ابن اخويا كان بيزورنى كل يوم بعد المدرسه
المحتويات
ربنا بعتك تخبط على بابي في الوقت اللي كنت أنا كمان ضايع فيه.
استغرب.
فكملت
أنت فاكر إني أنقذتك. بس الحقيقة إنك أنقذتني أنا كمان من الوحدة.
فضل ساكت.
وفجأة قام وحضني.
كان حضن شاب طويل دلوقتي، مش طفل صغير.
لكن بالنسبة ليا فضل ياسين الصغير.
بعدها بسنين أكتر...
كان عنده 24 سنة.
وكنت أنا دخلت في الستينات.
صحتي بقت أضعف شوية.
وفي يوم رجعت البيت لقيت كل الأنوار مطفية.
استغربت.
أول ما فتحت الباب...
النور اشتغل فجأة.
ولقيت البيت مليان ناس.
أصحابه.
جيرانا.
وزمايله.
وهو واقف في النص مبتسم.
قلت
في إيه؟
ضحك وقال
نسيت النهارده إيه؟
كنت فعلًا ناسي.
كان عيد ميلادي.
لكن اللي لفت نظري مش التورتة.
ولا الزينة.
كان إطار صورة كبير متعلّق على الحيطة.
الصورة الأولى فيه كانت لسندوتش جبنة مرسوم بالقلم.
والصورة الأخيرة كانت صورة ليا أنا وهو.
وتحتهم جملة واحدة
البيوت مش بتتبني بالطوب... بتتبني بالرحمة.
وقفت أبص للصورة وأنا مش قادر أتكلم.
فطلع ياسين ظرف من جيبه.
وقال
لسه في حاجة كمان.
فتحت الظرف.
وكان عقد شقة جديدة.
باسمي.
اتفاجئت وقلت
إيه ده؟
ابتسم وقال
طول عمرك كنت بتقول إن البيت اللي فيه ذكريات ميتباعش.
هز راسه ناحية الشقة القديمة.
عشان كده اشتريتها كلها وجدّدتها. ومحدش هيقدر ياخدها منك طول ما أنا عايش.
في اللحظة دي...
افتكرت الطفل اللي كان بيخاف يسيب لقمة في الطبق.
والشاب اللي بقى واقف قدامي.
قوي.
واثق.
حنين.
وساعتها عرفت إن بعض أعمال الخير بترجع لصاحبها بعد سنين...
لكن بشكل أكبر بكتير مما كان يتخيل.
تمت. بعد الليلة دي، الدنيا هديت بشكل غريب.
مش هدوء فجأة لكن هدوء مبني.
زي بيت اتبنى حجر حجر من غير ما نحس.
مرّت كام سنة كمان.
ياسين بقى شاب ناجح، وابتدى يشتغل في مجال حماية الطفل بعد ما خلّص دراسته.
وكان دايمًا يقول جملة واحدة لأي حد يسأله
أنا مش بساعد الأطفال أنا بحمي نفسي وأنا صغير.
وفي يوم، جالي البيت من غير ميعاد.
كان وشه مختلف.
مش حزن لكن فيه ثقل.
قعد قدامي وقال
بابا مات.
سكت.
هو كمل
في آخر أيامه، حاول يكلمني.
بص لي.
بس أنا ما رديتش.
ما اتكلمتش.
فضلت مستني.
وبعدين قال
أنا مش جاي أقولك إني سامحته.
أنا جاي أقولك إني بطلت أخاف منه.
سكت لحظة طويلة.
وبعدين سألني
هو ده معناه إني بقيت وحش؟
قربت منه وقلت
لا ده معناه إنك بقيت حر.
ساعتها، لأول مرة من زمان، عينه دمعت من غير خوف.
مش دموع طفل مرعوب
لكن دموع إنسان خلص رحلة طويلة.
وفي نفس الليلة، وهو ماشي من عندي، وقف عند الباب.
وبصلي وقال
فاكر أول سندوتش جبنة؟
ضحكت وقلت
صعب أنساه.
ابتسم.
وقال
أنا عمري ما كنت بطلب سندوتش أنا كنت بطلب أمان.
وسكت لحظة.
وأنت ادّيتهولي من غير ما تعرف.
وبعدها مشي.
وقفل الباب وراه بهدوء.
زي ما اتفتح أول مرة بخوف
اتقفل آخر مرة بسلام.
وقعدت
نفس الشقة.
بس مش نفس الإنسان.
بصيت للكنبة اللي كان يقعد عليها زمان طفل صغير بيستأذن قبل ما يتنفس.
وابتسمت.
وقلت لنفسي
يمكن أنا ماكنتش باخد بالي بس ربنا كان بيكتب حكاية إنقاذ من أول سندوتش.
وطفت النور.
ومرت أول ليلة بقالها سنين
مفيهاش انتظار حد يخبط الباب.
لأن الباب كان اتفتح من زمان وفضل مفتوح جوه القلب عدّت سنين طويلة بعد الليلة دي.
البيت كبر في السنين وصغر في الصمت.
لحد ما في يوم، وأنا قاعد على الكرسي اللي جنب الشباك، حسّيت إن تعبي بقى تقيل أكتر من المعتاد.
بس المرة دي مكنتش لوحدي.
كان في صوت خطوات في البيت.
وياسين رجع.
بس مش هو اللي كنت أعرفه.
كان شايل طفل صغير على كتفه.
وقال بابتسامة هادية
ده كريم ابني.
سكت لحظة، وبعدين ضحك
أيوه بقيت أب.
قرب مني وقعد على ركبيتي زي زمان، بس هو دلوقتي اللي بيطمنني.
وقال
افتكرت إنك لازم تشوفه.
الطفل بصلي بخوف بسيط، وبعدين همس
هو ده جدو شريف؟
ضحكت.
وغمضت عيني لحظة.
رجعت أفتحها لقيت ياسين بيبصلي.
نفس النظرة اللي كانت عنده وهو طفل بس مكسوة بالهدوء بدل الرعب.
قال
عارف أنا قررت أسميه إيه؟
قلت
إيه؟
قال
شريف.
سكت.
وبعدين كمل
عشان يبدأ حياته وهو عارف إن في حد اسمه كده كان سبب إن الخوف يخلص من عيلتنا.
ماقدرتش أرد.
بس مديت إيدي ولمست إيده.
وفي اللحظة دي حسّيت إن القصة كلها عملت دايرة كاملة.
الطفل
بقى أب.
والرجل اللي كان بيعيش لوحده
بقى أصل حكاية عيلة كاملة.
وفي آخر يوم ليا، مكنتش خايف.
لأن الباب اللي كان زمان بيتخبط بخوف
بقى بيتفتح بحب.
وياسين كان قاعد جنبي، ماسك إيدي، وبيحكي لابنه حكاية أول سندوتش جبنة.
وأنا بابتسامة هادية
غمضت عيني.
ومرة أخيرة، حسّيت إن البيت مليان صوت.
مش صوت ألم.
ولا خوف.
بس صوت حياة.
النهاية الحقيقية بعد سنين من آخر مرة غمضت فيها عيني، ياسين كبر أكتر مما كنت أتخيل بس الحاجة اللي كانت بتطمنني دايمًا إنه ما نسيش أبسط حاجة اتعلمها إن الأمان مش بيتقال بيتحس.
كريم، ابنه، كبر هو كمان.
وبقى كل ما ييجي يقعد معايا، يطلب مني أحكي له حكاية السندوتش.
في الأول كنت بضحك وأقولها بشكل بسيط لكن مع الوقت، فهمت إن الحكاية دي بالنسبة له مش قصة، دي جذور.
في يوم، كريم سألني
هو أنت كنت خايف في يوم يا جدو؟
سكت.
لأني لأول مرة خدت بالي إن كل اللي حكيتله عن ياسين ماحكيتش فيه عن نفسي.
قلت له بهدوء
أيوه كنت خايف من الوحدة.
بصلي مستغرب.
قلت
بس اللي علّمني ماخافش كان طفل صغير بيخاف ياكل سندوتش جبنة.
ضحك.
وقال
طب أنا مش بخاف.
ابتسمت وقلت
لسه.
وفي ليلة هادية، كنت قاعد في نفس الكرسي القديم.
ياسين دخل عليّا من غير ما يخبط.
دي كانت العادة الجديدة اللي أنا بحبها أكتر من أي حاجة.
قعد جنبي وسكت.
وبعدين قال
فاكر أول مرة قلتلي
قلت
فاكر.
قال
أنا ساعتها ماكنتش فاهم معنى الجملة دي.
سكت لحظة.
دلوقتي فاهمها كل براحتك يعني كل ما تبقاش خايف.
بصلي.
وأنا عايز أقولك حاجة.
قلت
قول.
قال
أنا طول عمري كنت فاكر إنك
متابعة القراءة