بعد وفاة جوزي
جاي من جوه كان باهت أصفر مائل للرمادي، مش مريح خالص، كأنه نور مستشفى قديم أو قبو متسيب.
ليلى خدت خطوة نحية الفتحة.
المدير صرخ
ما تقربيش يا ليلى!
لكنها ما سمعتش.
أو يمكن ما كانتش هي اللي بتسمع أصلاً.
الخطوات الصغيرة على الأرض اختفت فجأة، وكأنها دخلت جوه الحيطة قبلنا.
والصندوق
كان فاضي.
الشعر كله اختفى كأنه اتسحب جوه الأرض.
وقبل ما أتحرك
سمعت صوت قريب جدًا من ودني.
نفس صوت باباها اللي في التسجيل لكن من غير ميكروفون
هي دلوقتي شايفاه
اتلفت بسرعة.
ملقتش حد.
لكن ليلى كانت واقفة قدام الفتحة، ثابتة تمامًا، وعينيها مفتوحة على الآخر.
وبصوت هادي جدًا قالت
بابا بيقول لي أروح.
جسمي كله اتشل.
لا يا ليلى ما فيش حاجة بتقولك كده! ابعدي!
حاولت أجري عليها، لكن المدير مسكني وهو بيترعش
لو دخلنا وراها ممكن ما نطلعش!
وفي نفس اللحظة
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة غريبة، وقالت
هو مش وحش هو كان بيحاول يحميني من الأول
وبعدين خطت جوه الفتحة.
الضوء ابتلعها.
وفي ثانية واحدة
اختفت.
سكون تام.
كأن المدرسة كلها ماتت صوتيًا.
أنا صرخت باسمها
ليلى!
ودخلت بسرعة وراها من غير ما أفكر.
المدير صرخ ورايا
ارجعي!
لكن كنت خلاص دخلت.
الهواء جوه كان مختلف تقيل، بارد، وفيه ريحة دواء قديم ممزوجة بحاجة تانية حاجة شبه الشعر المحروق.
قدامي ممر طويل تحت الأرض.
وفي آخره
باب حديد مفتوح نص فتحة.
ومن جوه
نور خافت بيتحرك.
وبصوت واطي جدًا، قريب لدرجة إنه كأنه جاي من تحت جلدي
سمعت ليلى بتقول
أنا هنا يا ماما
بس اللي شوفته في آخر الممر
ما كانش ليلى لوحدها الضوء في آخر الممر كان بيتحرك ببطء كأنه بيتنفس.
وقفت مكاني ثانية واحدة بس، لكن الثانية دي كانت كفاية إني أسمع صوت تاني غير صوت ليلى.
صوت خافت بيبكي.
مش عياط طفلة عادي ده عياط مكبوت، كأنه حد حابس نفسه سنين ومش قادر يطلع الصوت كله.
خطوت خطوة لقدّام.
الأرض كانت باردة بشكل غير طبيعي، كأنّي ماشيه على معدن مش تراب.
ليلى ناديت بصوت مكسور.
الرد جه فورًا
بس من أكتر من اتجاه.
أنا هنا
أنا هنا
أنا هنا
تلات أصوات شبه بعض أو نفس الصوت بيتكرر.
وقفت فجأة.
في آخر الممر، قدام الباب الحديد، شفتها.
ليلى.
واقفة.
بس مش لوحدها زي ما قلت.
جنبها كان في ظلّ طويل جدًا مش واضح الملامح، واقف قريب منها لدرجة كأنه لاصق فيها.
والغريب
إن ليلى كانت رافعة إيديها كأنها ماسكة إيده.
صرخت
ابعدي عنها!
ليلى بصّت ناحيتي
بس عينيها ما كانتش عينيها.
كانت هادية زيادة عن الطبيعي، كأنها مش خايفة كأنها فاهمة حاجة أنا مش فاهمها.
قالت بصوت واطي
ماما هو مش بيوجع حد.
والظل اللي جنبها اتحرك.
اتحرك حركة بطيئة جدًا ناحية الباب الحديد، وبصوت رجولي متعب قال
أنا كنت بحاول أقفلها جوه مش أخرجها.
اتجمدت.
الصوت ده
نفس صوت أبوها.
بس قبل ما أستوعب
الباب الحديد نفسه اتفتح أكتر لوحده.
والضوء اللي جوه طلع فجأة أقوى.
وظهر جوه الغرفة
سرير مستشفى قديم.
وعليه أجهزة علاج مكسورة.
وفي النص
كرسي.
مربوط فيه خيوط شعر كتير جدًا مش شعر بنتي، ولا الأطفال ده كان كأنه متجمع من سنين.
ليلى خدت خطوة ناحيته وقالت بهدوء
هو هنا من زمان
بصيت للظل مرة تانية.
كان واقف ساكن.
لكن المرة دي بدأ يبان بوضوح أكتر.
مش كجسم واحد.
لكن كأنه اتنين فوق بعض واحد بيحاول يثبت التاني.
والصوت رجع تاني، لكن أضعف
لو خرجت هتبدأ الحاجة اللي جواها تكبر تاني
وفجأة
ليلى وقفت مكانها.
ووشها اتغير.
مش خوف
لكن كأنها فجأة افتكرت حاجة.
وبصت لي وقالت جملة خلت الدنيا كلها تقف
ماما أنا اللي فتحته أول مرة الجملة وقعت عليّا كأنها حجر تقيل اتكسر جوا صدري.
إنتي اللي فتحتيه؟ إيه اللي بتقوليه يا ليلى؟!
ليلى ما ردّتش على طول.
بس الظل اللي واقف جنبها اتراجع خطوة، كأنه هو كمان اتفاجئ.
وفي نفس اللحظة النور في الغرفة خفّ تاني، وبقى فيه اهتزاز خفيف في الهوا، زي موجة برد بتعدي على الجلد.
ليلى بصّت في الأرض وقالت بصوت واطي جدًا
مش أنا لوحدي أنا بس كنت أول واحدة أسمع.
سكتت ثانية، وبعدين كملت وهي بتترعش
بعد ما بابا مات كنت بدخل أوضته وكان فيه صندوق صغير تحت السرير وكان دايمًا بيخبط لما أقرب.
حسيت الأرض بتلف بيا.
إنتي إنتي فتحتيه؟
هزّت راسها آه.
الظل اتحرك فجأة حركة عنيفة ناحية الباب الحديد، والصوت خرج منه لأول مرة بشكل واضح وغاضب
قلت لكِ ما تفتحيهوش!
الهواء اتقلب مرة واحدة.
ليلى رجعت
وبصوت مختلف، أعمق شوية، قالت
أنا كنت عايزة أساعد مريم وكنت عايزة أساعد نفسي كل ما أجمع شعر أكتر، كنت بحس إن الألم بيقل
وقفت فجأة، وبصّت لي كأنها بتعتذر ومش قادرة تكمل.
بس هو ما كانش بيعالج كان بيجمع.
بيجمع إيه؟ صوتي خرج مبحوح.
في اللحظة دي
كل خصل الشعر اللي متربطة حوالين الكرسي في الغرفة بدأت تتحرك مع بعض.
وتتجمع في نقطة واحدة.
زي ما يكون فيه حاجة بتسحبها لجوه.
الظل صرخ لأول مرة بصوت واضح يهز المكان
اقفلي الباب! دلوقتي!
لكن كان متأخر.
الباب الحديد بدأ يتحرك لوحده يترزع ببطء، كأنه بيتقفل من غير أي إيد.
ولأول مرة
شفت حاجة واضحة جوه الضوء.
مش جسم.
لكن شكل زي انعكاس ليلى نفسها واقف جوه الغرفة، وبيبص علينا من غير ما يرمش.
ولما بصّ لي
ابتسم الابتسامة اللي شفتها ما كانتش ابتسامة طفل كانت هادية زيادة عن اللزوم، كأنها فاهمة كل حاجة وأنا لسه تايهة.
ليلى بصّت الناحية التانية من غير ما تتحرك، وقالت بصوت مكسور
هو ده اللي كان جوا الصندوق.
الهواء اتجمد.
الظل اللي واقف جنبها بدأ يهتز كأنه بيتعب، وصوت أبوها رجع مرة تانية بس المرة دي كان فيه رجفة واضحة
ما تبصيهوش ما تسيبيهوش يشوفك
لكن متأخر.
الانعكاس اللي جوه الضوء مد إيده.
مش إيد حقيقية، لكن كأن الضوء نفسه اتشكل في هيئة إيد طويلة جدًا.
وفي نفس اللحظة، ليلى وقفت جامد، كأن جسمها اتسحب منها ثانية واحدة.
صرخت
ماما!
جريت ناحيتها، لكن الأرض تحت رجلي اتغيرت فجأة بقت كأنها مش ممر، بقت سطح مائي تقيل، كل خطوة بتغرقني شوية.
الظل اتحرك قدامي مرة واحدة، وقف بيني وبين ليلى، وقال بصوت حاسم لأول مرة
لو عديتي دلوقتي مش هترجعي بيها هي بس.
بصيت له بصدمة
يعني إيه؟!
سكت ثانية وبعدين قال
هترجعي بنصها.
في اللحظة دي
ليلى بدأت تختفي تدريجيًا، زي صورة بتتمسح من نور.
والانعكاس ابتسم أكتر.
وسمعنا نفس الصوت القديم ييجي من جوه الضوء، قريب جدًا
أنا مش باخدها أنا بكمّلها.
ليلى كانت بتبكي وهي بتقول
ماما أنا خايفة أنا مش فاهمة أنا مين دلوقتي
مديت إيدي بكل قوتي وصرخت
إنتِ بنتي إنتِ ليلى!
وفجأة
الصوت كله اتقطع.
الضوء اتكسر كأنه
والانعكاس جواه اتوقف لحظة وبص ناحيتي لأول مرة بجد.
وملامحه اتغيّرت.
مش ليلى.
ولا أبوها.
لكن حاجة تانية كأنها شكل متكوّن من كل وجع اتساب من غير ما يتهدّى.
وقال بهدوء مرعب
اختاري يا نادية.
يا تاخديها كاملة يا تسيبيها تكمّل هنا.
وفي نفس اللحظة إيدي كانت ماسكة طرف ليلى فعلًا.
بس حسيت إن في قوة بتشدها من الناحية التانية أقوى من أي حاجة أقدر أقاومها.
والباب الحديد اتقفل وراها بالكامل.
وساعتها بس فهمت
إن الاختيار مش على ليلى لوحدها إيدي كانت بتترعش وهي ماسكة طرف ليلى، والشد من الناحية التانية بيزيد كل ثانية كأن المكان كله قرر يختبرني لآخر لحظة.
ليلى كانت بتبصلي بعينين مليانين رعب، وصوتها بيكاد يختفي
ماما متسبنيش
الظل اللي كان واقف بينا بدأ يتلاشى، وصوت أبوها بقى أضعف وأضعف، كأنه بيبتعد هو كمان
اختاري الصح مش الأسهل
نظرت لوجه بنتي وشفت فيه كل اللي فقدته في الشهور اللي فاتت أبوها، ضحكتها، وأمانها.
وفي نفس اللحظة بصيت ناحية الضوء اللي بيشدها.
وساعتها فهمت.
إنه مش بياخدها
هو بيكبر الخوف جواها لحد ما تبقى جزء منه.
شدّيت ليلى بكل قوتي وقلت بصوت مكسور لكن ثابت
إنتِ بنتي وأنا مش هسيبك لأي حاجة تاخدك مني.
في اللحظة دي حصل صمت غريب.
الشد فجأة وقف.
والضوء اللي كان بيبتلعها بدأ يهتز.
كأن الكلمة دي كسرت حاجة جواه.
وببطء رجلي ليلى بدأت ترجع نحية الأرض اللي واقفة عليها.
الانعكاس جوه الضوء اتغير، وملامحه اتلخبطت لأول مرة، وبعدين بدأ يتشقق زي زجاج بيتكسر من الداخل.
صوت واحد خرج آخر مرة، ضعيف ومختنق
اللي بيتحارب بالحب ما بيتاخدش بسهولة
وبعدها الضوء اتطفى.
مرة واحدة.
ليلى وقعت في حضني، بتبكي وهي بتترعش، بس موجودة كاملة.
سكون.
مفيش خبط مفيش أصوات مفيش ظل.
بس الباب الحديد فضل مفتوح لحظة واحدة وبعدين اتقفل بهدوء كأنه ما اتفتحش من الأساس.
رجعنا فوق بصعوبة.
والمدرسة كانت طبيعية.
مفيش حاجة غريبة كأن كل اللي حصل كان كابوس طويل.
لكن ليلى كانت ماسكة إيدي جامد طول الطريق، ومش بتبص وراها.
ومن اليوم ده
الصندوق اتقفل تاني.
بس المرة دي اتقفل من جوه.
ولأول مرة من شهور
ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
ماما
وأنا فهمت إن بعض الأبواب بتتقفل بالحب أكتر من أي مفتاح. لكن المصيبة الحقيقية حصلت تاني يوم لما مدير المدرسة كلمني بنفسه وقاللي بصوت متوتر تعالي حالًا يا مدام فيه حاجة حصلت هنا محدش مصدقها