجرد مراية قديمة على الحيطة.
أحمد بص حواليه بسرعة.
الأوضة فاضية.
مفيش يوسف.
مفيش صوت.
مفيش باب.
ولا حتى أثر للعلبة.
خرج للصالة وهو بيجري.
البيت كله هادي بشكل مرعب.
كأن اللي حصل كان حلم طويل جدًا.
قعد على الأرض وهو بيتنفس بصعوبة.
وبعدين وقع نظره على طاولة الصالة.
كان عليها حاجة واحدة بس.
علبة البسكويت القديمة.
بس المرة دي
الشريط الأحمر كان مقطوع.
والغطا مفتوح نص فتحة.
وجواها
بسكويت عادي جدًا.
بلا أي رسائل.
بلا أي تراب.
بلا أي أبواب.
أحمد مد إيده ببطء وقفل الغطا.
وهمس لنفسه
يمكن هي كده كانت تقصد النهاية من الأول.
سكت.
ورجع يسند راسه للحائط، لأول مرة من أيام طويلة.
البيت كان ساكت.
بس للمرة دي كان سكون حقيقي.
مش انتظار حاجة تيجي.
وفي الصبح
أول شعاع شمس
دخل الشقة.
وكان كل شيء زي ما هو.
إلا حاجة واحدة.
صورة يوسف على التسريحة
اختفت.
لكن مكانها كان فيه ورقة صغيرة جدًا.
مكتوب فيها بخط طفولي
أنا لسه هنا بس مش نفس المكان.
وخلصت القصة.

تم نسخ الرابط