حطت راسها على كتف رجل غريب فى المترو
المحتويات
ابتسامة حزينة.
لأنك المهندسة الوحيدة اللي راجعت كل الرسومات الأصلية للموقع.
ساد الصمت.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة ووضعها أمامها.
الصورة كانت لمهندس عجوز واقف وسط موقع البناء قبل عشرين سنة.
نادين شهقت.
ده... ده بابا!
طارق رفع رأسه بسرعة.
إنتِ متأكدة؟
طبعًا متأكدة. دي صورته.
لأول مرة، بدا على طارق الذهول الحقيقي.
اتضح أن والد نادين، الذي توفي منذ سنوات في حادث غامض، كان أحد آخر الأشخاص الذين عرفوا مكان المستندات.
وفجأة بدأت قطع الأحجية تتجمع.
والدها لم يمت في حادث عادي.
كان مقتولًا.
وفي نفس اللحظة، دوى انفجار هائل في الجهة الأخرى من المدينة.
اهتزت نوافذ السيارات.
رن هاتف طارق فورًا.
جاءه صوت مساعده وهو يصرخ
يا باشا... المخزن القديم انفجر بالكامل!
قبض طارق على الهاتف بقوة.
والملف؟
جاءه الرد الذي جمد الدم في عروقه
الملف مش هناك.
إزاي؟!
لأننا لقينا رسالة مكتوبة بخط المهندس سامي...
سامي.
والد نادين.
أغلق طارق الهاتف ببطء.
ثم التفت إليها.
أبوكي كان عارف إنهم هيوصلوا للمكان.
وكتب إيه؟
أخرج طارق صورة للرسالة وصلت إليه على الهاتف.
كانت جملة واحدة فقط
الحقيقة ليست تحت الأرض... الحقيقة مع ابنتي.
نظرت نادين للكلمات وقلبها يكاد يتوقف.
معايا أنا؟!
لكنها فجأة تذكرت شيئًا نسيته منذ سنوات طويلة.
صندوقًا خشبيًا صغيرًا تركه لها والدها قبل وفاته.
صندوقًا لم تفتحه أبدًا لأنه أوصاها ألا تفتحه إلا إذا شعرت أن حياتها في خطر.
رفعت رأسها
الصندوق... لسه موجود.
وقبل أن ينطق أي منهما بكلمة أخرى، ظهر ضوء سيارة خلفهم.
ثم سيارة ثانية.
ثم ثالثة.
أحاطت بهم السيارات من كل اتجاه.
ونزل منها رجال مسلحون.
أحدهم رفع مكبر صوت وقال
سلّموا البنت... وإلا الليلة دي محدش هيخرج حي تجمدت أنفاس نادين وهي شايفة الرجال المسلحين بيقربوا من العربية من كل اتجاه.
أما طارق فكان هادئ بشكل غريب.
ضغط زرًا صغيرًا تحت عجلة القيادة.
خلال ثوانٍ، اشتغلت أنظمة الحماية في العربية، وقفلت الأبواب أوتوماتيك، واتحول الزجاج إلى طبقة مدرعة.
صوت الرصاص بدأ يضرب العربية من الخارج.
نادين صرخت هنعمل إيه؟!
رد طارق وهو بيشغل المحرك هنسبقهم للصندوق.
وفجأة انطلقت العربية بقوة هائلة، واخترقت الحصار قبل ما يقدروا يقفلوا الطريق بالكامل.
بعد مطاردة استمرت أكتر من نصف ساعة، وصلوا أخيرًا إلى بيت قديم في إحدى ضواحي القاهرة.
كان بيت والد نادين القديم، المقفول من سنين.
دخلت وهي ترتجف.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الساعة المعلقة على الحائط.
المكتبة الخشبية.
وكرسي والدها المفضل.
مشيت مباشرة نحو غرفتها القديمة.
وبدأت تفتش.
دقائق مرت بلا نتيجة.
ثم تذكرت كلام والدها يوم سلمها الصندوق
لو احتجتيه يومًا... دوري تحت الشيء اللي كنتِ بتحبيه أكتر من أي حاجة.
نظرت حولها.
ثم اتجهت إلى بيت الدمية الخشبي اللي بناه لها وهي طفلة.
رفعت الأرضية الصغيرة للبيت.
وهناك كان الصندوق.
كما هو.
مغلق.
وعليه اسمها بخط يد والدها.
دموعها نزلت وهي بتمسكه.
فتحته ببطء.
في الداخل لم تجد أموالًا ولا مجوهرات.
وجدت دفترًا قديمًا.
ومفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
وخطابًا.
فتحت الخطاب بسرعة.
وكان مكتوبًا فيه
نادين...
لو وصلتي للرسالة دي، فمعنى كده إن الناس اللي قتلتني ما زالت تبحث عن الحقيقة.
أنا لم أخبئ الأدلة وحدي.
الأدلة الحقيقية موجودة في خزينة تحمل الرقم 317 داخل البنك الذي كنت أمر أمامه معك كل يوم عندما كنتِ صغيرة.
المفتاح معك.
لكن تذكري... لا تثقي بأحد.
سكتت نادين.
ثم أعادت قراءة آخر جملة.
لا تثقي بأحد.
رفعت عينيها نحو طارق.
وفجأة خطر ببالها سؤال لم تفكر فيه من قبل.
كيف عرف طارق أصلًا بوجود والدها؟
وكيف ظهر في كل مرة قبل أن يصل إليها الخطر بثوانٍ فقط؟
وكيف وصل إلى بيت والدها بهذه السرعة؟
لاحظ طارق نظرتها.
فسأل مالك؟
لكن قبل أن تجيب، سقط شيء من بين أوراق الدفتر على الأرض.
صورة قديمة.
انحنى طارق ليلتقطها.
ثم تجمد مكانه.
لأن الصورة كانت تجمع شخصين فقط
والد نادين...
وطارق نفسه.
لكن طارق كان أصغر بعشرين سنة تقريبًا.
وفي أسفل الصورة عبارة بخط اليد
إلى سامي... شريكي وأخي الذي أثق به أكثر من نفسي.
رفعت نادين الصورة بيد مرتعشة.
وقالت بصوت خافت
إنت كنت تعرف أبويا من زمان...
أغلق طارق عينيه للحظة.
ثم قال الحقيقة التي أخفاها سنوات طويلة
مش بس أعرفه...
وتوقف لثوانٍ.
ثم أكمل
أنا السبب في موته وقعت الصورة من يد نادين.
حست كأن الأرض بتنهار تحت رجليها.
حدقت في طارق
إنت... إيه؟
تنهد طارق ببطء، وكأنه شايل الحمل ده فوق كتفه من سنين طويلة.
اسمعيني للنهاية قبل ما تحكمي عليّ.
لكن نادين كانت بتترعش من الغضب.
أبويا مات بسببك؟!
خفض رأسه وقال
بسبب قرار أخدته أنا... أيوة.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.
ثم بدأ يحكي.
قبل عشرين سنة، كان طارق ووالد نادين، المهندس سامي، شريكين في شركة مقاولات صغيرة. كانوا بيجمعهم الحلم والطموح والثقة.
لكن أثناء تنفيذ مشروع ضخم اكتشفوا شبكة فساد بتسرق ملايين من أموال الدولة عن طريق شركات وهمية وعقود مزورة.
قرر سامي يبلغ عنهم.
أما طارق فكان عارف إن المواجهة المباشرة هتقتلهم.
اختلفوا.
تشاجروا.
وفي النهاية، أخد سامي نسخة من الأدلة وقرر يكمل لوحده.
قبل ما يقدر يسلمها للجهات المختصة بأيام، حصل حادث العربية المشهور.
حادث اتقفل ضد مجهول.
لكن الحقيقة كانت إنه عملية اغتيال مدبرة.
نزلت دموع من عين طارق لأول مرة.
أنا حذرته.
لكنك ما أنقذتوش.
هز رأسه بأسى.
كنت متأخر.
في اللحظة دي رن هاتفه.
رد بسرعة.
وجاءه صوت مساعده مذعورًا
يا باشا... لقونا.
رفع طارق عينه ناحية الشباك.
وفي نفس اللحظة ظهرت أضواء سيارات كثيرة تحاصر البيت من الخارج.
العصابة وصلت.
لكن هذه المرة لم يكن أمامهم وقت للهرب.
فتح طارق الدفتر بسرعة.
وبدأ يقلب الصفحات.
وفجأة سقطت ورقة مطوية من المنتصف.
كانت خريطة.
وعليها دائرة حمراء حول مكان واحد فقط.
الخزينة 317.
لكن تحت الرقم كان فيه شيء أغرب.
جملة قصيرة كتبها
إذا وصلت الخريطة إلى نادين، فاعلمي أن الخائن الحقيقي ليس من تظنين.
تبادل طارق ونادين النظرات.
الاثنان فهما المعنى في اللحظة نفسها.
سامي كتب الجملة
متابعة القراءة