بنت اخويا

لمحة نيوز

طفلة.
لكن هذه المرة لم تكن تخبئ قطعة لحم في منديل...
بل كانت تحمل حياة كاملة بنتها بالحب والوفاء والصبر.
وعندها فقط شعرت أن الأمانة التي تركها أخي في رقبتي وصلت إلى بر الأمان. 
النهاية وبعد ما افتكرت إن الأمانة وصلت فعلًا لبر الأمان...
اكتشفت إن أثر المعروف عمره ما بيقف عند شخص واحد.
في يوم من الأيام، وبعد سنين طويلة، كنت قاعد في البيت لوحدي.
وشعري كله تقريبًا بقى أبيض.
وبقيت أتحرك أبطأ من زمان.
رن جرس الباب.
فتحت.
ولقيت شاب عنده حوالي عشرين سنة واقف ومعاه باقة ورد.
سألني
حضرتك الأستاذ أحمد؟
قلت
أيوه.
ابتسم وقال
أنا جاي أشكرك.
استغربت.
عمري ما شفته قبل كده.
دخل وقعد.
وبدأ يحكي.
قال إن والدته كانت أرملة فقيرة من سنين.
وفي فترة صعبة جدًا، كانت بتستلم كل شهر شنطة أكل ومصاريف دراسة من شخص مجهول.
وكل ما تسأل مين بيساعدها، محدش كان يعرف.
لحد ما قبل وفاتها بفترة بسيطة، عرفت الحقيقة.
الشخص ده كانت ملك.
بنت أخويا.
سكت الشاب لحظة.
وبعدين طلع صورة من محفظته.
كانت صورة قديمة ليها.
وقال
هي اللي خلتني أكمل تعليمي.
حسيت بدموعي بتنزل.
لأن ملك ما قالتليش يومها أي حاجة.
ما كانتش بتستنى شكر.
ولا مدح.
كانت بس بتعمل اللي تعلمته.
الشاب قام وسلّم عليا قبل ما يمشي.
وقال جملة عمري ما هنساه
الخير اللي حضرتك عملته فيها... وصل لناس كتير ما تعرفهمش.
بعد ما خرج...
قعدت لوحدي أبص من الشباك.
وافتكرت طفلة صغيرة كانت بتخبي قطعة لحمة في منديل ورق.
وقتها كنت فاكر إنها
محتاجة مساعدة.
لكن الحقيقة إنها كانت بتعلمني درس.
إن الإنسان مش بيُقاس بكم عنده...
لكن بقد إيه مستعد يشارك غيره حتى وهو محتاج.
وفي آخر الليل، رن موبايلي.
كانت ملك.
قالت
عامل إيه يا عمو؟
قلت وأنا مبتسم
بخير يا بنتي.
قالت
عارف؟ ابني النهارده أخد سندوتشه المدرسة وادّى نصه لواحد صاحبه.
ضحكت وقلت
طلع شبه أمه.
ردت وهي تضحك
لا... طلع شبه تيتة.
وأقفلنا المكالمة.
فضلت ماسك الموبايل شوية.
وبصيت للسماء.
وحسيت إن أخويا وأمي وكل الناس اللي حبيناهم ما زالوا موجودين...
في الأثر الطيب اللي سابوه وراهم.
لأن بعض الحكايات ما بتنتهيش عند كلمة النهاية...
بعضها بيكمل في قلوب ناس تانية، جيل بعد جيل. 
النهاية الحقيقية. مرت سنوات أخرى...
وفي أحد الأيام، كنت في المستشفى لإجراء فحوصات روتينية.
وبصراحة، لم أعد شابًا كما كنت.
الطبيب كان يتحدث معي عن الراحة وتقليل المجهود.
وأنا أهز رأسي وأبتسم.
بعد انتهاء الكشف، خرجت إلى صالة الانتظار.
فجأة سمعت صوتًا صغيرًا ينادي
حضرتك عمو أحمد؟
التفت.
وجدت بنتًا صغيرة لا يتجاوز عمرها تسع سنوات.
تقف ممسكة بيد والدتها.
اقتربت مني بخجل.
وقالت
ماما قالتلي أسلم عليك.
نظرت إلى الأم.
وفي البداية لم أتعرف عليها.
لكنها ابتسمت وقالت
أكيد مش فاكرني.
ثم ذكرت اسمها.
وفجأة تذكرت.
كانت حفيدة إحدى الجارات القديمات لوالدتي.
آخر مرة رأيتها فيها كانت طفلة.
جلسنا نتحدث قليلًا.
ثم قالت شيئًا أدهشني
حضرتك تعرف إن ملك دفعت مصاريف علاجي زمان؟
استغربت.

لم أسمع بهذه القصة من قبل.
فأكملت
وأصرت وقتها إن محدش يعرف.
ضحكت في سري.
هذه ملك كما هي دائمًا.
تفعل الخير ثم تختفي.
وقبل أن تغادر، دفعت البنت الصغيرة نحوي ورقة مطوية.
وقالت
دي ليك.
فتحت الورقة.
وكان مرسومًا عليها رجل بشعر أبيض يبتسم.
وبجانبه شجرة كبيرة.
وتحت الرسم مكتوب
الناس الطيبين بيبقوا زي الشجر.
بقيت أنظر للرسم طويلًا.
شيء بسيط جدًا.
لكن أثره كان عميقًا.
في المساء عدت إلى المنزل.
ووضعت الرسم داخل إطار صغير.
بجانب صورة أخي.
وبجانب صورة أمي.
وبجانب صورة ملك وهي طفلة.
ثم جلست أتأمل الصور.
وفجأة أدركت شيئًا.
في اليوم الذي تبعت فيه ملك لأعرف لماذا تخبئ الطعام...
كنت أظن أنني سأكتشف سرًا.
لكن الحقيقة أنني اكتشفت طريقًا كاملًا.
طريقًا بدأ بطفلة صغيرة تحمل قطعة لحم في منديل.
ثم تحول إلى عشرات الأشخاص الذين ساعدتهم.
ثم إلى أطفال تعلموا العطاء.
ثم إلى أجيال لم أكن أعرف أسماءها حتى.
عندها ابتسمت.
وأغمضت عيني.
ولأول مرة منذ وفاة أخي...
شعرت براحة كاملة.
لأنني عرفت أن الحب الحقيقي لا يختفي.
بل ينتقل من قلب إلى قلب.
مثل شعلة صغيرة...
تضيء ألف شمعة دون أن تنطفئ. 
تمت الحكاية. بعد سنوات طويلة جدًا...
كنت جالسًا في شرفة البيت وقت الغروب.
أراقب الشارع بهدوء.
وأحتسي كوب الشاي المعتاد.
وأفكر في كل الوجوه التي مرت في حياتي.
أخي.
أمي.
ملك وهي طفلة.
ثم ملك وهي خريجة.
ثم ملك وهي أم.
وفجأة سمعت ضحكات أطفال في الحديقة المقابلة.
نظرت من بعيد.
فرأيت مجموعة
أطفال يركضون ويلعبون.
وبجانبهم لافتة كبيرة لم أنتبه لها من قبل.
كتبت عليها عبارة
مركز ملك حسن لرعاية الأطفال والأيتام.
ابتسمت.
فهذا المركز كانت ملك قد أسسته قبل سنوات.
وكانت تعتبره أهم إنجاز في حياتها.
ليس لأنه يحمل اسمها...
بل لأنه يحمل الفكرة التي عاش من أجلها والدها وجدتها.
أن لا يشعر طفل بالوحدة.
ولا تنام أسرة جائعة.
ولا يضطر صغير أن يتحمل مسؤولية أكبر من عمره.
وبينما أنا أنظر للمركز...
توقفت سيارة أمام البيت.
ونزل منها شاب أنيق في الثلاثينيات تقريبًا.
اقترب مني وقال
حضرتك الأستاذ أحمد؟
ضحكت.
وأصبحت معتادًا على هذا السؤال.
قلت
أيوه يا ابني.
جلس بجانبي.
وقال
أنا واحد من الأطفال اللي المركز ساعدهم.
ثم أخرج صورة قديمة.
فيها هو طفل صغير.
واقف بجوار ملك.
وأضاف
أنا دلوقتي طبيب أطفال.
ابتسمت له.
فأكمل
كل يوم بعالج أطفال محتاجين... وبفتكر إنها كانت السبب.
ثم نظر إليّ وقال
وهي كانت دايمًا تقول إن الفضل يرجع لعمو أحمد.
هززت رأسي مبتسمًا.
وقلت
الفضل لله وحده.
جلسنا نتحدث طويلًا.
وعندما غادر...
شعرت بشيء غريب.
كأن دائرة كبيرة اكتملت أخيرًا.
طفلة خبأت قطعة لحم لجدتها.
فأنقذت قلب رجل من القسوة.
وذلك الرجل ساعد الطفلة.
والطفلة ساعدت عشرات الأطفال.
وهؤلاء الأطفال كبروا وساعدوا غيرهم.
كل ذلك...
بسبب قطعة لحم ملفوفة في منديل.
وقبل أن يحل الليل، اتصلت ملك كعادتها.
قالت
إزيك يا عمو؟
قلت مبتسمًا
فخور بيكي.
ضحكت وقالت
ليه المرة دي؟
فأجبت
لأنك أثبتي إن المعروف
الصغير ممكن يغيّر حياة ناس ما نعرفهاش.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت بصوت هادئ
عارف يا عمو؟
إيه؟
قالت
أنا عمري ما نسيت اليوم اللي لقيتك واقف على باب أوضة تيتة.
سكتت لحظة.
وأكملت
لو يومها زعقتلي أو كسفتني...
تم نسخ الرابط