اختى سابتلى بنتها الصغيره 3ايام
إن رحلة ريم انتهت فعلًا.
مش لأنها نسيت كل اللي حصل.
لكن لأنها أخيرًا بقت أقوى منه.
وبقت حياتها أكبر من جروحها.
وأكبر من خوفها.
وأكبر من أي شخص حاول يومًا يقنعها إنها لا تستحق الحب أو الأمان.
ومن يومها...
كل ما كنت أشوفها تضحك من قلبها...
كنت أفتكر الطفلة الصغيرة اللي سألت يومًا
هو أنا مسموحلي آكل النهارده؟
وأحمد ربنا...
إن الإجابة اللي سمعتها وقتها غيرت عمرًا كاملًا.
تمت الحكاية مرت أعوام أخرى...
وأصبح بيتي أهدأ مما كان.
ريم كبرت، ونجحت، وصار عندها عالمها الخاص.
لكنها كانت تزورني كل جمعة تقريبًا.
نفس الكنبة.
نفس أكواب الشاي.
ونفس الضحكة اللي كنت أخاف يومًا ألا أسمعها أبدًا.
وفي إحدى الجمعات، جاءت وهي تخفي شيئًا خلف ظهرها.
قلت مازحًا
واضح إنك عاملة مصيبة.
ضحكت.
وقالت
المرة دي مصيبة حلوة.
ثم أعطتني ظرفًا.
فتحته.
وكانت دعوة زفاف.
تجمدت للحظة.
ثم نظرت إليها.
كانت تبتسم وعيناها تلمعان.
اتخطبتي؟
هزت رأسها.
ولأول مرة منذ سنوات رأيت تلك الطفلة الصغيرة تختبئ ثانية داخل ملامحها.
قالت بهدوء
كنت خايفة.
من إيه؟
إني ما أعرفش أثق في حد.
سكتت قليلًا.
ثم أكملت
لكن اكتشفت
شعرت وقتها بفخر لا يوصف.
وفي يوم الزفاف...
كانت القاعة مليئة بالناس.
وكنت أجلس في الصف الأول.
أراقبها وهي تدخل بثوبها الأبيض.
وفجأة تذكرت تلك الليلة القديمة.
ليلة الطبق الساخن.
ليلة السؤال الذي مزق قلبي.
ليلة الطفلة التي كانت تخاف أن تأكل.
والآن...
ها هي تمشي بثقة بين الجميع.
ترفع رأسها.
وتبتسم للحياة.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت مني.
وأمسكت يدي.
وقالت
في حاجة عمري ما قلتها لك.
ابتسمت.
إيه هي؟
قالت
في أول ليلة عندك...
سكتت قليلًا.
أنا ما كنتش بس خايفة من الجوع.
نظرت إليها باهتمام.
فأكملت
كنت خايفة إنك ترجعني.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وأضافت
فضلت طول الليل صاحية مستنية الصبح.
ليه؟
ابتسمت وسط دموعها.
وقالت
عشان أتأكد إن وجودي مش مؤقت.
لم أستطع الرد.
فقط احتضنتها.
فهمست
أنت أول شخص خلاني أحس إني مرغوب في وجودي.
مرت لحظة صمت طويلة.
ثم ابتعدت قليلًا.
وقالت وهي تضحك
وعلى فكرة...
نعم؟
لسه بحب طاجن اللحمة بالخضار.
ضحكت من قلبي.
وقلت
وأنا لسه بعرف أعمله.
ضحكت هي أيضًا.
ثم عادت إلى زوجها وضيوفها.
وأنا جلست أراقبها من بعيد.
وأدركت
أحيانًا لا نعرف أن موقفًا صغيرًا، أو كلمة بسيطة، أو بابًا تركناه مفتوحًا في ليلة ما...
قد يصبح بالنسبة لشخص آخر سببًا في نجاته طوال العمر.
وكان ذلك الباب المفتوح...
أجمل شيء فعلته في حياتي كلها.
النهاية الأخيرة فعلًا بعد عشرين سنة كاملة...
كان شعري شاب.
وحركتي بقت أبطأ.
والبيت اللي كان مليان لعب وألوان ورسومات أطفال بقى هادي جدًا.
وفي صباح شتوي، كنت قاعد لوحدي على نفس الكنبة القديمة.
أشرب شاي.
وأتفرج على المطر من الشباك.
وفجأة سمعت ضحك أطفال في الصالة.
استغربت.
قمت أمشي ناحية الصوت.
فلقيت ريم داخلة البيت.
لكن المرة دي ما كانتش لوحدها.
كان معاها ولد وبنت صغيرين.
جروا ناحيتي فورًا.
جدو رؤوف!
ضحكت رغم دموعي.
مع إني ما كنتش جدهم الحقيقي.
لكنهم عمرهم ما نادوني غير كده.
ريم وقفت تتفرج علينا وهي مبتسمة.
ثم أخرجت من شنطتها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقالت
لقيت ده وأنا برتب البيت.
فتحته.
كان جواه صورة قديمة جدًا.
الصورة اللي اتصورت في أول أسبوع عندي.
ريم الصغيرة.
قاعدة على الكنبة.
وحاضنة طبق الأكل بإيديها الاتنين.
فضلنا نبص للصورة شوية.
ثم سألتها
عارفة إيه
إيه؟
قلت
أنا كنت فاكر إني أنقذتك.
ابتسمت.
وهزت رأسها.
وقالت
لا يا خالو.
أمال؟
قربت مني.
ومسكت إيدي كما كانت تفعل وهي طفلة.
وقالت
إحنا أنقذنا بعض.
سكتُّ.
فأكملت
أنا ادّيتك سبب تكمل.
وأنت ادّيتني حياة أبدأها.
في تلك اللحظة...
قفز حفيديها على الكنبة.
والبيت امتلأ بالضحك.
ضحك حقيقي.
دافئ.
آمن.
نفس الشيء الذي كان مفقودًا من حياة طفلة صغيرة منذ سنوات طويلة.
نظرت إلى ريم.
فوجدتها تنظر إلى أطفالها.
بنفس الحب الذي كانت تبحث عنه يومًا.
وفجأة فهمت أن الدائرة اكتملت.
الطفلة التي كانت تخاف من الجوع...
كبرت وأصبحت أمًا لا تدع أبناءها ينامون إلا وهم شبعى ومطمئنون.
الطفلة التي كانت تخاف من الخطأ...
صارت تعلم أبناءها أن الخطأ جزء من التعلم.
الطفلة التي كانت تظن أنها لا تستحق الحب...
صارت تمنح الحب بلا حدود.
وقبل أن تغادر في ذلك اليوم...
وقفت عند الباب.
ثم التفتت نحوي.
وقالت آخر جملة علقت في قلبي إلى الأبد
متشكرة إنك فتحت الباب يومها... ومتشكرة أكتر إنك ما قفلتوش في وشي بعد كده.
أغلقت الباب خلفها.
وبقيت واقفًا وحدي.
لكن لأول مرة في حياتي...
لم أشعر بالوحدة.
لأن البيت
وأثر الحب.
وأثر طفلة صغيرة سألت يومًا
يا خالو... هو أنا مسموحلي آكل النهارده؟
ثم عاشت بقية عمرها كله وهي تعرف الإجابة.
نعم يا ريم... نعم.
تمت.