انا موظفة في بنك بقلم رومانى مكرم

لمحة نيوز

قديمة.
الصورة نفسها...
التي كانت موجودة داخل الملف الأحمر.
لكن الغريب...
أن الصورة عنده كانت كاملة.
وليست مقصوصة مثل النسخة الموجودة عند رانيا.
وفي طرف الصورة ظهر شخص رابع.
شخص لم يكن موجودًا في النسخة التي وجدتها.
شعرت رانيا أن الأرض تميد تحتها.
وقالت
مين الراجل ده؟
تنهد العجوز طويلًا.
ثم قال
الراجل ده هو سبب كل اللي حصل.
ساد الصمت.
حتى أصوات السيارات في الخارج بدت بعيدة جدًا.
سألته رانيا
حضرتك مين أصلًا؟
رد بهدوء
أنا آخر واحد عايش من الشركاء الأربعة.
ثم مد لها ظرفًا أصفر قديمًا.
وقال
أبوك طلب مني أسلمهولك في الوقت المناسب.
فتحت الظرف.
كان بداخله مفتاح صغير جدًا.
ومعه ورقة مكتوب فيها
ليس كل ما تركته لك موجودًا في الأوراق.
رفعت رأسها بسرعة.
لكن الرجل العجوز كان ينظر للسماء وكأنه عاد عشرات السنين إلى الوراء.
ثم قال
أبوك كان عارف إن الحق هيرجع لك يومًا ما... لكنه كان خايف من شيء آخر.
إيه هو؟
أجاب بصوت خافت
إن الناس تدور على الشيء الغلط.
مش فاهمة.
ابتسم وقال
لأن الأرض لم تكن السر الحقيقي.
ازدادت حيرة رانيا.
فسألته
أمال إيه السر؟
أشار إلى المفتاح الصغير في يدها.
وقال
السر ده.
وفي تلك
اللحظة...
توقف أمام البنك فجأة ميكروباص أسود.
نزل منه رجلان.
كانا يراقبان العجوز من بعيد.
العجوز لمحهم.
فتغير وجهه فورًا.
وأمسك بذراع رانيا بقوة.
وقال
اسمعيني كويس...
خدي المفتاح... ومتقوليش لأي حد إنك قابلتيني.
ثم ترك يدها بسرعة.
ومشى وسط الشارع المزدحم.
أما الرجلان...
فانطلقا خلفه مباشرة.
وقفت رانيا مذهولة.
تنظر للمفتاح الصغير.
وتتساءل
ما هو الباب الذي يفتحه هذا المفتاح؟
ولماذا ظل والدها يخفي سره كل هذه السنوات؟
ولماذا عاد الماضي كله فجأة... بعد أن ظنت أن كل شيء انتهى؟!وقفت رانيا في مكانها ثواني طويلة.
عينيها بين المفتاح الصغير وبين الرجلين اللي جريوا وراء العجوز.
كان عندها ألف سؤال...
لكن مفيش إجابة واحدة.
رجعت البيت تلك الليلة وهي مش قادرة تنام.
حطت المفتاح فوق المكتب.
وقعدت تتأمله.
مفتاح صغير جدًا...
أصغر من مفاتيح البيوت والخزن المعتادة.
وكأنه مفتاح صندوق أو درج سري.
وفجأة تذكرت شيئًا.
الدفتر القديم!
دفتر مذكرات والدها الذي وجدته في المخزن.
جريت على المكتبة وأخرجته.
وبدأت تقلب صفحاته من جديد.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لحد ما لاحظت حاجة ما انتبهتش لها قبل كده.
في آخر صفحة...
كان
فيه حرف صغير جدًا مكتوب بالقلم الرصاص.
حرف م.
وتحته رقم.
27.
وبجانب الرقم رسم بسيط يشبه نجمة.
في البداية افتكرت إنه مجرد علامة.
لكن بعد دقائق من التدقيق اكتشفت أن نفس الرمز موجود في أكثر من صفحة.
كل مرة بجوار كلمات معينة.
جمعت الكلمات كلها.
فطلعت جملة ناقصة
ابحثي خلف النجمة في البيت القديم.
اتسعت عيناها.
البيت القديم!
بيت جدها الذي ظل مغلقًا منذ سنوات طويلة.
في صباح اليوم التالي أخذت عمها حسن وذهبت معه.
البيت كان مهجورًا.
الأثاث مغطى بالأقمشة.
والغبار في كل مكان.
بدأوا يفتشون غرفة وراء غرفة.
ساعات مرت...
ولا شيء.
لحد ما دخلت رانيا غرفة والدها القديمة.
الغرفة التي لم يدخلها أحد تقريبًا منذ رحيله.
وقفت تتأمل الجدران.
وفجأة...
رأت نجمة صغيرة محفورة أسفل إطار صورة قديمة.
نفس النجمة الموجودة في الدفتر.
صرخت
عم حسن! لقيتها!
اقترب العم بسرعة.
رفعوا الصورة.
فوجدوا خلفها تجويفًا صغيرًا داخل الحائط.
وفي داخله...
صندوق معدني أسود.
الصندوق كان مغلقًا بقفل صغير.
رانيا أخرجت المفتاح.
وضعتْه في القفل.
دار بسهولة.
وانفتح الصندوق.
حبس الاثنان أنفاسهما.
لكن ما كان بداخله لم يكن ذهبًا.
ولا أموالًا.

ولا مجوهرات.
كان مجرد ظرف سميك.
وبداخله عشرات الخطابات.
كلها مكتوبة بخط والدها.
وموجهة إليها.
خطاب لعمر 20 سنة.
وخطاب لعمر 25 سنة.
وخطاب لعمر 30 سنة.
وآخر مكتوب عليه
يُفتح عندما تشعرين أن الدنيا كلها ضدك.
بدأت دموع رانيا تنزل دون أن تشعر.
فتحت أحد الخطابات.
وقرأت
يا بنتي...
لو بتقري الرسالة دي، فأنا أكيد مش موجود جنبك.
بس أحب أقولك إن قوتك مش في المال ولا في الممتلكات.
قوتك في أخلاقك وصبرك وكرامتك.
أغلقت الرسالة وهي تبكي.
أما عمها حسن فكان يمسح دموعه هو الآخر.
لكن وسط الخطابات...
كان هناك ظرف مختلف.
ظرف لم يُكتب عليه اسم رانيا.
بل كُتب عليه
إلى صاحب الحق المفقود.
نظر الاثنان لبعضهما.
باستغراب شديد.
فتحت رانيا الظرف.
وكانت الصدمة.
في الداخل صورة لطفل صغير لا تعرفه.
وشهادة ميلاد قديمة.
ومستندات تشير إلى أمانة كان والدها يحتفظ بها لشخص مجهول منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
سكتت رانيا.
ثم همست
مين الطفل ده؟
رد عمها حسن بصوت مرتبك
والله أول مرة أشوف الورق ده.
وفي أسفل الشهادة كان هناك اسم.
اسم لم تسمع به رانيا في حياتها.
لكن المفاجأة الأكبر...
أن تاريخ الميلاد المكتوب على الشهادة...
كان نفس
يوم ميلادها بالضبط.
وهنا بدأت حكاية جديدة تمامًا...
حكاية قد تكشف سرًا أخفاه والدها طوال عمره، ليس خوفًا على المال أو الأرض...
بل حفاظًا على أمانة لم يعرف أحد بوجودها.

تم نسخ الرابط