من 25 سنه ابويا لقى طفل صغير مرمى
المحتويات
الهدوء رجع فجأة بشكل غريب.
كأن في حاجة لسه ما اتقفلتش.
يوسف كان واقف جنب اللوحة، لكن عينيه مش على الناس.
كانت على طريق بعيد، واقف عليه شخص لوحده.
راجل لابس بدلة قديمة، وبيتابع من بعيد من غير ما يقرب.
سألت يوسف
مين ده؟
سكت لحظة.
وبعدين قال بصوت منخفض
ده اللي كنت بدور عليه طول عمري.
الناس بدأت تلاحظ وجوده.
الراجل بدأ يقرب ببطء.
وكل خطوة كان بيقربها، كنت بحس إن الجو بيقلّ تقيل أكتر.
لما وصل قدامنا، قال
أخيرًا لقيتك يا يوسف.
يوسف شدّ نفسه وقال
أنت مين؟
الراجل ابتسم ابتسامة مرهقة وقال
أنا السبب إنك كنت في البطانية الزرقا.
الناس اتجمدت في مكانها.
وأمينة صرخت
إيه الكلام ده؟!
الراجل رفع إيده بهدوء وقال
أنا سائق العربية اللي حصل فيها الحادثة ليلة المطر وأنا اللي أخدته وخبيته يومها.
سكت لحظة.
وبص ليوسف وقال
أنا ما رميتكش أنا أنقذتك من حاجة أكبر من إنك تتخيلها.
يوسف قرب منه خطوة وقال
من إيه؟
الراجل فتح شنطة قديمة كان شايلها.
وطلع منها ملف أصفر.
وقال
من العيلة اللي كنت هترجع لها كانت هتقتلك عشان الميراث.
الناس اتصدمت.
ويوسف مسك الملف بسرعة وبدأ يقلب فيه.
وكان فيه أدلة أسماء تهديدات واعترافات.
كلها بتأكد إن أمه ما كانتش بتخبيه عبثًا كانت بتحميه فعلًا.
يوسف رفع عينيه ببطء.
والصوت كان هادي جدًا
يعني أنا طول عمري مشيت في طريقين واحد رماني، وواحد خلاني أعيش
وبص
وقال
وأنت الوحيد اللي مافكرتش تسيبني في أي طريق.
سكت لحظة.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
بس دلوقتي أنا قررت حاجة أخيرة.
الكل حبَس أنفاسه.
قال
هفضّل هنا في نفس البلد مش علشان الماضي لكن علشان أبدأ من جديد معاك يا بابا.
الناس بدأت تبتسم وسط دموع.
وأمينة قعدت على الأرض وعيطت من غير ما تتكلم.
والراجل اللي جه من بعيد رجع خطوة لورا وقال
أنا عملت اللي عليا والباقي خلاص ملككم.
ومشى بهدوء ناحية الطريق، واختفى مع الغبار.
يوسف مسك إيدي وقال
اللي جاي أحسن مش علشان اتعوضت لكن علشان اتفهمت.
وساعتها بس
حسّيت إن الحكاية اللي بدأت بطفل مرمي في المطر
اتقفلت أخيرًا على معنى ماكنتش أقدر أكتشفه لوحدي طول عمري مرت أيام قليلة بعد الحادثة الأخيرة.
والبلد اللي كانت طول عمرها مليانة كلام وهمس بقت ساكتة بشكل مختلف.
مش سكوت فضول سكوت احترام.
يوسف بدأ يعيش وسط الناس بشكل طبيعي أكتر.
يروح الأرض معايا أوقات.
ويقف مع الفلاحين.
ويضحك لأول مرة من قلبه من غير ما يكون شايل حاجة تقيلة جواه.
لكن في يوم الصبح بدري
لقيته جايلي وهو متوتر.
قال
في حاجة لازم تشوفها يا بابا.
ركبنا العربية من غير كلام.
وكل ما نمشي أكتر، كنت حاسس إن الطريق مش رايح لخير.
لحد ما وقفنا قدام مبنى قديم كان مهجور من سنين.
سألته
جايبني هنا ليه؟
قال
هنا أول مكان اتسجل فيه اسمي لما اتلاقيت.
دخلنا.
التراب
والحيطان متشققة.
لكن في أوضة صغيرة في النص
كان في مكتب خشب قديم.
وعليه ملف واحد بس.
يوسف فتحه بإيده.
وفجأة وشه اتغير.
قلت له
في إيه؟
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي
في حاجة ما اتقالتش قبل كده.
مدلي الورق.
وأول ما قرأت
قلبي وقع.
كان تقرير قديم جدًا.
مكتوب فيه إن الطفل اللي اتلاقي في المطر
ماكانش لوحده.
كان معاه طفل تاني.
التوأم.
ساعتها بصيت له بصدمة.
وقلت
يعني إيه؟
يوسف رفع عينه وقال
يعني أنا ماكنتش لوحدي كان ليا أخ.
السكوت اللي حصل بعدها كان أصعب من أي كلام.
رجعنا البيت من غير ما حد يتكلم.
والليلة دي ما نمتش.
كل لحظة في حياتي مع يوسف كانت بتمر قدامي.
ولأول مرة
حسّيت إن في جزء ناقص فعلاً.
بعد يومين، يوسف اختفى.
ما ردش على تليفونه.
ولا حد شافه.
قلبت البلد كلها عليه.
لحد ما وصلتني رسالة منه على ورقة صغيرة
لو لقيت الرسالة دي يبقى أنا قربت أخلص الحقيقة.
ساعتها فهمت.
إن القصة لسه ما انتهتش.
وإن الطفل اللي اتربى
كان لسه رايح يقابل نصه التاني.
وإن اللي جاي
مش نهاية حكاية.
ده بداية حكاية أخطر بكتير من كل اللي فات.
وهنا الحكاية لسه مكملة خرجت من البيت وأنا قلبي بيدق بسرعة غير طبيعية.
كل خطوة في الشارع كانت تقيلة.
كأن الأرض نفسها عارفة إن في حاجة كبيرة هتحصل.
رسالة يوسف كانت في إيدي
لو لقيت الرسالة دي يبقى أنا قربت أخلص الحقيقة.
ماكانش فيه عنوان.
ولا أي دليل.
لكن كان في حاجة واحدة بس مكتوبة بخط صغير في آخر الورقة
اسأل عن الترعة القديمة.
وقفت مكاني.
الترعة القديمة
نفس المكان اللي لقيته فيه أول مرة.
رجعت أعدي على الطريق بسرعة.
والناس بدأت تبص عليا باستغراب.
لحد ما وصلت.
المكان زي ما هو مهجور.
بس في حاجة مختلفة.
كان في أثر خطوات جديد على الطين.
كأن حد سبقني.
مشيت ورا الأثر لحد ما وصلني لهيكل صغير مبني من الطوب.
بابه مفتوح نص فتحة.
دخلت بحذر.
وصوتي بيترجّع جوا
يوسف؟
مفيش رد.
لكن في صوت تاني
صوت أنفاس.
تقيلة.
جايه من الركن.
قربت ببطء
ولقيته.
يوسف واقف.
لكن مش لوحده.
كان قدامه شاب تاني.
نفس الشكل تقريبًا.
نفس الطول.
نفس العينين.
نفس الملامح تقريبًا لدرجة تخوف.
يوسف لف ناحيتي وقال بهدوء غريب
أخيرًا وصلت.
بصيت له وقلت
ده مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
ده اللي كانوا فاكرينه مات أخويا.
الراجل التاني تقدم خطوة وقال
وأنا اللي اتسابت في نفس الليلة.
الهواء في المكان اتغير.
يوسف كمل
اتقال إننا طفل واحد عشان واحد يختفي ويتباع والتاني يفضل يتربى بعيد.
وقتها بس فهمت.
إن كل اللي فات
كان جزء من لعبة أكبر من أي حد فينا تخيلها.
والحقيقة اللي اتفتحت
مش بتجمع عيلة.
دي بتفتح حساب قديم جدًا لسه ما اتقفلش.
والمواجهة الحقيقية لسه هتبدأ الصمت في المكان كان خانق.
حتى صوت التراب تحت رجليّا كان واضح.
يوسف بصّ بيني وبين أخوه
وقال بهدوء
أنا ما كنتش أعرف إنك عايش طول عمري كنت فاكر إنّي لوحدي.
الأخ التاني ضحك ضحكة قصيرة، بس كانت موجوعة
وأنا طول عمري فاكر
متابعة القراءة