جوزى أخد كارتى البلاتينيوم
آخر.
في أحد الأيام، كانت تتفقد المبنى الذي ورثته من والد محمود.
كانت قد حولت جزءًا منه إلى مركز لتدريب الشباب على إدارة الأعمال، ومنح الفرص لأصحاب المشاريع الصغيرة.
أرادت أن يخرج من ذلك المكان شيء نافع.
شيء مختلف عن كل الذكريات المؤلمة المرتبطة به.
وأثناء جولتها، اقترب منها الحارس.
وقال
في شاب مستني حضرتك من الصبح.
استغربت.
مين؟
هز الرجل كتفيه.
قال إنه لازم يشوفك بنفسه.
وافقت على مقابلته.
دخل الشاب.
في أوائل العشرينات.
ملابسه بسيطة.
وعلامات التوتر واضحة عليه.
وقف أمامها وقال
حضرتك الأستاذة ريم؟
أيوة.
ناولها ملفًا صغيرًا.
أنا جيت أسلمك ده.
فتحت الملف.
وفي داخله صورة قديمة.
صورة لمحمود.
لكن الصورة لم تكن هي الشيء الغريب.
بل الطفل الصغير الذي كان يقف بجواره.
رفعت رأسها.
الصورة دي إيه؟
تنهد الشاب.
وقال
الطفل اللي فيها أنا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
محمود كان بيساعدني زمان.
تفاجأت ريم.
لأن هذه أول مرة تسمع شيئًا إيجابيًا عنه منذ سنوات.
جلس الشاب وأخذ يحكي.
اتضح أن محمود، قبل انهيار أوضاعه المالية بسنوات، كان يتكفل سرًا بمصاريف دراسة عدد من الأطفال الأيتام.
من
ومن دون أن ينشر صورًا أو يتفاخر بالأمر.
ولما خسر معظم أمواله، اضطر للتوقف.
لكن بعض هؤلاء الأطفال لم ينسوه.
قال الشاب
أنا اتخرجت السنة اللي فاتت مهندس.
ثم ابتسم.
ولولا مساعدته زمان، ما كنتش وصلت لده.
ريم ظلت صامتة.
لم تكن تعرف ماذا تشعر.
لأن الصورة التي كانت تحملها عن محمود طوال السنوات الماضية كانت صورة شخص أناني وضعيف ومسؤول عن كثير من الأذى.
لكن الحياة نادرًا ما تكون أبيض أو أسود بالكامل.
أحيانًا يكون الإنسان مخطئًا في أشياء كثيرة...
وصاحب خير في أشياء أخرى.
وقبل أن يغادر الشاب، أخرج ظرفًا آخر.
وقال
ده طلب مني أسلمه ليكي لو قابلتك يومًا.
تجمدت يدها.
مين؟
محمود.
فتحت الظرف ببطء.
وكانت بداخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب فيها
يمكن عمرك ما تسامحيني.
ويمكن ما أستحقش.
لكن لو وصلك الجواب ده، فأنا أتمنى تكوني عرفتي إني ما كنتش أسوأ إنسان في الدنيا...
كنت مجرد شخص خسر نفسه قبل ما يخسرك.
وأتمنى تكون حياتك جميلة زي ما كنتِ تستحقي من البداية.
لم يكن هناك توقيع.
ولا عنوان.
ولا رقم هاتف.
كأنه لا يريد ردًا.
ولا ينتظر شيئًا.
طوت ريم الرسالة بهدوء.
ونظرت
ثم وضعت الرسالة بجوار رسالة والده.
وأغلقت الصندوق الخشبي من جديد.
هذه المرة لم تشعر بحزن.
ولا غضب.
ولا حتى حنين.
فقط شعرت أن كل شخص في الحكاية أخذ مكانه الصحيح في الذاكرة.
بأخطائه.
وبلحظاته الجيدة.
وبكل ما كان عليه.
ثم أغلقت الصندوق.
ومشت إلى المستقبل.
دون أن تلتفت للخلف. بعد خمس سنوات كاملة...
وقفت ريم على منصة كبيرة وسط تصفيق مئات الأشخاص.
كان يوم افتتاح أكبر مشروع في حياتها.
مركز ضخم لدعم الشباب ورواد الأعمال، يحمل اسمًا واحدًا فقط
البداية الجديدة.
وقفت تنظر إلى الوجوه أمامها، وتذكرت كل شيء.
الورقة التي تركها محمود على رخامة المطبخ.
الكارت المسروق.
المكالمات المليئة بالتهديد.
دموعها التي كانت تخفيها.
والليالي التي نامت فيها وهي تتساءل إن كانت المشكلة فيها هي.
ثم ابتسمت.
لأنها عرفت الإجابة أخيرًا.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت منها صحفية شابة وسألتها
لو رجع بيكي الزمن لليوم اللي أخدوا فيه الكارت... كنتِ هتعملي إيه؟
ضحك الحاضرون وهم ينتظرون الإجابة.
أما ريم ففكرت للحظة.
ثم قالت
كنت هعمل نفس الحاجة بالضبط.
حتى
هزت رأسها.
أيوة.
استغربت الصحفية.
فسألت
ليه؟
ردت ريم بهدوء
لأن اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتي وقتها... لكنه كان أول يوم بدأت أرجع فيه نفسي.
ساد الصمت في القاعة.
ثم دوى التصفيق.
وفي طريق عودتها للمنزل مساءً، مرت بالشارع الذي سكنت فيه يومًا مع محمود.
نظرت إليه للحظة من نافذة السيارة.
لا أكثر.
لا ألم.
لا غضب.
لا ندم.
مجرد شارع قديم في مدينة كبيرة.
وصلت إلى بيتها.
دخلت الشرفة التي أحبتها.
وضعت كوب القهوة على الطاولة.
وفتحت الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة.
أخرجت رسالة والد محمود.
ورسالة محمود.
وقرأتهما بهدوء.
ثم أعادتهما إلى مكانهما.
وأغلقت الصندوق.
لكن هذه المرة لم تحتفظ به.
بل وضعته في خزانة الذكريات وأدارت المفتاح.
لأن بعض القصص يجب أن تُحفظ...
لا أن تُعاش مرة أخرى.
رفعت عينيها إلى السماء.
وتنفست بعمق.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا جدًا
أن انتصارها الحقيقي لم يكن عندما خسِر محمود.
ولا عندما خرجت عائلته من البيت.
ولا عندما كسبت القضايا.
انتصارها الحقيقي كان عندما استيقظت يومًا، واكتشفت أنها لم تعد تفكر فيهم أصلًا.
ابتسمت.
وأغلقت
ودخلت إلى بيتها الدافئ.
إلى حياتها الجديدة.
إلى مستقبل صنعته بنفسها.
وخلفها، أُغلقت آخر صفحة من الحكاية...
إلى الأبد.
النهاية.