بنتى اتجوزت بعيد عنى

لمحة نيوز

إن مدحت معندوش إخوات.
هز رأسه.
لأن محدش كان يعرف.
واتضح إن والد مدحت كان متجوز زمان جوازة عرفية قديمة.
وخلف ولد.
وبعدين انفصلوا.
والولد اتربى بعيد عن العيلة كلها.
ومحدش كان بيتكلم عنه.
الراجل فتح ورقة تانية.
وقال
أنا المحامي الخاص بيه.
والحقيقة إنه توفى من شهر.
سكت شوية.
وبعدين قال
وساب وصية.
مريم كانت مذهولة.
وصية ليا أنا؟
أيوة.
بس ليه؟
المحامي فتح الظرف.
وبدأ يقرأ
إلى مريم...
أنا معرفكيش شخصيًا.
لكن أخويا مدحت فضل يحكي عنك سنين.
وعن ظلم أهله ليكي.
الراجل الغريب كان عايش في دولة عربية من سنين طويلة.
وكان ناجح جدًا في شغله.
ولما عرف حكاية مدحت وموته.
بدأ يدور.
ويجمع كل التفاصيل.
وفي آخر الرسالة كتب
أنا مليش أولاد.
ومليش حد بعد ربنا.
وعايز الجزء الأكبر من ممتلكاتي يروح لابن أخويا يوسف.
أحمد كان فاتح بقه.
وأنا كمان.
أما مريم فكانت قاعدة تبكي.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان لأول مرة تحس إن في حد من عيلة مدحت وقف في صفها.
حتى لو متأخر.
بعد شهور من الإجراءات القانونية.
اتحول جزء كبير من التركة باسم يوسف.
لكن اللي عملته مريم بعدها هو اللي فاجأنا كلنا.
رفضت تصرف جنيه واحد على نفسها.
وأسست مؤسسة خيرية باسم
بيت الأمل.
مكان يستقبل الستات اللي اتعرضوا للعنف أو الحبس أو التهديد.
ويقدملهم مأوى ومحامين ومساعدة.
وفي يوم الافتتاح...
وقفت مريم قدام الناس.
وشاورت على المبنى.
وقالت
زمان كنت محبوسة ومش قادرة أطلب النجدة.
النهارده بفتح الباب لأي واحدة محتاجة حد يسمعها.
بصيت عليها من بعيد.
وحسيت بفخر عمري ما حسيت بيه.
البنت
اللي كنت خايفة عليها من الدنيا كلها...
بقت هي نفسها ملجأ للناس.
ولما رجعنا البيت بالليل...
يوسف سأل أمه
هو ليه سميتي المكان بيت الأمل؟
ابتسمت.
وبصت ناحيتي.
وقالت
عشان في ليلة من الليالي... كان في أمل صغير جدًا.
أمل ركب عربية وسافر 600 كيلو عشان ينقذني.
ساعتها عرفت إنها مش بتتكلم عن نفسها.
كانت بتتكلم عن أم عمرها ما بطلت تصدق إحساس قلبها.
النهاية الحقيقية بعد عشر سنين...
كنت قاعدة على كرسي هزاز في البلكونة.
شعري كله شاب.
ورجلي مبقتش تشيلني زي زمان.
لكن قلبي...
كان مرتاح لأول مرة من سنين طويلة.
يوسف بقى شاب محترم.
طويل.
نفس ابتسامة أمه.
ونفس عناد خاله أحمد.
وكان داخل كلية الحقوق.
لما سألته مرة
ليه حقوق؟
ضحك وقال
عشان محدش يتظلم زي ماما.
أما بيت الأمل...
فبقى مؤسسة كبيرة.
فيها فروع في أكتر من محافظة.
وكل سنة كانت بتنقذ مئات الستات والأطفال.
لدرجة إن ناس كتير بقوا يعرفوا مريم من التلفزيون.
ومن البرامج.
ومن الشغل الخيري.
وفي يوم من الأيام...
وصل جواب غريب.
مكتوب عليه بخط اليد
يسلم إلى السيدة مريم شخصيًا.
فتحناه.
وكان جواه ورقة واحدة.
من غير اسم.
ومن غير عنوان.
لكن أول سطر فيها خلانا نتجمد.
أنا واحد من الناس اللي شاركوا في ظلمك زمان.
مريم كملت القراءة.
والبيت كله ساكت.
أنا كنت ساكت.
وشوفت كل حاجة.
وشوفت احتجازك.
وشوفت خوفك.
ومقولتش كلمة.
الراجل كتب إنه كان جار قديم.
وكان عارف الحقيقة كلها.
لكن خاف يتدخل.
وخاف من المشاكل.
فسكت.
وفي آخر الرسالة كتب
أنا دلوقتي راجل عجوز.
ويمكن أموت في أي وقت.
لكن قبل ما أمشي
من الدنيا...
كنت عايز أقول إني ندمان.
مريم حطت الورقة على الترابيزة.
وسكتت.
دقيقة.
اتنين.
تلاتة.
قلت لها
زعلانة؟
هزت رأسها.
وقالت بهدوء
لأ.
بس فهمت حاجة مهمة.
الشر مش دايمًا بيكسب عشان الأشرار أقوياء.
أحيانًا بيكسب لأن الطيبين ساكتين.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام طويلة.
بعدها بسنة...
حصلت حاجة عمري ما أنساها.
كان في مؤتمر كبير في القاهرة.
واتكرمت فيه مريم على شغلها الإنساني.
والقاعة كانت مليانة ناس.
صحافة.
كاميرات.
مسؤولين.
ووجوه مهمة.
لما طلعت تستلم الجائزة.
المذيع سألها
لو عندك رسالة واحدة توجهيها للناس... هتقولي إيه؟
مريم ابتسمت.
وبصت ناحية الصفوف الأولى.
المكان اللي كنت قاعدة فيه أنا.
وأحمد.
ويوسف.
وبعدين قالت
لو حد بتحبه قالك إنه بخير...
لكن قلبك حاسس إنه بيتألم...
متتجاهلش الإحساس.
اسأل مرة واتنين وعشرة.
وخليك السند اللي يتمناه.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
أنا عايشة النهاردة بسبب مكالمة واحدة.
وبسبب أم صدقت قلبها.
القاعة كلها وقفت تسقف.
وأنا...
دموعي نزلت من غير ما أحس.
رجعنا البيت يومها متأخر.
والكل نام.
إلا أنا.
طلعت البلكونة.
وبصيت للسما.
وافتكرت الليلة دي.
ليلة رأس البر.
ليلة الشنطة.
والبلطة.
والسفر في نص الليل.
والخوف.
والدعاء.
والرجفة اللي كانت في قلبي.
ابتسمت لوحدي.
وقلت
الحمد لله يا رب.
وفي اللحظة دي...
سمعت صوت يوسف من ورايا.
كان واقف في باب البلكونة.
وقال ضاحكًا
تيتا... لسه بتفكري في رأس البر؟
ضحكت.
وقلت
يا ابني... بعض الكلمات بتفضل عايشة طول العمر.
وهكذا...
تحولت كلمة صغيرة قالتها بنت
خائفة في مكالمة قصيرة...
إلى قصة أنقذت حياة.
وغيرت مصير عائلة كاملة.
وصنعت خيرًا وصل لآلاف الناس.
تمت القصة النهاية الأخيرة
مرت السنوات...
وكبرت أنا.
وبقى المشي صعب.
والنظر أضعف.
لكن كل ما كنت أبص حواليا، كنت أشوف نعمة ربنا في كل ركن من البيت.
مريم بقت قوية.
يوسف بقى راجل يعتمد عليه.
وأحمد اتجوز وخلف.
والبيت اللي كان مليان خوف ودموع زمان...
بقى مليان ضحك وأحفاد.
وفي ليلة هادئة من ليالي الشتاء...
كنت قاعدة وسطهم كلهم.
الأحفاد بيلعبوا على الأرض.
ومريم بتحضر الشاي.
وأحمد بيحكي نكتة كالعادة.
وفجأة سألتهم
فاكرين ليلة رأس البر؟
الكل سكت.
ثم ضحكوا.
يوسف قال
دي اللي غيرت حياتنا كلها.
بصيت لمريم.
كانت ابتسامتها هادئة.
مفيهاش خوف.
مفيهاش وجع.
مفيهاش أثر للبنت المكسورة اللي سافرت يومًا بعيدًا عن حضن أمها.
ساعتها بس...
عرفت إن رحلتي انتهت.
وإن رسالتي خلصت.
بعد أيام قليلة...
شعرت بتعب شديد.
ونقلت للمستشفى.
العيلة كلها كانت حواليا.
مريم ماسكة إيدي.
وأحمد واقف على الناحية التانية.
ويوسف واقف يبكي بصمت.
فتحت عيني بصعوبة.
وبصيت لهم واحد واحد.
وقلت
خدوا بالكم من بعض.
ومتسيبوش حد فيكم يواجه الدنيا لوحده.
ثم نظرت إلى مريم.
وضغطت على يدها.
وقلت آخر جملة
المرة دي... خلاص يا بنتي.
أنا مطمنة عليكِ.
ابتسمت مريم وسط دموعها.
وقالت
وأنا عمري ما هبطل أشكرك يا أمي.
أغمضت عيني.
وقلبي كان مرتاحًا.
لأن البنت التي خفت عليها عمرًا كاملًا...
لم تعد تحتاج إلى من يحميها.
لقد أصبحت هي الأمان.
وبعد سنوات طويلة...
كانت هناك لافتة كبيرة على
مدخل مؤسسة بيت الأمل.
تحت الاسم مباشرةً كُتبت عبارة صغيرة
إهداء إلى أم صدقت قلبها... فأنقذت حياة ابنتها.
وكان كل من يقرأها يبتسم ويمضي.
أما نحن...
فكنا نعرف أن وراء تلك الكلمات حكاية كاملة بدأت بجملة بسيطة جدًا
لا يا ماما... روحي رأس البر
أحسن.
النهاية.

تم نسخ الرابط