ربيت اختى الصغيره
ربيت أختي الصغيرة لوحدي بعد ما أبويا وأمي اختفوا تماماً من حياتنا. وفي فرحها، حماها بصلي من فوق لتحت بكل تناكة وقال يعني إنتِ بقى فاعلة الخير اللي ربت العروسة؟
القاعة كلها سكتت صم. وقفت على مهلي، وبصيت في عينيه بكل ثبات وسألته هو أنت تعرف أصلاً أنا مين؟
وشه علطول جاب ألوان... عشان السر اللي مخبياه بقالي عشر سنين كان خلاص على وشك إنه ينكشف.
اسمي رضوى، وكان عندي واحد وعشرين سنة لما لقيت نفسي فجأة شايلة مسؤولية أختي الصغيرة وبقيت ليها الأم والأب.
الناس دايماً بتفتكر إن الحكاية فيها بطولة وجدعنة، بس الحقيقة مش كده خالص. الموضوع كان صراع عشان نعيش وبس.
أبونا وأمنا مماتوش، ولا اختفوا في حادثة تشرف عشان الناس تواسينا وندفنهم ونقرأ لهم الفاتحة.. هما ببساطة انسحبوا من حياتنا بالتدريج؛ الأول مبقاش في حنية، بعدين مفيش فلوس، وفي الآخر اختفوا خالص.
أبويا سافر يجرى ورا سبوبة وشغلانة برة البلد ومكملش حتى شرحها، وأمي جريت ورا جوازة جديدة كانت شرطها من غير عيال ولا كركبة قديمة، والظاهر إن بناتها كانوا هما الكركبة دي. وبكل بساطة، سابوني شايلة كل الحمل اللي وراهم.. خصوصاً ليلى.
كان عندها 8 سنين.. تائهة، وساكتة، وأصغر بكتير من إنها تفهم ليه مبقتش أحكيلها حدوتة قبل النوم، وليه اللي بيعملها سندوتشات المدرسة وبيلبسها هي أختها اللي راجعة وش الصبح ريحتها زيت وأكل وميتة من التعب.
كنت بشتغل ورديتين في مطعم على السريع مبيقفلش واصل، وبحضر دروس ومحاضرات بالليل بالعافية وأنا بفتح عيني بالعافية، واتعلمت إزاي أضفرلها شعرها من فيديوهات اليوتيوب الساعة 2 بالليل وإيدي لسه بترتعش من شقى طول اليوم وخدمة الزباين. كنت بمضي على شهادات وموافقت مدرسة أنا نفسي مش فاهماها، وبقعد في مجالس الآباء وأنا عامله
بس بطريقة ما، قدرت أحميها وأخليها تعيش مستورة.
لسنين طويلة، كنا إحنا الاتنين وبس في الدنيا.. الفواتير، أعياد الميلاد، ركبها اللي بتتجرح وهي بتلعب، وحفلات المدرسة. مفيش أب ولا أم.. مفيش سند ولا أي مساعدة من حد.. مفيش غيري أنا وطفلة بدأت مع الوقت تدلعني وتقولي يا روكا، وكأن الاسم ده هو الأمان والحياة بالنسبة ليها.
على ما ليلى تمت 18 سنة، مكنتش مجرد بنت كبرت.. دي بقت بطلة، زي القمر، وطيبة ونقية بشكل الأيام محرمتنيش منه بس مسمحتليش أكون بيه في سنها.
وهنا ظهر في حياتها آسر الشربيني.
اسمه لوحده ليه هيبة.. ولاد أكابر، وفلوس من زمان، وتوقعات وعادات متزمتة.. من نوعية العائلات اللي لما بتدخل مكان مش بس بتثبت حضورها، دي بتغير نظرة الناس للمكان كله.
الفرح كان في قاعة فخمة جداً في التجمع، من الأماكن اللي تدفع فيها دم قلبك عشان الهدوء والشياكة، وحتى الورد هناك تحسه منقى على الفرازة ومترتب بالمسطرة. النجف الكريستال كان منور ومبرق، والورد الأبيض مالي كل التربيزات، والناس الكلاس بتتكلم بصوت واطي ومحدش سامع حد.
أنا اللي كنت دافعة مصاريف كلية ليلى من سنين، وأنا اللي اخترت معاها فستان الفرح، وسهرت معاها ليالي أطمن قلبها لما كانت بتخاف إنها متستاهلش الفرحة دي بعد كل الأيام الصعبة اللي عشناها.
بس الفرح ده؟ الليلة دي كانت بتاعت عيلة آسر.. وخصوصاً أبوه، عاصم الشربيني.
من أول ما المعازيم وصلوا، كان بيبين بتصرفاته مين اللي صاحب مكان ومين اللي مجرد... ضيف ملوش لزمة.
وقت العشاء، وقف يلقي كلمة ويمسي على الناس. في الأول، كل كلامه كان متزوق ومترتب ومدروس بالمسطرة؛ مدح في ابنه آسر، ورحب بليلى، وشكر الضيوف الأكابر بشياكة ولباقة متعود عليها.
وفجأة.
ابتسم ابتسامة صفرا وقال وطبعاً، لازم نشكر رضوى، الأخت الكبيرة اللي ربت العروسة.. قصة كفاح جميلة جداً.. ومن.. بدايات بسيطة على قدها.
في ناس ضحكت.. نوع الضحك البايخ اللي الناس بتضحكه لمجرد إنها تداري الإحراج. حسيت بليلى جسمها اتشد وهي واقفة جنب آسر.
عاصم كمل وهو عاجبه أداه والناس بتسمعه بشوف إن كل عيلة لازم يكون فيها الشخص الشقيان اللي شايل الطين، حتى لو كان واصل من غير برستيج أو علام عالي.
الجو كله اتقلب في القاعة.. الشوك والسكاكين اتدبت، والناس نزلت كبايات العصير من إيديها، وبقوا يبصوا لبعض.
وهنا ابتسم أكتر، وكأنه قرر يرمي سمّه كله وينهي الحكاية معلش يا رضوى، سامحيني.. بس لما آسر حكالنا عنك، كنت متوقع حد يكون... مستور ومستخبي شوية عن العين. يعني إنتِ بقى فاعلة الخير اللي ربت العروسة؟
القاعة كلها اتخرست في ثانية.. سكوت قاتل وثقيل.
وش ليلى جاب دم ومن شدة الصدمة اتمسح، وآسر اتسمر في مكانه. كل عين في القاعة اتوجهت عليا، كأنهم مستنيين إني انكسر أو أبان قليلة قدامهم.
حطيت المنديل بتاعي على التربيزة بكل هدوء.
وقفت.. براحة خالص.. وبكل ثقة.
مفيش أي هزة، ولا أي تردد.
القاعة كلها كتمت أنفاسها وأنا بلف وببص في عين عاصم الشربيني بكل قوة وقلتله
هو أنت تعرف أصلاً أنا مين؟
ربيت أختي الصغيرة لوحدي بعد ما أبويا وأمي اختفوا تماماً من حياتنا. وفي فرحها، حماها بصلي من فوق لتحت بكل تناكة وقال يعني إنتِ بقى فاعلة الخير اللي ربت العروسة؟
يتبع
القصة كاملة اول التعليق ابتسامتي ما اختفتش وأنا ببص لعاصم الشربيني.
الرجل اللي من دقيقة كان واقف واثق من نفسه قدام القاعة كلها، فجأة بقى متوتر بشكل واضح.
قلت بهدوء
واضح إنك سمعت عني حاجات كتير... بس نسيت تسمع أهم
عاصم عقد حاجبيه وقال وإيه هي أهم حاجة؟
مديت إيدي ناحية حقيبتي الصغيرة وطلعت ظرف قديم.
ظرف أصفر متآكل من الأطراف.
الناس كلها كانت بتتابع في صمت.
فتحت الظرف وطلعت منه صورة قديمة.
صورة لرجل شاب واقف جنب شاب تاني قدام مصنع صغير.
ورفعت الصورة قدام عاصم.
أول ما شافها...
وشه شحب.
حرفياً شحب.
همهم بكلمة بالكاد طلعت منه
مستحيل...
قلت لا... مش مستحيل.
آسر بص بيني وبين أبوه باستغراب.
حد يفهمني فيه إيه؟
خدت نفس طويل.
يمكن أول مرة أتكلم في الموضوع ده قدام حد غير نفسي.
وقلت
من عشر سنين، لما أبويا وأمي سابونا، كنت هسيب الجامعة عشان أعرف أعيش أنا وليلى.
سكت شوية.
وفي الوقت ده، واحد بس مد إيده يساعدني.
عيون الناس كلها كانت عليا.
واحد كان شريك قديم لعاصم الشربيني.
عاصم نزل عينه للأرض.
وأنا كملت
اسمه الحاج محمود السيوفي.
همهمة خافتة مشت بين المعازيم.
واضح إن الاسم معروف.
الحاج محمود شافني بشتغل في مطعم لحد الفجر وبرجع أحضر محاضرات الصبح. ولما عرف ظروفي، عرض يساعدني أكمل تعليمي.
آسر قال وده إيه علاقته بوالدي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
علاقة كبيرة جداً.
وبعدين بصيت لعاصم مباشرة.
احكيلهم أنت.
القاعة كلها اتجهت ناحيته.
عاصم بلع ريقه.
وسكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت واطي
الحاج محمود... كان شريكي.
صوت الهمسات زاد.
وأنا كملت عنه
وكان صاحب فكرة المشروع اللي خلى مجموعة الشربيني تكبر.
عيون الناس اتسعت.
لكن قبل ما الشركة تنجح بسنة، خرج من الشراكة.
واحد من المعازيم قال بمزاجه؟
هنا ضحكت ضحكة قصيرة.
لا.
عاصم غمض عينيه.
لأول مرة.
وكأنه عارف إن النهاية قربت.
قلت
اتضحك عليه في العقود.
صمت كامل.
وخسر نصيبه كله.
ليلى رفعت إيديها على بقها من الصدمة.
أما آسر فبص لأبوه وكأنه أول مرة يشوفه.
قلت بهدوء
والحاج
ورفعت الصورة مرة تانية.
لكنه قبل ما يموت سلمني ملف كامل