بنت اخويا

لمحة نيوز

كان ممكن أبقى شخص تاني خالص.
شعرت بعبرة في صوتها.
فقلت
وأنا لو ما شفتكيش يومها... كان ممكن أبقى شخص تاني برضه.
ضحكت.
وضحكت معها.
ثم أنهينا المكالمة.
ورفعت رأسي إلى السماء.
وهمست
اطمن يا أخويا...
ملك بخير.
وكان ذلك أجمل ختام لكل الحكاية. 
النهاية الأخيرة بعد تلك الليلة بأشهر...
استيقظت على صوت طرقات خفيفة على الباب.
فتحت.
فوجدت حفيد ملك الصغير.
الولد كان عنده حوالي اثنا عشر عامًا.
واقف وهو ماسك ظرفًا بنيًا قديمًا.
قال لي
تيتا ملك قالتلي أجيب ده لحضرتك.
استغربت.
قلت
ومالها ما جتش بنفسها؟
ابتسم وقال
مفاجأة.
أخذت الظرف.
وكان مكتوبًا عليه بخط ملك
يُفتح في وجود العيلة كلها.
في المساء اجتمع الجميع.
أبناء ملك.
وأحفادها.
وأولاد الأحفاد حتى.
بيت كامل مليان ضحك وحركة.
فتحت الظرف وسط فضول الكل.
فوجدت رسالة طويلة.
بدأت أقرأ
عمو أحمد...
لو وصلت الرسالة دي لإيدك، يبقى أنا حققت حلم كان عندي من
سنين.
رفعت رأسي أبحث عن ملك.
لكنها لم تكن موجودة.
أكملت القراءة.
فاكر يوم المنديل؟
اليوم اللي كنت فاكرة فيه إني بخبي أكلي لتيتة؟
أنا طول عمري كنت فاكرة إن اليوم ده غير حياتي.
لكن بعد ما كبرت فهمت حاجة أهم.
اليوم ده ما غيرنيش أنا بس...
غير عيلة كاملة.
شعرت بسكون غريب في الغرفة.
والجميع ينصت.
ثم تابعت
عشان كده قررت أعمل صندوق خيري دائم باسم بابا وتيتة.
وكل أرباح المركز اللي أسسته هتروح للصندوق ده.
بدأت الهمهمات في المكان.
وأكملت
والشرط الوحيد للصرف منه...
إن أي طفل محتاج مساعدة يتعامل بكرامة كاملة.
من غير ما يحس إنه أقل من حد.
هنا توقفت قليلًا.
ثم قرأت السطر الأخير.
وكان مكتوبًا
الناس فاكرة إن الحكاية بدأت بقطعة لحمة.
لكن الحقيقة إنها بدأت بقلب اختار الرحمة بدل سوء الظن.
شكرًا يا عمو أحمد.
انتهيت من القراءة.
ولم أجد كلمة أقولها.
كل من في الغرفة كان متأثرًا.
وفي تلك اللحظة دخلت ملك من الباب
فجأة.
كانت تضحك.
وقالت
مفاجأة نجحت ولا لأ؟
ضحك الجميع.
أما أنا فنهضت ببطء.
ونظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
أنا فخور بيكي أكتر مما تتخيلي.
اقتربت مني.
وحضنتني كما كانت تفعل وهي طفلة.
وقالت
وأنا طول عمري كنت شايفة فيك أب بعد بابا.
ساد الصمت للحظة.
ثم بدأ الأطفال يركضون حولنا من جديد.
وضج البيت بالحياة.
ونظرت إليهم جميعًا.
وأدركت أن أجمل شيء يمكن أن يتركه الإنسان وراءه...
ليس المال.
ولا البيوت.
ولا الممتلكات.
بل القلوب التي تعلمت منه الرحمة.
وهكذا استمرت الحكاية...
ليس كنهاية قصة.
بل كبداية لقصص جديدة ستُحكى لأطفال لم يولدوا بعد. 
وإلى هنا... تُسدل الستارة، لكن الأثر يبقى النهاية الحقيقية للحكاية
مرت الأعوام...
وكبر الجميع.
ورحلت الجدة بعد عمر طويل، وهي مطمئنة على حفيدتها.
وكبرت ملك، وأنشأت أسرة جميلة، وظلت تحمل نفس القلب الذي جعلها تخبئ قطعة اللحم في منديل وهي طفلة.
أما أنا...
ففي إحدى
الليالي جلست أتأمل ألبوم الصور القديم.
صورة أخي.
وصورة أمي.
وصورة ملك وهي صغيرة تبتسم بخجل.
وبين الصور سقط ذلك المنديل القديم الذي احتفظت به ملك كل هذه السنين.
نعم...
كانت قد احتفظت بآخر منديل خبأت فيه الطعام لجدتها.
وفي طرفه كتبت عبارة صغيرة بقلم باهت
ما دام في البيت حد بيحبك... عمرك ما هتجوع.
قرأت الجملة أكثر من مرة.
ثم أغمضت عيني.
وفهمت أخيرًا سر الحكاية كلها.
لم تكن عن الفقر.
ولا عن الطعام.
ولا حتى عن اليُتم.
كانت عن الحب.
الحب الذي جعل طفلة تحرم نفسها لتطعم جدتها.
والحب الذي جعل أخًا يرعى ابنة أخيه كأنها ابنته.
والحب الذي انتقل من شخص لآخر حتى صار أثرًا لا ينتهي.
أغلقت الألبوم.
ونظرت إلى السماء.
وابتسمت.
وقلت بهدوء
اطمن يا أخويا... بنتك بقت أعظم مما كنت تحلم.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفي.
كانت ملك.
رددت عليها.
فقالت ضاحكة
كنت لسه بفكر فيك يا عمو.
ضحكت أنا أيضًا.
وأجبت
وأنا كمان يا بنتي.

وانتهت المكالمة...
لكن لم تنتهِ المحبة.
لأن بعض الناس يرحلون من الدنيا...
لكنهم يتركون وراءهم قلوبًا تنبض بأثرهم إلى الأبد.
تمت.

تم نسخ الرابط