من 25 سنه ابويا لقى طفل صغير مرمى
إنّي اتسابيت عشان أتحمل العيشة دي لوحدي.
اقترب خطوة.
وبصّ في عيني يوسف
إنت اتربيت في بيت دافي وأنا اتربيت في مكان محدش ينجو منه غير بالصدفة.
ساعتها حسّيت إن في نار قديمة بدأت تولع من تاني.
يوسف سأل
مين اللي عمل كده فينا؟
الراجل رد بسرعة
ناس أكبر من اللي تتخيلهم ناس مش عايزة الحقيقة تطلع.
وفجأة سمعنا صوت باب الحديد بيتقفل وراينا.
التفتنا كلنا.
وكان في 3 رجال واقفين عند المدخل.
مش فلاحين.
ولا من البلد.
لبسهم كان غريب ووشوشهم مش مطمّنة.
واحد منهم قال
خلص الكلام.
يوسف وقف قدامي خطوة.
وقال بصوت ثابت لأول مرة
أنا مش طفل ضايع تاني.
وساعتها أخوه ابتسم وقال
وأنا مش ههرب تاني.
الرجالة بدأت تقرب.
والتراب اتملّى حركة.
لكن قبل ما يحصل أي حاجة
يوسف مد إيده في جيبه وطلع ظرف قديم.
ورماه على الأرض.
وقال
ده الدليل اللي يوقعكم مش إحنا.
واحد من الرجال اتجمد مكانه أول ما شاف الظرف.
وقال بصوت منخفض
إنت جبت ده منين؟
يوسف رد
من أول مكان اتقال لي فيه كلمة الحقيقة من اللي رماني ورماني معاه.
وفجأة
كل حاجة اتقلبت.
الرجالة بدل ما يقربوا بقوا بيرجعوا لورا.
كأنهم شافوا شيء مش متوقع.
أخوه قال
يبقى اللعبة خلصت.
لكن يوسف رد
لأ دي لسه بدأت من جديد بس المرة دي إحنا اللي ماسكين الورق.
وفي اللحظة دي
أول مرة أشوف يوسف مش ابن لقيته في المطر
لكن راجل قرر يواجه
واللي جاي مش هروب.
اللي جاي مواجهة كاملة الرجالة واقفين في مدخل المكان بس مكانهم ما بقاش ثابت زي الأول.
كأنهم فقدوا ثقتهم.
واحد فيهم بص للآخر وقال بصوت واطي
الملف ده ما كانش المفروض يطلع.
يوسف سمعها.
وخد خطوة لقدّام وقال
يبقى كنتوا متأكدين إننا مش هنفهم أو مش هنقدر نوصل.
أخوه التاني لف ناحيتي أنا وقال
إحنا طول عمرنا مش بنسأل إحنا بس بنتنفذ علينا.
وساعتها حصل اللي ماكانش في الحسبان.
يوسف فتح الظرف أكتر.
وطلع منه ورقة صغيرة جدًا.
بس كانت مختلفة.
كان عليها ختم رسمي قديم.
ومكتوب فيها اسم مشروع سري اتقفل من سنين.
لما الراجل اللي عند الباب شافها وشه اتغير تمامًا.
وقال
إنتوا دخلتوا في حاجة أكبر من العيلة دي.
يوسف رد بهدوء
لأ إحنا رجعنا للحقيقة.
وفجأة
واحد من الرجالة ضغط على جهاز صغير في إيده.
لكن مفيش حاجة حصلت زي ما كان متوقع.
الجهاز ما اشتغلش.
الاتصال اتقطع.
كأنه فقد السيطرة.
الأخ التاني ابتسم وقال
واضح إنكوا كنتوا متوقعين إننا هنفضل دايمًا تحت السيطرة.
وبص ليوسف
بس المرة دي إحنا مش طفلين مرميين.
ساعتها الراجل اللي في المدخل رجع خطوة لورا.
وقال
الموضوع خرج عن السيطرة لازم ننسحب.
لكن يوسف رفع صوته لأول مرة
مفيش حد هيمشي قبل ما نعرف الحقيقة كاملة.
الصمت رجع ثواني.
وبعدين الراجل الأكبر فيهم قال جملة واحدة
لو
وسابوا المكان ومشوا بسرعة، كأنهم بيهربوا من حاجة مش شايفينها.
فضلنا واقفين في الترعة القديمة.
الهواء تقيل.
والتراب ساكت.
أخوه بص ليوسف وقال
هو في مكان واحد بس بيجمع كل الخيوط.
يوسف رد
المكان اللي اتولدت فيه الحقيقة مش إحنا.
وبص لي أنا.
وقال
لازم تيجي معانا يا بابا.
وقتها حسّيت إن رجليّا تقيلة.
بس في قلبي كنت عارف إن القصة وصلت لمرحلة مفيهاش رجوع.
وإن اللي جاي
مش مجرد كشف سر.
ده مواجهة مع أصل الحكاية كلها يوسف أخدني بإيده، ومشينا لأول مرة في طريق أنا عمري ما تخيلت أروحه.
مش طريق زراعة ولا بلدنا.
كان طريق خارج كل اللي نعرفه.
وصلنا لمبنى قديم جدًا، شكله شبه مدرسة مهجورة أو مستشفى متقفلة من سنين.
بابه حديد، وعليه رقم مطموس.
الأخ التاني وقف قدامه وقال
هنا بدأ كل حاجة وهنا اتخبّى كل حاجة.
يوسف بص لي وقال بهدوء
أنا مش داخل المكان ده علشان أنتقم أنا داخل علشان أفهم.
ودخلنا.
الهواء جواه كان بارد بشكل غريب.
كل خطوة كانت بتعمل صدى كأن المكان فاضي من الحياة من زمان.
لحد ما وصلنا أوضة كبيرة في النص.
فيها ملفات كتير مكدسة قديمة.
يوسف بدأ يقلب.
وفجأة سكت.
مسك ملف معين بإيده.
وشه اتغير.
قال بصوت مبحوح
أنا مش أول يوسف.
بصيت له بصدمة
إزاي؟
فتح الملف وورّاه لي.
كان فيه أسماء لأطفال كتير.
نفس التجربة نفس الاختفاء نفس إعادة التوزيع.
مش حالة واحدة.
مش توأم.
نظام كامل.
مشروع كامل بيخلق أطفال من ماضي مجهول ويعيد توزيعهم على عائلات مختلفة.
واللي كانوا فاكرينه حادث كان نظام متكرر.
يوسف بصلي وقال
أنا كنت تجربة بس أنت كنت الاستثناء الوحيد.
سكت لحظة.
وبعدين قال
لأنك لما لقيتني ما سألتش مين أنا اخترتني أنا.
الأخ التاني قال
كلنا كنا مفصولين عن الحقيقة لحد ما هو جمعنا.
وفجأة صوت إنذار قديم اشتغل في المكان.
المبنى كله بدأ يهتز.
كأن النظام القديم بيتقفل أو بيتدمر.
يوسف مسك إيدي وقال
لازم نخرج دلوقتي.
جرينا.
والملفات بتتقع وراينا.
والباب الحديد بيتقفل أوتوماتيك.
طلعنا بالعافية.
وقفنا برا.
والمبنى وراينا بدأ ينهار بهدوء من غير صوت كبير.
كأنه بيتمحى من التاريخ.
مرّت شهور بعدها.
البلد رجعت لحياتها الطبيعية.
المركز الطبي اتفتح.
والمدرسة بدأت تشتغل.
والأخ التاني بقى جزء من حياتنا.
لكن يوسف كان مختلف.
في يوم الصبح، لقيته قاعد قدام البيت.
بص لي وقال
أنا فاكر كل حاجة بس مش عايز أعيشها تاني.
سألته
رايح فين؟
ابتسم وقال
أعيش حياة عادية زي ما اتربيت عليها هنا.
ومد إيده في إيدي.
وقال آخر كلمة
أنا مش محتاج أعرف أنا مين أنا عرفت أنا بقيت إيه بسببك.
وساب البيت ومشي.
من غير وداع كبير.
ومن غير ضوضاء.
بس المرة دي ماكانش ضايع.
كان حر.
وأنا
وبصيت للطريق.
وعرفت إن بعض الحكايات مش نهايتها اكتشاف الحقيقة
لكن نهايتها إنك تتصالح مع اللي حصل وتكمل عادي.
تمت.