بعد خمس ايام
المحتويات
أنا أبوكي في الآخر.
ردت بهدوء
والأب مش لقب بيتكتب في شهادة الميلاد وبس.
سكت تمامًا.
ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة.
صورة ليا وأنا قاعدة على سرير المستشفى، شعري واقع من العلاج، ووشي شاحب من التعب.
وقالت للحضور
الصورة دي أنا محتفظة بيها من أربع سنين.
ثم نظرت لأبيها.
كل ما أتعب أو أفكر أستسلم كنت أبص للصورة دي وأفتكر مين وقف جنبي.
كانت عيناه بدأت تلمعان بالندم لأول مرة.
لكن بعد سنوات طويلة، الندم ما كانش كفاية.
اقتربت مني مريم، ومسكت إيدي قدام الجميع.
وقالت
يلا يا ماما.
سألتها رايحين فين؟
ابتسمت لأول مرة من بداية الموقف.
وقالت
رايحين نشوف هديتي الحقيقية.
استغربت.
هدية إيه؟
فضحكت وقالت
البيت.
بيت إيه؟
قالت وهي تمسح دموعي
أول مرتب ومكافأة التعيين والمنحة اللي كنت بوفر منها من سنين... حطيتهم مقدم شقة صغيرة.
وقفت مصدومة.
شقة؟!
هزت رأسها.
باسمك إنتِ.
لم أستطع الكلام.
شعرت أن الدنيا كلها تدور حولي.
قالت
طول عمرك كنتِ بتقولي إن نفسك يبقى عندك بيت آمن محدش يقدر يطردك منه أو يهددك بيه.
ثم حضنتني بقوة.
وده أقل جزء من الدين اللي في رقبتي ليكي.
في تلك اللحظة لم أعد أرى طارق ولا شيرين ولا العربية الفاخرة.
كل ما رأيته هو ابنتي.
البنت التي خرجت من سنوات الألم أقوى من الجميع.
أما طارق فظل واقفًا بجوار سيارته الفخمة، يحمل المفتاح في يده، بينما كانت ابنته التي تركها يومًا تبتعد
ولأول مرة فهم أن أغلى شيء خسره لم يكن زوجة مريضة...
ولا أموالًا...
ولا حتى سنوات من عمره.
بل خسر احترام ابنته، وهو شيء لا يمكن شراؤه بأي سيارة في العالم طارق فضل واقف مكانه، متجمد كأنه مش مستوعب إن كل اللي خطط له انهار في دقائق.
العربية اللامعة كانت لسه واقفة ورا ضهره، لكن محدش بقى مركز معاها.
كل الأنظار كانت رايحة لمريم.
وإحنا كنا ماشيين ناحية البوابة، سمعنا صوته بينادي
مريم... استني.
وقفت.
لكنها ما بصتش وراها.
جرى كام خطوة وقال بصوت مبحوح
أنا غلطت.
الجملة دي استنيتها سنين.
لكن لما سمعتها، ما حسيتش بأي انتصار.
بس حسيت بتعب قديم رجع يوجعني.
مريم لفتت له بهدوء.
قال
عارف إني ظلمتكم... وعارف إن مفيش حاجة هترجع اللي فات.
ثم بص ناحيتي لأول مرة من سنين طويلة.
وقال
سامحيني.
سكتُّ.
مش لأن عندي رد.
لكن لأن بعض الجروح بتبقى أكبر من الكلمات.
مريم قالت
المسامحة حاجة... والثقة حاجة تانية.
هز رأسه كأنه فاهم.
وفي اللحظة دي، رن موبايل شيرين.
ردت بسرعة، وفجأة اتغير لون وشها.
إيه؟! إزاي؟!
طارق التفت لها.
قالت بتوتر
الشركة... الشركة اللي كنت شغال معاها فسخت العقد.
اتجمد.
إيه؟
بيقولوا في مشاكل مالية كبيرة ومراجعات... والفرع كله بيتقفل.
الصمت نزل تاني.
بعد دقائق عرفنا إن المشروع اللي كان معتمد عليه خسر خسائر ضخمة، وإن دخله اللي كان بيصرف منه ببذخ اختفى تقريبًا.
لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
نفس الخوف اللي عشته أنا يوم سمعت كلمة سرطان.
لكن الفرق إن ربنا بعتلي وقتها بنت تسندني.
أما هو، فكان واقف لوحده.
مرت ستة شهور.
انتقلنا أنا ومريم للشقة الجديدة.
ما كانتش كبيرة.
ولا فيها رخام فاخر.
ولا جنينة.
لكن كانت مليانة راحة وأمان.
وفي يوم من الأيام، وأنا برتب الأوراق، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت طارق.
لكن مش طارق اللي أعرفه.
شعره شاب أكتر.
ووشه مرهق.
وعينيه فيهم انكسار عمره ما عرفه قبل كده.
مد ظرف صغير ناحيتي.
وقال
دي كل الفلوس اللي قدرت أجمعها.
استغربت.
فتحته.
لقيت شيك بمبلغ كبير نسبيًا.
قال
جزء من حقكم اللي أخدته زمان.
سألته
وليه دلوقتي؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
لأن لأول مرة في حياتي فهمت إن الإنسان ممكن يخسر كل حاجة وهو فاكر نفسه كسبان.
سكت شوية.
ثم أكمل
أنا مش جاي أطلب فرصة جديدة... ولا أطلب ترجعوا حياتكم زي زمان.
وبص ناحية صورة مريم المعلقة على الحائط.
أنا بس جاي أصلح اللي أقدر أصلحه قبل ما الوقت يخلص.
أخذت الظرف.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن الحمل القديم اللي كنت شايله على كتفي بدأ يخف.
مش لأن الفلوس رجعت.
لكن لأن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
الحب الحقيقي ظهر.
والوفاء الحقيقي ظهر.
والناس كلها عرفت مين اللي وقف وقت الشدة ومين اللي هرب.
أما مريم...
فكانت في شغلها الجديد، تبني مستقبلها خطوة خطوة.
وكل ما حد يسألها
مين أكتر شخص
كانت تبتسم وتقول
أمي.
ثم تضيف دائمًا
السرطان ما هزمهاش... فإزاي الحياة تهزمني أنا؟
النهاية بعد سنة كاملة، كنا بدأنا نحس إن الحياة أخيرًا استقرت.
مريم ترقت في شغلها أسرع مما كنا نتخيل، وأنا رجعت أعيش أيامًا هادئة لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وفي مساء شتوي هادئ، رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت شابًا محترمًا واقفًا ومعاه باقة ورد.
ابتسم وقال
حضرتك والدة الآنسة مريم؟
قلت أيوه.
احمر وجهه قليلًا وقال
أنا كريم... زميلها في الشغل.
في البداية ظننته جاء في أمر يخص العمل.
لكن بعد دقائق من الكلام فهمت أنه جاء لسبب آخر.
كان يريد أن يتقدم لخطبة مريم.
أول شيء فعله أنه طلب الجلوس معي قبل أن يتحدث معها.
وقال جملة لم أنسها أبدًا
أنا أعرف كويس حضرتك عملتِ إيه عشان توصل بنتك للمكانة دي، ومستحيل أدخل حياتها من غير احترام وتقدير ليكي.
في تلك اللحظة شعرت أن كل سنوات التعب لم تذهب هباءً.
تمت الخطبة بعد عدة أشهر.
وفي يوم الخطوبة امتلأ البيت بالفرح والضحك.
لكن المفاجأة كانت عندما رأيت شخصًا يقف بعيدًا في آخر القاعة.
كان طارق.
لم يدخل وسط الناس.
ولم يحاول أن يلفت الانتباه.
كان يقف بهدوء فقط.
اقتربت منه مريم.
قال لها
مبروك يا بنتي.
ابتسمت وقالت
شكرًا.
ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة.
فتحها.
وكان بداخلها خاتم قديم.
نظرت إليه باستغراب.
وقال
ده خاتم جدتك.
ثم تنهد.
احتفظت بيه سنين طويلة.
سكت
كنت ناوي أبيعه وقت أزمتي المالية.
لكن افتكرت إن فيه حاجات لو بعتها عمرها ما بترجع.
أخذت مريم الخاتم بهدوء.
ولأول مرة منذ سنوات، رأت في عيني أبيها شيئًا
متابعة القراءة
