خطيبة رجل الاعمال

لمحة نيوز

يده وأخرج ظرفًا قديمًا.
وقال
في حاجة احتفظت بيها سنين طويلة.
فتحت الظرف.
فوجدت بداخله أول رسمة رسمتها وهي طفلة.
كانت مجرد خطوط غير مفهومة.
وبيانو كبير مرسوم بشكل مضحك.
وفي الركن كلمة مكتوبة بحروف متكسرة
بابا.
لم تستطع ليلى الكلام.
لأنها لم تتذكر أصلًا أنها رسمت هذه الورقة.
قال كريم بصوت هادئ
أول ما عرفتي إني أبوكي رسمتيها وخبيتيها تحت المخدة.
ولما لقيتها احتفظت بيها.
مسحت دموعها.
وقالت
إنت احتفظت بورقة كل السنين دي؟
ضحك.
دي أغلى من أي عقد شركة وقعته في حياتي.
ثم ساد الصمت.
الصمت الجميل الذي لا يحتاج كلامًا.
لكن فجأة...
شعر كريم بدوار خفيف.
فأمسكت ليلى يده بسرعة.
وقالت بقلق
إنت كويس؟
ابتسم لها.
وقال
متخافيش.
لكنها عرفت من عينيه أن العمر ترك أثره أخيرًا.
في الأشهر التالية...
أصبح كريم أضعف شيئًا فشيئًا.
وكانت ليلى تلغي حفلات كثيرة لتبقى بجواره.
تمامًا كما بقي هو بجوارها عندما كانت صغيرة.
وفي إحدى الليالي الهادئة.
..
طلب منها شيئًا واحدًا فقط.
قال
ممكن تعزفيلي؟
جلست أمام البيانو.
وسألته
إيه المقطوعة اللي بتحبها؟
ابتسم.
وقال
أول لحن سمعته منك.
فهمت فورًا.
وعزفت تلك النغمات البسيطة التي كانت تضغطها ببراءة وهي طفلة عمرها ثلاث سنوات.
اللحن الذي لا يعرفه أحد.
اللحن الذي بدأت به الحكاية كلها.
أغمض كريم عينيه.
وظل يستمع.
والابتسامة على وجهه.
كأنه عاد عشرات السنين إلى الوراء.
إلى تلك اللحظة التي دخل فيها الصالون...
ورأى طفلة صغيرة تبكي بجوار البيانو.
فغيّرت حياته كلها.
وعندما انتهت ليلى من العزف...
فتحت عينيها ونظرت إليه.
فوجدته ما زال مبتسمًا.
وما زالت يده تمسك الرسمة القديمة.
فهمت وقتها أن والدها رحل بهدوء...
بين أحب الناس إلى قلبه.
وعلى صوت أكثر شيء أحبه في الدنيا.
عزف ابنته.
بكت ليلى كثيرًا.
لكنها لم تسمح للحزن أن يهزمها.
لأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.
أن بعض الأشخاص لا يختفون عندما يرحلون.
بل يبقون في كل ذكرى جميلة تركوها
خلفهم.
وفي كل نغمة موسيقية.
وفي كل طفل يتعلم في الأكاديمية.
وفي كل مرة يجلس أحدهم أمام البيانو ويقول
هو بيغني.
وبعد سنوات...
عُلقت صورة كبيرة لكريم في مدخل الأكاديمية.
وتحتها عبارة واحدة فقط
الرجل الذي اكتشف ابنته متأخرًا... لكنه أحبها بما يكفي ليعوضها عن كل السنين. 
النهاية الحقيقية. النهاية الأخيرة للحكاية...
مرت ثلاثون سنة أخرى.
وأصبحت ليلى سيدة في الخمسينات من عمرها.
لكنها ما زالت تحتفظ بنفس الابتسامة التي كانت ترتسم على وجهها وهي طفلة صغيرة أمام البيانو.
وفي يوم من الأيام...
كانت الأكاديمية تحتفل بمرور نصف قرن على تأسيسها.
القاعة كانت ممتلئة بمئات الأطفال والشباب الذين تعلموا فيها.
منهم أطباء.
ومنهم مهندسون.
ومنهم موسيقيون عالميون.
كل واحد منهم كانت له قصة بدأت من هنا.
صعدت ليلى إلى المسرح وسط تصفيق طويل.
ثم وقفت أمام الميكروفون.
وقالت
الناس فاكرة إن الأكاديمية بدأت يوم افتتحناها.
لكن الحقيقة إنها
بدأت قبل كده بسنين.
بدأت يوم طفلة صغيرة وقعت من على مقعد بيانو.
ساد الصمت.
والجميع يستمع.
ثم أكملت
في اليوم ده كنت فاكرة إن الدنيا انتهت.
لكن ربنا كان بيبدأ لي حياة جديدة.
ثم أشارت إلى البيانو القديم الموجود في منتصف المسرح.
البيانو الذي تم الاحتفاظ به كل تلك السنوات.
وقالت
الآلة دي غيرت مصير عيلة كاملة.
بعد انتهاء الحفل...
بقيت ليلى وحدها في القاعة.
كما كانت تفعل دائمًا.
جلست أمام البيانو.
وضغطت أول مفتاح.
فصدر نفس الصوت القديم.
نفس النغمة.
نفس البداية.
أغمضت عينيها.
وكأنها ترى أمها.
وترى كريم.
وترى نفسها طفلة صغيرة تركض في الصالون.
ثم ابتسمت وقالت بهمس
شكرًا.
شكرًا لأمها التي لم تستسلم.
شكرًا لأبيها الذي أحبها بكل قلبه عندما عرف الحقيقة.
شكرًا للقدر الذي جمعهم.
وشكرًا لذلك اليوم الذي ظن الجميع أنه كارثة.
بينما كان في الحقيقة بداية أجمل قصة في حياتهم.
وعندما أُغلقت أنوار القاعة في آخر الليل...
ظل البيانو
وحده في الظلام.
هادئًا.
صامتًا.
لكن لو اقترب أحد منه بما يكفي...
ربما كان سيسمع صدى ضحكة طفلة صغيرة تقول
هو بيغني.
تمت.

تم نسخ الرابط