فى اول يوم ليا فى الشغل

لمحة نيوز

ظل لحاجات حصلت قبل كده.
سارة بصّت للعرض وقالت ده أنضف عرض جه لك من سنين.
ابتسمت عشان مفيش وراه قصص قديمة.
المرة دي وافقت من غير تردد طويل.
لأني بقيت فاهمة إن الخوف مش من الشغل الخوف من الذكريات اللي وراه.
المشروع بدأ يتبني واحدة واحدة.
مفيش قفزات، مفيش وعود ضخمة، بس فيه احترام للوقت، وللتفاصيل، وللبشر.
وفي وسط الشغل، بدأت أرجع لحاجة كنت نسيتها إني أفرح بالنجاح الصغير قبل الكبير.
في يوم، وأنا في اجتماع، واحد من الفريق قال إنتِ بتديري الشغل كأنك بتصلحي حاجة قديمة.
سكت لحظة، وبعدين قلت أنا مش بصلّح أنا ببني حاجة جديدة من غير ما أشيل اللي اتكسر جوايا.
بعدها بأيام، جالي خبر إن مصطفى سافر برا البلد بشكل نهائي.
مش زعلت ولا فرحت.
بس حسيت إن آخر خيط رفيع كان بيشدّ الماضي اتفك بهدوء.
في نفس الأسبوع، سارة قالتلي إنتِ بقيتي مختلفة فعلًا.
ابتسمت مش مختلفة أنا بس أخيرًا بقيت أنا.
وفي ليلة هادية، قعدت على مكتب جديد في مقر الشركة، وفتحت الشباك.
المدينة كانت زي ما هي زحمة، صوتها عالي، بس أنا المرة دي كنت سامعاها بشكل مختلف.
مش ضوضاء لكن حياة.
مسكت القلم، وكتبت في آخر صفحة من الملف القديم اللي كنت محتفظة بيه
فيه قصص مش هدفها إنها تفضل معانا هدفها إنها تخلصنا من نسخة قديمة من نفسنا.
وقفلت الملف.
وحطيته في درج ما بيتفتحش كتير.

وبكده القصة ما انتهتش فجأة.
هي بس بقت ماضي بعد ما قفلت الملف وحطيته في الدرج، افتكرت إن الماضي مش دايمًا بيختفي أحيانًا بيهدأ بس، ويقعد في مكانه من غير ما يضغط على الحاضر.
الأيام في الشركة الجديدة بدأت تاخد شكل روتين مريح لأول مرة اجتماعات قصيرة، قرارات واضحة، ونقاشات من غير شد أعصاب.
وفي مرة، وأنا براجع عقود مشروع جديد، لقيت اسم شركة شريكة في العرض MM للاستشارات.
الاسم وقف قدامي ثواني.
بس المرة دي ما اتحركش جوايا نفس اللي كان زمان.
فتحت الملف بهدوء، قرأت الأرقام، وبعدين قفلته.
سارة لاحظت مش هتعلقي؟
هزّيت راسي مفيش حاجة تتعلق دلوقتي في بس شغل.
عدّى الوقت، والشغل كبر بشكل طبيعي، من غير مطبات مفاجئة ولا علاقات معقدة.
وفي يوم، جالي إيميل مختصر جدًا لو سمحتي، محتاجين رأيك في هيكلة مشروع قديم.
مفيش توقيع واضح.
بس الأسلوب كان مألوف بشكل غريب.
ما رديتش فورًا.
استنيت يوم كامل.
وبعدين رديت بجملة واحدة ابعتوا الملف كامل للمراجعة.
بعد يومين، وصلني الملف.
وشفت فيه تغييرات كبيرة إعادة هيكلة، تخفيض مخاطر، وإعادة توزيع ملكيات.
وكان واضح إن اللي شغال عليه مش بيدور على توسع سريع لكن بيدور على نجاة هادية.
سارة قالت وهي بتقرأ ده شكل حد اتعلم بالطريقة الصعبة.
سكتت.
لأني كنت فاهمة بالظبط مين ممكن يكون ورا ده.
لكن المرة دي، ما
كانش عندي فضول أقابله ولا رغبة أفتح أي باب.
بعتت الملاحظات التقنية فقط، من غير أي انفعال، ومن غير أي إحالة شخصية.
وقلت في آخر الإيميل التوصيات دي لتحسين المشروع، مش للحوار.
وقفلت الجهاز.
وفي نفس اليوم، وأنا راجعة البيت، لقيت نفسي بتمشي في شارع عادي جدًا، من غير ما أبص ورايا ولا أفكر في اللي كان.
ولأول مرة، حسيت إن الماضي ما بقاش ليه نسخة احتياطية في دماغي.
بقى مجرد حدث مش حياة.
وفي البيت، فتحت دفتر قديم، وقريت أول سطر كنت كاتبه أنا لازم أكون أقوى من القصة.
ابتسمت.
وقبل ما أقفل الدفتر، كتبت تحته
وأقوى من القصة مش إني أنساها، لكن إني ما أعيشهاش تاني.
قفلت الدفتر.
وحطيته جنب الملف القديم.
وبكده ما كانش فيه نهاية جديدة.
كان فيه بس حياة ماشية لقدّام، من غير ما تلف ترجع بعد ما الأيام استقرت بالشكل ده، اكتشفت إن الهدوء نفسه ممكن يبقى مرحلة اختبار مش نهاية راحة.
مش كل هدوء معناه إنك اتخطيت أحيانًا بيكون معناه إنك أخيرًا بقيت شايفة بوضوح.
في الشركة، بدأنا ندخل مرحلة توسّع أكبر، وده جاب معاه مسؤوليات تقيلة، وقرارات أسرع.
وفي مرة في اجتماع كبير، اتعرض علينا اندماج مع جهة استثمار تانية.
المفاجأة إن الجهة دي كانت مرتبطة بشكل غير مباشر بمشاريع قديمة كنت عارفاها كويس.
سارة بصّتلي وقالت دي ممكن تبقى خطوة ضخمة بس فيها تعقيدات.

فتحت الملف، وفضلت ساكتة دقيقة.
الأرقام كانت مغرية لكن التفاصيل كانت بتقول حاجة تانية نفس نمط الضغط السريع، نفس فكرة النمو اللي بييجي قبل الاستقرار.
قفلت الملف بهدوء.
وقلت مش هكمل.
المدير استغرب ليه؟ دي فرصة عمر.
رديت الفرصة اللي بتيجي بسرعة زيادة غالبًا بتاخد أكتر مما بتدي.
وسكتت.
المرة دي ماكنش فيه نقاش طويل.
كان فيه احترام للقرار حتى لو مش مفهوم للجميع.
بعدها بأيام، سارة قالتلي إنتِ بقيتي بتقولي لأ بسهولة.
ابتسمت مش بسهولة أنا بس بقيت عارفة إمتى أقولها من الأول.
وفي نفس الأسبوع، جالي إيميل قصير جدًا من عنوان غير معروف لو كان عندك وقت، كنت حابب أتكلم مش شغل، بس كلام.
ما فتحتش الإيميل على طول.
استنيت يومين.
وبعدين فتحته.
ومفيهوش غير جملة واحدة أنا اتغيرت بس عارف إن ده متأخر.
قفلت الإيميل من غير رد.
مش قسوة بس لأن بعض الجمل بتكون جاية في وقت انتهى فيه الدور.
في المساء، قعدت على المكتب، وفتحت الدفتر القديم تاني.
بس المرة دي ما كتبتش قصة.
كتبت ملاحظة واحدة بس
أصعب نوع من القوة إنك ما تردّيش على حاجة كانت زمان بتكسرك.
قفلت الدفتر.
وبصّيت من الشباك.
المدينة كانت زي ما هي بس أنا ما كنتش نفس الشخص اللي كان بيشوفها قبل كده.
مش لأن الدنيا اتغيرت لكن لأن زاوية النظر اتعدلت.
وقتها بس، فهمت إن القصة الحقيقية ماكنتش عن
الناس اللي دخلوا وخرجوا
كانت عني أنا، وأنا بتعلم أختار نفسي كل مرة من غير ما أشرح لحد ليه.

تم نسخ الرابط