رجعت البيت بدرى
إن سامح كان مجرد واجهة.
ورا شركة النور كانت شبكة أكبر بكتير.
رجال أعمال.
مسؤولون فاسدون.
وأسماء ما حدش كان يتخيل إنها متورطة.
لكن المرة دي، رأفت ما كانش لوحده.
ياسمين نفسها أصرت تساعده.
قالت له
أنا السبب اللي خلاك تفتح الملف من الأول.
رد عليها
لا يا بنتي... إنتِ السبب اللي خلاني أكمل.
بدأوا يجمعوا الأدلة بهدوء.
شهور طويلة من البحث.
إلى أن وصلوا إلى مستند واحد قلب كل شيء.
حسابات سرية.
تحويلات بملايين.
وأسماء المستفيدين الحقيقيين.
النيابة فتحت تحقيقًا جديدًا.
والقضية انفجرت في الإعلام.
ناس كبيرة اتحبست.
شركات اتقفلت.
وأموال اتصادرت.
وفي يوم صدور الأحكام، وقف رأفت خارج المحكمة.
كان شعره شاب أكتر.
وظهره بقى أثقل.
لكن قلبه كان أخف من أي وقت فات.
خرجت ياسمين من باب المحكمة وهي ماسكة نسخة من الحكم النهائي.
ابتسمت وقالت
خلصت يا بابا.
بص للسماء ثواني.
ثم رد
أيوة... المرة دي بجد خلصت.
لكن قبل ما يركبوا العربية، رن هاتف رأفت.
رقم مجهول.
فتح الخط.
ثواني من الصمت.
ثم صوت رجل عجوز قال
أنت فاكر إنك عرفت الحقيقة كلها؟
سكت رأفت.
الرجل أكمل
اسأل نفسك سؤال واحد... مين اللي بلغ العصابة بموعد رجوعك للبيت بدري يوم الحادث؟
وانقطع الخط.
وقف رأفت مكانه.
والابتسامة اختفت من على وشه ببطء.
لأن السؤال ده...
ما كانش عنده إجابة عليه رأفت فضل واقف مكانه، التليفون لسه في إيده، والصوت اللي انقطع ساب فراغ تقيل في ودنه.
مين اللي بلغ...؟
الجملة كانت بتتكرر في
ياسمين لاحظت تغيّر ملامحه.
في إيه يا بابا؟
حاول يرد، لكن صوته ما طلعش طبيعي.
مفيش مكالمة غلط.
ركبوا العربية وسابوا المحكمة، لكن الطريق ما كانش زي أي طريق عادي. كل إشارة مرور كانت بتطوّل الوقت في دماغه، وكل عربية معدّية كانت بتشبه سؤال مش لاقي له إجابة.
لأول مرة من سنين، رأفت حس إنه مش ماسك الخيوط.
في الليل، رجع البيت وطلب من ياسمين تدخل ترتاح، وقفل على نفسه المكتب.
فتح كل الورق من جديد.
مش قضية شركة النور.
مش سامح.
مش مروان.
ركز بس على لحظة واحدة
قبل الحادث بساعات.
مين كان يعرف إنه راجع بدري؟
مسك موبايله.
اتصالاته كانت محدودة جدًا.
هناء كانت في شغلها طول اليوم.
صديقه القديم في الوحدة متقاعد.
شركة الأمن سجل دخول وخروج تلقائي.
لكن في حاجة وقفت قدامه فجأة.
سجل الكاميرات الداخلية للبيت.
كان فيه نسخة احتياطية قديمة على سرفر الشركة.
فتحها.
عدّى على الفيديوهات بسرعة.
لحد ما وصل لليوم المشؤوم.
312 مساءً.
لقطة ثابتة على باب الشقة.
وفجأة
لقطة صغيرة جدًا ما كانتش باينة قبل كده.
باب الشقة الداخلي كان مفتوح.
وهناء كانت واقفة في الصالة.
بس مش لوحدها.
كانت بتتكلم في التليفون، وصوتها مش واضح، لكن لغة جسدها كانت متوترة.
بعد ثواني، قالت جملة واحدة بوضوح نسبي
تمام هيتصرف الليلة بدري زي ما قلتلك.
رأفت حس الأرض بتسحب من تحته.
رجع الفيديو تاني وتالت.
حاول يقنع نفسه إنه فاهم غلط.
لكن الصورة كانت ثابتة.
في اليوم التالي،
راح على مكان شغل هناء.
سأل عنها.
قالوا له إنها أخدت إجازة قصيرة.
الإجازة دي ما كانتش في الجدول.
رجع البيت.
لقاها قاعدة في المطبخ، بتعمل شاي، كأن مفيش حاجة حصلت.
رجعت بدري النهارده؟
سألته بابتسامة هادية.
بصلها.
بس المرة دي، ما ردش بسرعة.
مين كان معاكي في البيت يومها قبل الحادث؟
الابتسامة اختفت لحظة.
وبعدين رجعت تاني، أهدى.
إنت بتقول إيه يا رأفت؟
سكت ثواني.
ثم قال بصوت منخفض
أنا شفتك في التسجيل.
الصمت وقع بين الاتنين زي حجر.
كوباية الشاي اتسابت من إيدها على الترابيزة.
مش وقعت بس اهتزت.
رأفت أنا
قبل ما تكمل، سمعوا صوت ياسمين من الأوضة
بابا؟
في اللحظة دي، رأفت كان قدامه اختيارين
يا إما يفتح باب الحقيقة اللي ممكن يهد البيت كله
يا إما يفضل يعيش في بيت شكّه بقى أخطر من أي عدو قابلُه في حياته.
وبص ناحية أوضة بنته.
وسكت.
لكن جواه، الحرب كانت بدأت من جديد رأفت ما دخلش في مواجهة في نفس اللحظة.
مشى ناحية أوضة ياسمين، دخل، وقفل الباب بهدوء.
قعد جنبها على السرير، كأن مفيش حاجة حصلت.
نعم يا حبيبتي؟
ماما بتعيط ليه؟
سؤال بسيط بس وقع عليه تقيل.
ابتسم ابتسامة مكسورة.
مفيش يا ياسمين إرهاق بس.
خرج من الأوضة بعد دقائق، ورجع للصالة.
هناء كانت واقفة في نفس مكانها، بس ملامحها اتغيرت تمامًا. لا دفاع، لا إنكار بس خوف.
قال بهدوء
اقعدي.
قعدت.
سكت ثواني طويلة.
ثم قال
أنا مش هسألك ليه ولا إزاي.
رفعت عينيها بسرعة.
إنتي بس هتقوليلي
دموعها نزلت قبل كلامها.
أنا ماكنتش عايزة أأذي بنتنا صدقني.
سكتت.
وبعدين كملت بصوت مكسور
كانوا بيهددوني بيهددوا ياسمين قالوا لو ما ساعدتش، هيأذوها قبل ما ترجع البيت.
رأفت ما اتكلمش.
بس إيده كانت بتترعش لأول مرة.
أنا قلت لهم إنك هترجع بدري عشان يوقفوا عند حد مش عشان يحصل اللي حصل.
سكتت تاني، كأنها بتختنق.
لكن الموضوع خرج عن السيطرة
البيت كله سكت.
حتى الساعة.
رأفت قام وقف.
مش غضب ولا صراخ.
بس انهيار هادي جدًا.
قال بصوت واطي
إنتي بعتي اللحظة اللي كنت راجع فيها عشان بنتك.
هناء انهارت على الأرض.
سامحني أنا كنت خايفة عليها.
قرب منها شوية.
وبعدين وقف تاني.
كأنه بيحسم حاجة جواه بقالها سنين.
في اليوم اللي بعده، ما فيش خناقات.
ولا فضايح.
ولا محاكم أسرية.
رأفت بلغ النيابة بكل اللي عرفه.
وسلم التسجيلات.
هناء ما حاولتش تهرب.
بالعكس اعترفت.
القضية كبرت تاني، بس المرة دي كانت أوضح وأقسى.
الشبكة اللي ورا شركة النور طلعت أوسع مما تخيلوا وكانت بتستغل الخوف مش الفلوس بس.
هناء أخدت حكم مخفف بعد ما ثبت إنها كانت مهددة ومضغوطة، لكن اتفصلت من كل شيء، وبقت تحت رقابة قانونية.
سنين عدت.
ياسمين اتخرجت من الجامعة.
وبقت بتشتغل مهندسة في مشروع كبير.
وفي يوم هادي جدًا، كانت قاعدة مع رأفت على البحر في إسكندرية.
قالت له
بابا أنت ندمان؟
بص للموج شوية.
ثم قال
أنا خسرت حاجات كتير بس الحقيقة لو ما كانتش ظهرت، كنت هخسر نفسي كمان.
سكت لحظة.
وبعدين ابتسم
وأهم حاجة إني ما خسرتكيش.
ياسمين مسكت إيده.
ولا أنا خسرتك.
وسابوا البحر وراهم
كأنهم سابوا كل اللي اتكسر، ومشيوا ناحية حياة جديدة، مش مثالية بس صادقة.
النهاية.