انا موظفة في بنك بقلم رومانى مكرم

لمحة نيوز

كانت بتختفي في زيارات معينة فقط.
والأسماء كلها مرتبطة بشخص واحد...
نجلاء.
المكان كله سكت.
لدرجة إن صوت عقارب الساعة كان مسموع.
نجلاء بدأت تعيط.
أنا ما كنتش أقصد...
لكن كريم قال بحزم
لا... قصدي أو مش قصدي ده بعدين.
ثم التفت لأمه.
وأنتِ؟
الحاجة فايزة نزلت عينها لأول مرة.
لأول مرة فعلًا.
رانيا وقتها قالت جملة خلت الكل يبص لها
أنا مش عايزة فضايح... ولا خناقات... ولا حتى اعتذار.
استغربوا كلهم.
أمال عايزة إيه؟
ابتسمت رانيا ابتسامة صغيرة وقالت
عايزة حدود.
وفي نفس الليلة...
اتغير كالون الشقة بالكامل.
واتسحبت كل النسخ القديمة من المفاتيح.
واتعمل محضر إثبات حالة بالحاجات المستردة.
واتكتب إقرار إن محدش يدخل البيت إلا بإذن أصحاب الشقة.
ومن يومها...
لا الحاجة فايزة قدرت تفتح دولاب رانيا.
ولا نجلاء قدرت تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها.
لكن بعد شهر تقريبًا...
وأثناء ترتيب رانيا لأوراق قديمة تخص والدها الله يرحمه...
اكتشفت ظرفًا قديمًا مخبأ داخل كتاب عتيق.
ظرف كان مكتوب عليه بخط أبوها
يُفتح فقط عند الحاجة.
وقفت رانيا مصدومة.
لأنها عمرها ما شافت الظرف ده قبل كده.
فتحتُه ببطء...
ولما قرأت أول سطر فيه...
شهقت.
وشعرت أن كل ما حدث خلال الشهور الماضية لم يكن سوى بداية حكاية أكبر بكثير مما تخيلت...!إيد رانيا كانت بتترعش وهي بتفتح الظرف.
الخط كان فعلًا خط أبوها.
نفس الخط اللي كانت بتشوفه زمان على الكراسات والرسائل الصغيرة اللي كان بيسيبها لها وهي طفلة.
قعدت على طرف السرير وبدأت تقرأ.
بنتي رانيا...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى ربنا أراد إنك تعرفي حاجة كنت مخبيها سنين طويلة...
وقفت رانيا عند السطر ده.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
كملت القراءة.
أنا عمري ما حبيت أخليكي تشيلي هموم أكبر من سنك، لكن في أمانة كبيرة تخص عيلتنا، والأوراق الخاصة بيها موجودة في الخزانة الحديد القديمة عند عمك حسن.
رانيا رفعت رأسها باستغراب.
الخزانة دي كانت موجودة فعلًا في بيت عمها من
سنين.
لكن محدش كان بيقرب منها.
كملت الرسالة.
لو احتجتي تعرفي الحقيقة، روحي لعمك حسن وقولي له جئت أستلم الأمانة.
في اليوم التالي أخذت إجازة من البنك.
وراحت مباشرة لبيت عمها.
الحاج حسن لما شاف الرسالة اتغير لون وشه.
وقعد ساكت دقيقة كاملة.
ثم قال
كنت مستني اليوم ده من أكتر من عشر سنين.
دخل أوضة قديمة.
ورجع بصندوق خشب صغير.
الصندوق كان مقفول بمفتاح نحاس قديم.
فتحه أمامها.
وفي الداخل كانت مجموعة أوراق وعقود وصور قديمة.
رانيا بدأت تقلبها.
وفجأة اكتشفت شيئًا غريبًا.
الأوراق كلها تخص قطعة أرض كبيرة جدًا على أطراف المدينة.
أرض كان أبوها شريكًا فيها مع عدة أشخاص منذ سنوات طويلة.
لكن المشروع توقف وقتها.
سألت عمها بدهشة
يعني إيه الكلام ده؟
ابتسم عمها وقال
يعني أبوكي كان ليه نصيب كبير في الأرض دي.
وأين الأرض الآن؟
رد
لسه موجودة.
وقيمتها كام؟
تنهد الحاج حسن وقال
من عشرين سنة كانت عادية...
النهارده قيمتها بالملايين.
رانيا لم تصدق.
ظلت تنظر للأوراق كأنها مكتوبة بلغة أخرى.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر ملف.
ملف أحمر صغير.
فتحته.
فوجدت صورة قديمة تجمع والدها مع ثلاثة رجال.
وعلى ظهر الصورة جملة مكتوبة بالقلم
إذا اختفى أي واحد منا... فليحذر الباقون.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
رفعت رأسها بسرعة.
وقالت
يعني إيه الجملة دي؟
سكت عمها.
سكت طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض
لأن الأرض دي زمان كان عليها نزاع كبير...
وفي ناس حاولت تستولي عليها.
ازدادت حيرة رانيا.
لكن قبل أن تسأله أكثر...
رن هاتف الحاج حسن.
نظر إلى الشاشة.
وفجأة اختفت الابتسامة من وجهه.
أغلق الهاتف دون رد.
ثم قال بقلق
إحنا اتأخرنا.
اتأخرنا في إيه؟
اقترب منها وهمس
واضح إن حد عرف إن الأوراق ظهرت من جديد.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة إلى هاتف رانيا من رقم مجهول.
فتحتها.
فوجدت سطرًا واحدًا فقط
ارجعي الصندوق مكانه... لو عايزة تعيشي في سلام.
تجمدت في مكانها.
ونظرت إلى عمها.
فوجدته ينظر إليها
بنفس الرعب...
وكأنه كان يتوقع وصول الرسالة منذ سنوات تجمدت رانيا وهي ماسكة الموبايل.
الرسالة كانت قصيرة...
لكنها كانت كفاية تخلي قلبها يدق بعنف.
رفعت الشاشة قدام عمها.
قرأ الرسالة.
ولأول مرة شافت الخوف الحقيقي في عينيه.
جلس على الكرسي وقال
يبقى فعلًا عرفوا.
سألته بسرعة
مين هما؟
تنهد الحاج حسن وقال
ناس كانت فاكرة إن الملف ده ضاع للأبد.
سكت لحظة ثم أكمل
بعد وفاة أبوكي بأشهر، جه ناس كتير تسأل عن الأوراق. وكل واحد كان بيقول إنه صاحب حق. لكن أبوكي كان أذكى من الكل. قسم المستندات وحفظها في أكتر من مكان.
رانيا بدأت تفهم أن الموضوع أكبر من مجرد أرض.
فتحت الملف الأحمر مرة تانية.
وبدأت تدقق في الصور.
وفجأة انتبهت لشيء غريب.
في خلفية إحدى الصور كان ظاهر مبنى قديم.
وعليه لافتة صغيرة.
الحاج حسن لما شاف الصورة اتغيرت ملامحه.
وقال
دي أول مرة آخد بالي منها.
إيه هي؟
أشار بإصبعه.
المبنى ده.
دققت رانيا النظر.
كان مخزنًا قديمًا مهجورًا.
لكن على الباب كان مكتوب رقم.
نفس الرقم الموجود في ورقة صغيرة داخل الصندوق.
الورقة التي لم يفهم أحد معناها طوال السنوات الماضية.
وقف الحاج حسن فجأة.
وقال
لازم نروح هناك.
في نفس اليوم تحركوا.
المخزن كان في منطقة قديمة بعيدة عن الزحام.
الباب كان مغطى بالتراب والصدأ.
واضح أنه لم يُفتح منذ سنوات.
أخرج الحاج حسن مفتاحًا قديمًا من بين أوراق الصندوق.
وبعد عدة محاولات...
دار المفتاح.
وانفتح الباب.
دخلوا بحذر.
المكان كان مليئًا بالصناديق الخشبية القديمة.
والغبار يملأ الجو.
وبين كل الفوضى...
وجدوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا مثبتًا في الحائط.
عليه نفس الأحرف الأولى من اسم والد رانيا.
شعرت بقشعريرة.
فتحت الصندوق.
وفي داخله...
دفتر مذكرات.
ومظروف مختوم.
وشريط تسجيل قديم.
رجعوا بسرعة إلى البيت.
وبدأوا يقرأون المذكرات.
كانت كلها بخط والدها.
تشرح بالتفصيل تاريخ الأرض.
والشركاء.
وكل المستندات.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
مكتوب
فيها
إذا وصلت هذه الأوراق إلى رانيا، فاعلمي أن أغلى شيء تركته لكِ ليس الأرض ولا المال...
توقفت رانيا للحظة.
ثم أكملت القراءة.
...بل السمعة الطيبة والحق الذي لا يضيع.
انهمرت دموعها.
أما المظروف المختوم فكان يحتوي على مستندات رسمية كاملة تثبت الحقوق القانونية بشكل واضح.
وهنا فهم الحاج حسن سبب كل الخوف.
الوثائق دي كانت كافية لإنهاء أي نزاع نهائيًا.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت في اليوم التالي.
حين استعانوا بمحامٍ لمراجعة الأوراق.
وبعد ساعات من الفحص قال لهم
أنا مش مصدق.
سألته رانيا بقلق
في مشكلة؟
ابتسم المحامي وقال
بالعكس.
ثم رفع أحد العقود أمامها.
وأضاف
الأرض دي لم تعد أرضًا عادية.
يعني إيه؟
رد
المنطقة كلها دخلت ضمن مشروع تطوير كبير من سنوات.
ابتلعت رانيا ريقها.
فأكمل
وقيمة نصيب والدك اليوم تضاعفت مرات كثيرة.
ثم ذكر رقمًا.
رقمًا جعل رانيا وعمها ينظران لبعضهما في ذهول.
رقمًا لم يكونا يتخيلان رؤيته حتى في الأحلام.
لكن رانيا وقتها لم تفكر في المال.
كل ما فكرت فيه هو والدها.
الرجل الذي رحل منذ سنوات...
ومع ذلك ظل يحمي حق ابنته حتى بعد غيابه.
وبعد شهور من الإجراءات القانونية، استعادت رانيا كامل حقها بطريقة رسمية.
واستخدمت جزءًا من العائد في إنشاء مؤسسة خيرية باسم والدها لمساعدة الطلاب غير القادرين.
أما الحاجة فايزة ونجلاء...
فلما عرفوا القصة حاولوا التقرب منها من جديد.
لكن رانيا تعلمت درسًا لن تنساه أبدًا
العطاء جميل...
لكن لا بد أن يكون معه حدود تحفظ الكرامة والحقوق.
لكن رانيا كانت مخطئة في حاجة واحدة...
إنها افتكرت إن الحكاية انتهت.
بعد ما خلصت الإجراءات القانونية، واستلمت حقها، وبدأت مشروع المؤسسة الخيرية باسم والدها، بدأت حياتها ترجع لطبيعتها.
لحد ليلة مطرية هادئة...
كانت قاعدة في مكتبها في البنك بتراجع بعض الملفات قبل ما تمشي.
وفجأة دخل موظف الأمن.
وقال
أستاذة رانيا... في راجل كبير مستني حضرتك تحت.
استغربت.
الساعة كانت قرب التاسعة
مساءً.
مين ممكن ييجي في الوقت ده؟
نزلت.
فوجدت رجلًا تجاوز السبعين.
واقف بعصاه.
ولما شافها، ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال
أخيرًا شوفت بنت محمود.
اتجمدت رانيا.
محمود كان اسم والدها.
سألته بسرعة
حضرتك تعرف بابا؟
هز رأسه.
وأخرج من جيبه صورة
تم نسخ الرابط