رجعت البيت بدرى
رجعت البيت بدري عشان أعمل مفاجأة لبنتي في عيد ميلادها الستاشر، بس دخلت لقيت البيت زي القبر، مفيش فيه نفس. بنتي الصغيرة ياسمين كانت مرمية على الأرض، متكومة على نفسها، والدم مغرق الدنيا حوالين شنطة مدرستها، ووشها متبهدل ومتورم لدرجة إن ملامحها ضايعة خالص. الشرطة قالت سرقة بالإكراه، بس أنا شفت الحقيقة اللي عميت عنهم.. إنذار البيت ما اتكسرش، ده اتفصل من جوه. الوحوش اللي دمروا حياة بنتي مكسروش الباب.. دول دخلوا برجليهم. مكنوش يعرفوا إنهم كدة أعلنوا الحرب على ضابط سابق في الصاعقة، قضى عمره كله بيصطاد الوحوش دي عشان لقمة عيشه. الخونة هيموتوا الليلة.
أنا دخلت بيوت وأماكن في حتت تانية من العالم، كان كل شبر وضلمة فيها تحس إن ليها سنان وعايزة تنهشك.
سمعت الرصاص وهو بيصفر جنب ودني، وشميت ريحة الكاوتش المحروق في شوارع ضلمة مفيهاش عمود نور واحد، ونمت وفردة بيادتي في رجلي لأن النوم الحقيقي ده كان رفاهية مابقتش أثق فيها من سنين. خمسطاشر سنة بالبدلة الميري علموني إزاي أتنفس وأحافظ على ثباتي في الوقت اللي كل اللي حواليا ميتين من الرعب. الناس كانت بتقول عليا راسي.. متحكم في أعصابي.. وبنفع وقت الأزمات الكبيرة.
بس كل ده مجهزنيش للي شفته على عتبة بيتي.
الميكروباص نزلني أول شارع أشجار الزيتون بعد الساعة أربعة العصر بشوية. جو شهر مايو كان دافي، وريحة النجيل المقصوص والأسفلت السخن مالية المكان. رشاش المية كان شغال في جنينة عم أحمد جاري، وأعلام مصر الصغيرة كانت متعلقة على بوابات الجراجات، كأن الشارع كله متفق يعيش في سلام وأمان مالوش آخر.
أنا كنت راجع بدري عشان أعمل مفاجأة لبنتي.
ياسمين كان فاضل يومين وتبقى عندها ستاشر سنة، ولأول مرة كنت عايز أكون موجود
مقولتش ل هناء مراتي، ومقولتش ل ياسمين.. كنت عايز أدخل من بوابة البيت وشنطتي الميري على كتفي، وأسمع صرخة فرحة بنتي، وأقضي ليلة واحدة نضيفة أمثل فيها إني أب طبيعي رجع لبيته وعياله في ميعاده.
في نص المشاية اللي موصلة للباب، عيني جت على باب الشقة.
كان موارب.
مش مكسور.. مش متدغدغ.. مفتوح يادوب سنتيمتر واحد، كأن في حد خرج مستعجل أو ناوي يرجع تاني.
الأب اللي جوايا كان عايز ينده ويضحك.. بس الظابط اللي جوايا استلم القيادة قبل ما لساني يغلط الغلطة دي.
الضحكة ماتت على وشي.
طلعت السلم وبطرف صباعين زقيت الباب هناء؟
محدش رد.
ريحة البيت كانت غريبة.. مش ريحة دخان ولا أكل بايت على البوتجاز. ريحة زناخة، حديد، مية بدم.. ريحة أنا حافظها وعارفها كويس قبل حتى ما أسمح لعقلي ينطق اسمها.
دم.
الصالة كانت طبيعية زيادة عن اللزوم. مخدات الأنتريه مفرودة، الريموت على طرابيزة الصالون، كشكول الرياضة بتاع ياسمين مفتوح جنب كوباية ليمونادة كانت بتمتن ميتها على الخشب. مفيش أدراج مقلوبة، مفيش أبجورة مكسورة، مفيش علبة صيغة مديورة على الأرض.. مفيش أي كركبة بتاعة سرقة.
بعدين بصيت ناحية الطرقة.
بنتي كانت مرمية على الأرض.
لثانية واحدة، عقلي رفض يستوعب المنظر.. وراني يد الشنطة، فردة شراب قالعة نصها من كعبها، شعرها الأسود وهو لازق على الخشب. بعدين الشكل اتجمع وبقى ياسمين.. والأرض لفت بيا وعمري كله اتهد في لحظة.
لا.. لا يا بنتي.. يا حبيبتي لا.
نزلت على ركبي جنبها خبطت في الأرض لدرجة إن عيني زغللت بنور أبيض من الوجع. وشها كان ورم وازرق
حطيت صباعي على رقبتها.
مفيش نبض.
بعدين.. ظهر.
ضعيف.. رفيع.. بيعافر عشان يعيش.
طلبت الإسعاف بإيد، وفضلت دايس بالصباعين التانيين على رقبتها، لأني كنت خايف لو شلت إيدي، قلبها يكسل ويبطل يعافر.
بنت عندها ستاشر سنة، قولت كدة وصوتي طالع كأنه جاي من واحد تاني خالص مش أنا. إصابة شديدة في الدماغ.. لسه بتتفس. ابعتوا عربية إسعاف فوراً.
الراجل بتاع الإسعاف قعد يسأل أسئلة، وأنا كنت برد زي الآلة.. العنوان.. الحالة.. اعتداء محتمل.. لا معرفش مين اللي عمل كدة.. المكان مش مأمن.. لا مش هسيبها وأمشي.
جسمها كان سساقع.. وضوافرها كان تحتها دم.. البنت دافعت عن نفسها.. بنتي الصغيرة حاربت وحوش كبار في الطرقة اللي أنا في يوم من الأيام علمتها فيها إزاي تربط كوتشيها.
الراجل ممكن يستحمل الحرب ب إنه يصغر ويموت مشاعره جواه.. بس الأب ميرضاش يشوف دم بنته على الأرض من غير ما كل حتة فيه تقوم وتقف وتعلن الحرب.
على الساعة أربعة وثلث، كانت أصوات السرينة بتلف داخلة شارعنا.. وعلى أربعة وخمسة وعشرين دقيقة، كانوا بتوع الإسعاف بيقطعوا المكان بأوامرهم وأرقامهم.. وعلى أربعة ونصف، ياسمين ا تكلت من البيت تحت ملاية بيضا مغطية كل حاجة ما عدا إيدها الصغيرة المتبهدلة.
في استقبال المستشفى، ادوني ورقة عشان أملاها مكنتش شايف الحروف فيها.. اسم المريض.. تاريخ الميلاد.. الحساسية.. رقم الطوارئ.. كتبت ياسمين رأفت والدم الناشف لسه تحت ضوافري، واضطريت أسأل الممرضة أنا كاتب اسم بنتي التاني صح ولا غلط
هناء وصلت بعد ثلث ساعة.. شعرها كان متبهدل، الكحل سايح على وشها، وبلوزتها مكرمشة كأنها لبست وهي بتجري في الشارع. رمت نفسها عليا بكل عزمها لدرجة إني ساندتها بالعافية عشان متقعش.
رأفت.. بنتي فين؟ هي عايشة؟
قولتلها في العمليات.. بيحاولوا يشيلوا النزيف والضغط اللي على المخ.
طلعت صوت.. عمري في حياتي ما سمعته منها قبل كدة.. صوت شرخ من قلبها.
رئيس المباحث، الرائد شريف، وصل الساعة ستة وسبعة بالليل، كان لابس جاكت بني ريحته سجاير ومطر.. بص على قميصي اللي مليان دم، وبص على طرقة المستشفى، وبص في نوتة صغيرة في إيده كأن الإجابة مطبوعة فيها من قبل ما ييجي.
قال شكلها كدة سرقة وتثبيت.
بحلق في وشه سرقة؟
حصل كذا واقعة سرقة في المنطقة اليومين دول.. حظها وحش وفي المكان الغلط، البنت غالباً فاجأتهم وهم بيسرقوا.
دي كانت جوة بيتها!
أنا مقدر ظروفك وحالتك.
في اللحظة دي عرفت إنه مش هيعمل حاجة، وإنه حمار مش فاهم حاجة.
تقرير الشرطة هيقول محاولة سرقة بالإكراه.. وتقرير المستشفى هيقول ارتجاج وإصابة بآلة حادة.. وشركة الأمن هتقول بعدين إن إنذار البيت اتفصل الساعة تلاتة وستة وأربعين دقيقة العصر، بالرقم السري بتاع البيت.
الإنذار ما اتكسرش.. ما اتلعبش فيه.. مفيش غريب خمنه.
الرقم دخل صح.
نفس الرقم اللي هناء بتستخدمه.. نفس الرقم اللي ياسمين بتستخدمه.. نفس الرقم اللي مفيش مخلوق يعرفه غير الناس اللي بنثق فيهم وبس.
وقفت في طرقة المستشفى تحت اللمبات الفلورسنت البيضا الساقعة، ودم بنتي لسه مغرق لبسي، وبصيت ورايا على الظابط وهو لسه عمال يرغي عن سرقات البيوت اللي في المنطقة.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت من غرفة العمليات وفي إيدها كيس بلاستيك شفاف بتاع الأحراز،