فى اول يوم ليا فى الشغل

لمحة نيوز

في أول يوم ليا في الشغل الجديد، شفت صورة جوزي على مكتب زميلتي. لما سألتها مين ده، ابتسمت وقالتلي
ده مصطفى شريك في مشروع كبير مع الشركة من سنين.
وقتها ضحكت ضحكة خفيفة وأنا جوايا استغراب مصطفى عمره ما اشتغل في المجال ده قبل كده أو على الأقل ده اللي كان بيقوله.
قضيت الصبح وأنا بحاول أقنع نفسي إن الموضوع بسيط، مجرد تشابه أو سوء فهم.
مكتب جديد، شغل جديد، فريق كله واثق من نفسه بشكل ملفت، في مكان شيك في وسط البلد.
لكن الصورة اللي على مكتب مريم ما خرجتش من دماغي مصطفى، بنفس الغمازة اللي في خده، بنفس القميص الكحلي اللي أنا اللي كنت جايباهوله، وبنفس الابتسامة الهادية اللي بيعرف يلبسها لما يكون مركز في حاجة.
مريم كانت متحمسة جدًا وهي بتتكلم عنه مصطفى عبقري بصراحة هو اللي فتحلي الباب هنا، وهو اللي رشحني للمشروع.
هزّيت راسي وابتسمت، بس جوايا سؤال واحد هو جايب سيرتي فين في حياته هنا؟
في نص اليوم، قابلت مدير المشروع في اجتماع صغير، ولقيت اسم MM للاستشارات المالية بيتكرر كتير. مصطفى ومريم.
سألت بهدوء مين اللي أسس الشركة؟
المدير قال ببساطة مصطفى بدأها من حوالي ٣ سنين، ومريم انضمت بعده، وبيحاولوا يكبروا بيها في السوق.
٣ سنين نفس فترة شغل مصطفى اللي قاللي إنها كانت شغل حر ومش ثابت.
رجعت البيت وأنا دماغي مش مرتاحة.
فتحت اللابتوب، وبدأت أدور تحويلات، حسابات، عقود، أي حاجة تخص الشركة دي.
ولقيت المفاجأة الأولى فيه شراكات مسجلة باسم مصطفى مش بس في شركة واحدة، لأ في مشروعين تانيين.
لكن الأغرب إن في تحويلات طالعة من حسابنا المشترك على مدار سنين، باسم استثمار تطويري.
استثمار؟ في إيه؟ ومن غير ما أعرف؟
في اليوم اللي بعده، مصطفى بعتلي عندي

اجتماع مهم بالليل، هتأخر.
نفس الجملة اللي اتقالتلي كذا مرة قبل كده.
بس المرة دي ما ردّتش.
روحت الشركة بدري، وطلبت أشوف ملف المشروع بالكامل.
مريم كانت هناك، مبتسمة كالعادة إنتِ جديدة عندنا بس هتتعودي بسرعة.
ابتسمت أكيد.
وبين الأوراق اللي فتحتها، لقيت حاجة غريبة كل القرارات الكبيرة في الشركة كانت متسجلة باسم مصطفى، لكن التوقيعات المالية فيها تناقضات.
فيه مستندات موقعة باسمي أنا.
وقتها حسيت إن الأرض مش ثابتة.
رجعت البيت، واستنيت مصطفى.
لما دخل، كان هادي زي العادة.
إنتِ صاحية ليه؟
بصيت له وقّعتلي أوراق؟
سكت لحظة قصيرة أيوه حاجات إدارية بسيطة عشان الاستثمار.
من غير ما تقولي؟
قرب مني كنت بحميكي من وجع دماغ التفاصيل.
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع مش خيانة الموضوع أكبر.
فتحت الملف قدامه على الترابيزة إنت داخل مشروع مالي ضخم باسمي من غير علمي الكامل ليه؟
وشه اتغير لأول مرة عشان الشركة دي لو فشلت أنا مش اللي هيتحاسب لوحدي.
الصمت وقع.
مريم كانت مجرد شريكة لكن المشروع نفسه كان كله مبني على مخاطرة ضخمة، وتمويلات معقدة، وأسماء مشتركة لحماية كل الأطراف.
طلعت سارة، المحامية، وقلت لها كل حاجة.
ردّت عليا بهدوء إنتِ محتاجة تفصلي اسمك عن أي التزام مالي فورًا.
وبالفعل بدأت أراجع كل حاجة.
في يوم افتتاح توسعة الشركة، كنت واقفة في القاعة، بس المرة دي مش كزوجة ولا شريكة لكن كمراجعة أخيرة.
مصطفى بصلي وقال إنتِ جاية تدمريني؟
قلت له أنا جاية أفهم الحقيقة.
مريم كانت واقفة مرتبكة أنا مش فاهمة حاجة إحنا كنا بنشتغل صح!
ردّيت وكنتوا بتكبروا بسرعة لحد ما نسيتم مين اللي شايل المخاطر.
سلمت الدوسيه لسارة.
وفي خلال أيام، تم إعادة هيكلة كل العقود، وفصل
اسمي عن أي التزام مالي، وإعادة تقييم المشروع بالكامل.
مصطفى قعد قدامي يومها وقال بهدوء أنا ما كنتش أقصد أأذيكي.
قلت له وأنا ما كنتش أقصد أبقى جزء من لعبة أنا مش فاهمها.
والمرة دي مشيت.
مش عشان انهيار.
لكن عشان أخيرًا فهمت إن بعض القصص مش خيانة هي بس قرارات اتاخدت من غيرك، وإنتِ المفروض ترجعي نفسك منها قبل ما تضيعك بعد ما خرجت من القاعة، مفيش صدمة فجّرتي اللي حصل كان عكس كده تمامًا.
كان فيه هدوء غريب، كأنه بعد عاصفة طويلة أخيرًا اتوقفت.
سارة كانت مستنياني برّه، أول ما شافتني قالت إنتِ تمام؟
هزّيت راسي أنا لأول مرة مش تايهة.
ركبنا العربية، وبدأت تراجع معايا كل الورق اللي جمعته من أول لحظة شك عقود، توقيعات، تحويلات، ومراسلات داخلية من الشركة.
سارة قالت وهي مركزة فيه حاجة مهمة لازم تفهميها إنتِ مش مجرد طرف، إنتِ جزء قانوني في هيكل مالي كبير، حتى لو إنتِ ماكنتيش واخدة بالك.
بصّيت لها يعني إيه؟
ردّت يعني خروجك منه مش بس قرار عاطفي ده إعادة بناء كاملة لحياتك المالية.
في البيت، مصطفى حاول يتكلم تاني.
كان شكله مختلف مش الواثق المعتاد.
رانيا، ممكن نفهم بعض بهدوء؟
قعدت قدامه، من غير ما أعلّي صوتي أنا فاهمة كل حاجة دلوقتي أكتر منك.
سكت.
كملت إنت دخلتني في نظام مالي وأنا معرفش تفاصيله كاملة وخلّيت اسمي جزء من معادلة أنا ما وافقتش عليها بشكل واعي.
قرب شوية أنا كنت بحاول أعمل حاجة كبيرة لينا.
ابتسمت بسخرية هادية لينا؟ ولا لنفسك وإنت شايف إن وجودي مجرد توقيع مريح؟
الصمت كان أقسى من أي رد.
في الأيام اللي بعدها، كل حاجة بدأت تتفكك بهدوء محامين، مراجعات حسابات، جلسات طويلة، وتحقيقات داخلية في الشركة.
مريم بدأت تبعد تدريجيًا، مش من
غضب لكن من ارتباك.
وفي مرة، جاتلي وقالت أنا ماكنتش أعرف إن فيه تفاصيل كده أنا كنت فاكرة إن ده مشروع طبيعي.
ردّيت بهدوء وأنا كنت فاكرة إن حياتي طبيعية.
وسابتني ومشيت.
مصطفى بدأ يحاول يصلّح، بس المرة دي ماكنش فيه حاجة تتصلح بالكلام.
كان كل حاجة محتاجة إعادة بناء.
وفي ليلة هادية، قعدنا آخر مرة في نفس البيت.
قاللي إنتِ هتمشي؟
بصيت له أنا مش همشي أنا هبدأ من جديد.
ومن غيري؟
هزّيت راسي أيوه.
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي أنا خسرتك؟
ردّيت إنت خسرت اللحظة اللي كنت ممكن تختار فيها الصراحة بدل التعقيد.
ساعتها بس فهم.
مشيت من البيت، ومعايا بس ملف صغير مش فيه انتقام، ولا غضب، ولا حسابات.
فيه بس حياة جديدة متقفلة بإيدي أنا.
بعد شهور، المشروع اتعاد هيكلته بالكامل، ومريم خرجت بهدوء، ومصطفى بدأ من الصفر في مكان تاني بعيد عن كل اللي حصل.
وأنا؟
رجعت أقف في أول مكتب شغل جديد تاني.
بس المرة دي، مفيش صورة على مكتب حد تاني تخضني.
لأني ببساطة بقيت أنا الصورة اللي على مكتبي.
والقصة دي، ماكنتش نهاية حب.
كانت بداية فهم إن بعض العلاقات مش لازم تتحارب أحيانًا لازم بس تتفصل عشان ما تفضلش تكسر فيك أكتر بعد شهور من الهدوء اللي كان شبه إعادة ضبط للحياة، بدأت ألاحظ إن الشغل الجديد بقى مختلف عن الأول مش في المكان، لكن فيّ أنا.
بقيت أقرأ أي عقد مرتين قبل ما أمضي. وأي وعد يتقاللي ما بقاش يدخل قلبي قبل ما يدخل عقلي.
سارة كلمتني في يوم في فرصة مشروع استشاري جديد، محتاجين حد عنده خبرة تشغيل وتحليل مالي.
سكت لحظة، وبعدين قلت ابعتِ التفاصيل.
لما فتحت الملف، لقيت اسم الشركة بسيط، ومفيهوش أي ضوضاء مشروع صغير مقارنة باللي كنت فيه، بس واضح، نضيف، ومبني على شغل
حقيقي مش وعود كبيرة.
روحت المقابلة لوحدي.
مفيش مكاتب زجاج، مفيش أبراج على النيل، مفيش ناس بتتكلم بثقة
تم نسخ الرابط