خطيبة رجل الاعمال
المحتويات
فكانت واقفة عند نافذة الفندق تنظر إلى أضواء المدينة.
غير مدركة أن وجودها وحده...
كان السبب في شفاء قلبين ظلا مكسورين لسنوات طويلة.
النهاية السعيدة الحقيقية بدأت من يوم ما طفلة صغيرة جلست قدام بيانو... وخبطت على أول مفتاح. مرت سنوات أخرى...
وأصبحت ليلى اسمًا معروفًا في عالم الموسيقى.
لكن رغم الشهرة والنجاح، كان هناك شيء غريب لم يفهمه أحد.
كلما صعدت على أي مسرح جديد لأول مرة...
كانت تعزف نفس اللحن القصير لمدة عشر ثوانٍ قبل أن تبدأ عرضها.
لحن بسيط جدًا.
لا يعرفه أحد.
ولا يوجد في أي كتاب موسيقي.
وعندما كان الصحفيون يسألونها عنه، كانت تبتسم فقط وتقول
ده سر.
في عيد ميلادها الثامن عشر، قررت ليلى إقامة حفل كبير في الفيلا القديمة.
نفس الفيلا التي بدأت فيها القصة كلها.
امتلأ المكان بالضيوف.
والصحفيين.
وأصدقاء العائلة.
وفي نهاية الحفل وقفت ليلى أمام الجميع وقالت
في حاجة عمري ما حكيتها لحد.
ساد الصمت.
ثم أكملت
أنا فاكرة اليوم اللي وقعت فيه من على البيانو.
نظر كريم ومنى لبعضهما بدهشة.
فقد ظنا دائمًا أنها كانت صغيرة جدًا على التذكر.
ابتسمت ليلى وقالت
يمكن مش فاكرة كل التفاصيل... لكن فاكرة شعور معين.
إيه هو؟ سألها كريم.
ردت
إني لما وقعت كنت خايفة جدًا... وبعدها فتحت عيني لقيتك واقف قدامي.
سكتت لحظة.
وأضافت
ومن يومها حسيت إن حياتي كلها اتغيرت.
ثم اتجهت نحو البيانو القديم الموجود في الصالون.
نفس البيانو.
الذي بدأ منه كل شيء.
جلست أمامه.
وضغطت أول مفتاح.
ثم عزفت اللحن السري الذي كانت تبدأ به حفلاتها دائمًا.
بعد انتهاء المقطوعة، رفعت رأسها وقالت
عارفين اللحن ده؟
هز الجميع رؤوسهم بالنفي.
ابتسمت.
وقالت
ده أول صوت سمعته من البيانو وأنا عندي 3 سنين.
ضحك الحضور.
لكن عيون كريم امتلأت بالدموع.
لأنه فهم المعنى.
هي لم تنسَ أبدًا تلك اللحظة.
ولم تنسَ أبدًا اليوم الذي جمعهما القدر فيه.
وفي نهاية السهرة...
اقترب كريم من ابنته.
وقال
لو رجع بيا الزمن، كنت أتمنى أعرف بوجودك من أول يوم.
ابتسمت ليلى وأمسكت يده.
وقالت
ولو
كنت هقعد على البيانو برضه.
ضحك الاثنان.
ثم أضافت
لأن لو ما حصلش اللي حصل... يمكن ما كنتش لاقيتك.
عندها أدرك كريم أن بعض الجروح التي بدت مؤلمة يومًا ما...
كانت هي نفسها الأبواب التي قادتهم إلى أجمل ما في حياتهم.
ومن خلف النافذة، كان ضوء الغروب يدخل إلى الصالون القديم...
وينعكس على مفاتيح البيانو البيضاء والسوداء...
كأنه يهمس بالقصة كلها من جديد.
قصة طفلة صغيرة لم تكن تعرف أنها تبحث عن أبيها... وأب لم يكن يعرف أن سعادته كانت تعزف أمامه كل يوم. بعد الحفل بأيام قليلة...
كانت ليلى ترتب بعض الصناديق القديمة في مخزن الفيلا.
المكان كان مليئًا بصور قديمة وأوراق تركتها الأجيال السابقة.
وأثناء البحث...
وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا عليه اسم جدتها.
والدة كريم.
التي توفيت قبل سنوات طويلة.
حملت الصندوق وفتحته بحذر.
فوجدت بداخله صورًا ورسائل قديمة.
وورقة مطوية بعناية.
جلست على الأرض وفتحت الورقة.
كانت رسالة بخط يد جدتها.
لكن الغريب...
أن الرسالة كانت مكتوبة قبل ولادة ليلى بسنوات.
وقرأت فيها
إلى حفيدي أو حفيدتي الذي قد لا أراه يومًا...
توقفت ليلى بدهشة.
ثم أكملت القراءة.
كانت الرسالة مليئة بالنصائح والحب.
وكأن الجدة كانت تتحدث إليها مباشرة.
وفي آخر الرسالة جملة جعلت الدموع تملأ عينيها
إذا وجدت هذه الرسالة يومًا، فتذكر أن العائلة ليست من يولدون معك فقط... بل من يحبونك مهما حدث.
في المساء جمعت ليلى والدها ووالدتها.
وقرأت لهما الرسالة بصوت مرتجف.
بكت منى.
أما كريم فظل صامتًا طويلًا.
ثم قال
أمي كانت تتمنى تشوفك.
ابتسمت ليلى وسط دموعها.
وقالت
يمكن شافتني بطريقة ما.
بعد أسابيع...
أعلنت ليلى عن مشروع جديد.
لكن لم يكن ألبومًا موسيقيًا.
ولا حفلًا عالميًا.
بل مدرسة مجانية لتعليم الموسيقى للأطفال غير القادرين.
أطلقت عليها اسم
أكاديمية البيانو الذي يغني.
الاسم جعل كريم يضحك أول مرة سمعه.
أما منى فبكت فورًا.
لأنها عرفت من أين جاء الاسم.
وفي يوم الافتتاح...
امتلأت القاعات بالأطفال.
بعضهم لم
وبعضهم جاء بملابس بسيطة جدًا.
مثلما كانت ليلى طفلة بسيطة يومًا ما.
وقفت أمامهم وقالت
الموهبة مش بتسأل أنت غني ولا فقير.
ولا ابن مين.
ولا ساكن فين.
الموهبة بس محتاجة فرصة.
صفق الجميع.
لكن في آخر الصف...
كانت هناك طفلة صغيرة تجلس وحدها.
شعرها مجعد.
وثوبها بسيط.
وعيناها مليئتان بالفضول.
بعد انتهاء الكلمة...
اقتربت من البيانو.
وضغطت مفتاحًا واحدًا فقط.
ثم ابتسمت.
وقالت
هو بيغني.
تجمدت ليلى مكانها.
ثم انفجرت ضاحكة.
والدموع في عينيها.
لأنها سمعت الجملة نفسها مرة أخرى...
بعد عشرين عامًا كاملة.
الجملة التي بدأت بها قصتها.
اقتربت من الطفلة.
وجلست على ركبتيها أمامها.
وسألتها
اسمك إيه؟
قالت الطفلة بخجل
مريم.
مدت ليلى يدها.
وقالت
تحبي أكون أول مدرسة موسيقى ليكي؟
أضاء وجه الطفلة من السعادة.
وهزت رأسها بقوة.
وفي تلك اللحظة...
فهمت ليلى شيئًا مهمًا.
أن أجمل نهاية لأي قصة جميلة...
هي أن تصبح بداية لقصة أجمل لشخص آخر.
وهكذا استمرت الموسيقى...
واستمر البيانو في الغناء...
جيلًا بعد جيل.
تمت النهاية فعلاًلكن الحقيقة...
ما كانتش النهاية فعلًا.
لأن بعد افتتاح الأكاديمية بشهرين...
حصل شيء غريب جدًا.
كانت ليلى خارجة من مكتبها آخر الليل.
بعد يوم طويل من التدريب.
وهي بتقفل الأنوار، لاحظت طفلة صغيرة قاعدة لوحدها قدام البيانو الكبير.
استغربت.
لأن الأكاديمية كانت فاضية.
وكل الأطفال مشيوا من ساعة.
اقتربت منها بهدوء.
وقالت
إنتِ لسه هنا؟
الطفلة رفعت رأسها.
وكانت مريم.
نفس البنت اللي قابلتها يوم الافتتاح.
لكن وشها كان حزين بشكل غير معتاد.
سألتها ليلى
مالك يا حبيبتي؟
ردت بصوت منخفض
ماما تعبانة.
قعدت ليلى جنبها.
وعرفت إن أم مريم كانت بتشتغل ليل نهار علشان تصرف على بنتها.
وإنها دخلت المستشفى فجأة.
وإن مريم كانت خايفة ترجع البيت لوحدها.
في اللحظة دي...
رجعت ليلى عشرين سنة لورا.
افتكرت أمها.
وهي بتحارب الدنيا كلها علشان تربيها.
افتكرت التعب والخوف والوحدة.
فمسكت إيد مريم.
وقالت
من النهارده.
في الأيام التالية...
تكفل كريم بعلاج أم مريم.
وأصبحت الأكاديمية تساعد عشرات الأطفال المحتاجين.
لكن مريم بالذات...
أصبحت قريبة جدًا من العائلة.
كانت تقضي أغلب وقتها مع ليلى.
وتتعلم منها الموسيقى.
وتحكي لها أسرارها الصغيرة.
وكأن القدر أعاد المشهد من جديد...
لكن هذه المرة ليلى هي التي تمد يدها لطفلة أخرى.
مرت سنوات.
وكبرت مريم.
وفي عمر السادسة عشرة...
فازت بأكبر مسابقة موسيقية للشباب.
وكانت أول شخص تبحث عنه بعد إعلان النتيجة هو ليلى.
جرت نحوها وسط الزحام.
وقالت
الناس كلها بتقول إني نجحت بسبب موهبتي.
بس أنا نجحت لأنك صدقتيني قبل ما أصدق نفسي.
بكت ليلى.
لأنها تذكرت كلامًا مشابهًا كانت تريد قوله لأبيها وأمها يومًا ما.
وفي ليلة هادئة بعد سنوات طويلة...
كان كريم يجلس في حديقة الفيلا.
شعره أصبح أبيض بالكامل.
وليلى تجلس بجانبه.
قال لها مبتسمًا
فاكرة أول يوم شفتك فيه؟
ضحكت.
أكيد.
فاكرة كنتِ عاملة إيه؟
قالت وهي تشير نحو البيت
كنت بخلّي البيانو يغني.
ضحك كريم حتى دمعت عيناه.
ثم نظر إلى السماء.
وقال
سبحان الله...
زقة صغيرة كان ممكن تضيع حياة طفلة.
لكن ربنا خلاها السبب اللي جمع عيلة كاملة.
سكتت ليلى لحظة.
ثم أسندت رأسها على كتفه كما كانت تفعل وهي صغيرة.
وقالت
أحيانًا أكبر النعم...
بتدخل حياتنا من باب ما كناش نتوقعه.
وكانت أنوار الأكاديمية تلمع من بعيد.
وأصوات الأطفال تتردد في القاعات.
وألحان جديدة تولد كل يوم.
أما البيانو القديم...
فما زال في مكانه.
شاهداً على اللحظة التي بدأت منها الحكاية كلها.
الحكاية التي أثبتت أن لمسة صغيرة على مفتاح موسيقي...
قد تغيّر مصير أناس كثيرين إلى الأبد.
النهاية الأخيرة. بعد سنوات طويلة جدًا...
أصبحت ليلى من أشهر عازفات البيانو في العالم.
وكان اسمها يُذكر في أكبر المسارح في إيطاليا وألمانيا واليابان.
لكن رغم كل النجاح...
كانت هناك عادة لم تتغير أبدًا.
كل ليلة جمعة...
كانت ترجع إلى الفيلا القديمة.
وتجلس وحدها أمام البيانو الأول.
نفس البيانو.
نفس
ونفس النافذة التي كانت تدخل منها الشمس يوم وقعت وهي طفلة.
وفي إحدى الليالي...
دخلت الفيلا فوجدت كريم جالسًا أمام البيانو.
شعره الأبيض صار أكثر بياضًا.
وحركته أصبحت أبطأ.
لكنه كان مبتسمًا.
قال لها
كنت مستنيكي.
ابتسمت وجلست بجواره.
ثم قالت
خير يا بابا؟
مد
متابعة القراءة