جوزى كان كل ما نزعل يهددنى بطلاق
المحتويات
فلوس في مشاريع فاشلة.
أنا كنت بتهرب من ديون أكبر من قدرتي.
وفي ناس مش كويسة كانت بتهددني وبيهددوا أذيك إنتِ كمان لو سيبتيني.
سكت لحظة وأنا بقرأ.
السطور كانت تقيلة.
كنت فاكر إن تهديد الطلاق هو الطريقة الوحيدة إني أسيطر على حياتي وأخبي الحقيقة عنك.
لكن في النهاية خسرت كل حاجة.
وأولهم نفسي.
آخر سطر كان مختلف.
مكتوب فيه
سامحيني لو تقدري.
قفلت الورقة بإيدي ببطء.
ومشاعري كانت متلخبطة.
مش حب
ولا كره.
لكن حاجة أقرب للشفقة.
بعدها بشهر
سمعت خبر عنه.
إنه سافر برا مصر مع شغل بسيط جدًا بدأه من الصفر.
مش غني.
مش قوي.
مش ماسك حاجة.
بس لأول مرة عايش من غير أكاذيب.
الليلة دي قعدت على شباك البيت.
وبصيت للشارع اللي كنت بخاف أعدي فيه زمان لوحدي.
وافتكرت كل مرة كنت بعيط فيها وانا سامعة كلمة اتطلقي.
وضحت لأول مرة.
مش ضحكة فرح
لكن ضحكة راحة.
لأني فهمت حاجة مهمة جدًا
مش كل الناس اللي بتكسرنا أعداء.
فيه ناس بيكسروا نفسهم قبل ما يكسرونا.
وأنا
كنت اتعلمت متأخر، بس اتعلمت.
إن اللي يمشي من وجع
بيكسب عمر جديد.
النهاية الحقيقية بعد كام سنة
الحياة كانت هادية بشكل مختلف.
مش هدوء الفراغ لكن هدوء الاستقرار.
المشروع كبر، وبقيت بشتغل مع فريق صغير، وبقى ليا اسم في شغلي.
وفي يوم عادي جدًا، وأنا براجع أوراق في المكتب
جالي اتصال من رقم دولي.
ترددت ثواني وبعدين
كان صوت أحمد.
بس صوت مختلف تمامًا أهدى وأضعف.
قال
أنا رجعت مصر يومين.
سكت.
وبعدين كمل
مش عايز حاجة بس كنت معدي من جنب المكان اللي كنا ساكنين فيه.
ووقفت.
وافتكرت كل حاجة.
ما رديتش بسرعة.
كنت بس سامعة نفسي بتتنفس بهدوء.
قال آخر جملة
أنا دلوقتي فاهم يعني إيه أمان وإيه إن الواحد يضيع لما يفتكر إنه مسيطر.
وبعدين سكت.
كأنه مستني رد.
لكن الرد اللي جوايا ما كانش كلام.
كان إحساس قديم اتقفل من زمان.
قلت بهدوء
اتمنى لك حياة أهدى.
وسكرت المكالمة.
وقعدت لحظة أبص على المكتب، على الشغل، على الدنيا اللي بنيتها من جديد بإيدي.
وفهمت حاجة أخيرة
إن بعض الناس مش بيرجعوا عشان نكمل معاهم.
بيرجعوا عشان نقفل الصفحة جواهم هم.
أما أنا
كان كتاب حياتي ابتدى فصل جديد من غير خوف.
ومن غير تهديد.
ومن غير ما أستنى حد يقرر قيمتي.
وقمت أكمل يومي عادي جدًا
بس المرة دي، وأنا أخف بكتير بعد المكالمة دي، أحمد ما رجعش يتواصل تاني.
ولا أنا حاولت أفتحه من جديد.
الحياة كملت بشكل طبيعي، لكن جوايا كان فيه حاجة اتثبتت أكتر إن السلام اللي بنيته مش محتاج أي ظل من الماضي.
سنين عدّت
وفي مرة، كنت في معرض صغير لرواد الأعمال الشباب اللي بيدعموا المشاريع الجديدة.
وأنا بلف بين الأجنحة، لفت نظري اسم شركة مكتوب على لافتة بسيطة.
اسمها ما كانش غريب.
كان هو نفس الاسم اللي
وقفت مكاني لحظة.
ومن جوه المعرض، خرج شاب سلم عليّ بابتسامة وقال
إنتِ صاحبة مشروع كذا صح؟ أنا كنت بسمع عن شغلك.
رديت بابتسامة عادية.
لكن عيني كانت لسه على الاسم.
سألت بهدوء
الشركة دي بتاعة مين؟
قال
ده شريك جديد اسمه أحمد.
الصمت كان لحظة واحدة بس
لكن جوايا كان طويل.
مشيت ناحية الجناح من غير ما أفكر كتير.
وقفت على مسافة.
وشوفت أحمد.
بس المرة دي كان شكله مختلف جدًا.
مش نفس الشخص اللي كان بيصرخ أو يهدد.
كان واقف بيشرح لناس عن شغله، وبيرسم بيده وهو بيتكلم بحماس بسيط وهادئ.
كأنه أخيرًا اتصالح مع نفسه.
هو شافني.
بس ما جريش.
ولا اتكلم بسرعة.
بس ابتسم ابتسامة خفيفة.
كأننا الاتنين فهمنا من غير كلام إن الصفحة دي اتقفلت من زمان.
بعد ما خلص كلامه مع الناس، قرب مني بهدوء.
وقال
ماكنتش متوقع أشوفك هنا.
قلت
ولا أنا.
سكت لحظة، وبعدين قال
واضح إن كل واحد فينا كمل طريقه.
هزيت راسي
يمكن ده أحسن.
مافيش عتاب.
مافيش لوم.
ولا حتى رغبة في الرجوع.
بس احترام هادي جدًا بين اتنين اتعلموا بالطريقة الصعبة.
قبل ما أمشي، قال
أنا مبسوط إنك بخير.
قلت
وأنا كمان.
ومشيت.
ومن غير ما أبص ورايا.
لأن بعض النهايات الحقيقية مش فيها رجوع.
فيها بس راحة.
ولما ركبت العربية، أخدت نفس عميق لأول مرة كأني كنت شايله من سنين.
وفهمت إن أعظم انتصار
لكن إنك تقابله يوم ما يختفي وجعه من جواك تمامًا.
النهاية بعد المعرض، رجعت البيت.
مش لأن فيه حاجة جديدة تحصل
لكن لأن اللي حصل جوه المعرض كان كفاية يهز حاجات قديمة من غير ما يفتحها من جديد.
قعدت على المكتب.
وبصيت لدفتر قديم كان دايمًا عندي.
دفتر كنت بكتب فيه أحلامي زمان، وأنا لسه خايفة.
فتحت أول صفحة
لقيت جملة مكتوبة بإيدي من سنين
نفسي أعيش يوم واحد من غير ما أبرر وجودي لحد.
قفلت الدفتر بهدوء.
وابتسمت.
لأني فهمت إن الجملة دي بقت حياتي دلوقتي.
بعدها بأيام، في اجتماع شغل صغير، واحدة من الفريق قالتلي
إنتِ دايمًا هادية حتى في أصعب المواقف إزاي؟
سكت لحظة.
وبعدين قلت
لأني عشت أيام كنت بفقد فيها صوتي واتعلمت أرجعه واحدة واحدة.
ما دخلتش تفاصيل.
لأن بعض الحكايات مش محتاجة تتقال كاملة كفاية إنها اتعاشت واتتعلمت.
وفي آخر اليوم، وأنا بمشي في الشارع، لقيت طفلة صغيرة ماسكة إيد أمها وبتجري وتضحك.
وقفت لحظة أبص عليهم.
ومشيت بعدها.
بس المرة دي
من غير ما أحس إن في حاجة ناقصة جوايا.
لأني فهمت أخيرًا
مش كل القصص محتاجة استمرار
فيه قصص دورها الحقيقي إنها تخلص علشان الحياة تبدأ بعدها.
النهاية هكملها لكن بشكل أخير ومغلق فعلاً، من غير ما نفتح دوائر جديدة أو أحداث ترجع نفس الدوامة، لأن القصة وصلت لمرحلة اكتمال داخلي.
عدّى وقت طويل بعد اليوم ده.
سنين مش شهور.
والحياة ما كانتش مفاجآت كبيرة كانت تفاصيل صغيرة بتبني هدوء ثابت يوم ورا يوم.
في مرة، كنت ماشية في شارع قريب
متابعة القراءة