غبت عن مراتي

لمحة نيوز

وهي بتعيط وكان عايز يهرب بيكي.
كريم عينه وسعت ورفعت قتله؟
أمه قفلت عينيها ثم قالت الكلمة اللي أنهت آخر ذرة ستر
أنا اللي قتلته.
هنا شهقت بصوت عالي.
وكريم رجع خطوة كأنه اتلطش.
أمه بدأت تصرخ بانهيار ماكنتش عايزة أقتله! رفعت قالي لو أخويا فتح بقه، مازن هيتسجن والعيلة كلها هتضيع! قالي أختار يا أخويا يا ابني!
هنا كانت بتبكي بصمت موجع.
أما كريم فكان بيبص لأمه كأنه أول مرة يشوفها.
الست اللي ربّته طلعت قاتلة.
وفجأة
صوت ظابط جه من وراهم مدام فريدة الشناوي إنتِ مقبوض عليكي بتهمة القتل.
العساكر قربوا منها.
لكن قبل ما ياخدوها بصت لهنا.
وقالت وسط دموعها أبوكي فضل يصرخ باسمك قبل ما يموت.
هنا انهارت تماماً.
أما كريم فشدها لحضنه بقوة، وهي بتعيط بحرقة لأول مرة على أب ماعرفتوش أبداً.
وفي اللحظة دي
الشمس طلعت بالكامل.
وكأن الليل الطويل أخيراً انتهى.
لكن كريم كان عارف
إن في سر أخير لسه مستخبي.
لأن الرقم المجهول بعت رسالة أخيرة
لو فاكر إن الحقيقة اكتملت يبقى لسه ما فتحتوش أوضة الحريق كريم قرأ الرسالة أكتر من مرة.
أوضة الحريق؟
هنا رفعت وشها من على صدره، عينيها حمرا من العياط يعني إيه أوضة الحريق؟
قبل ما يرد واحد من رجال الأمن قرب منهم وقال في جناح قديم في آخر الفيلا اتحرق من سنين واتقفل بعدها. محدش بيدخله.
كريم بص ناحية البيت الضخم. رغم الشمس اللي طلعت الفيلا كانت شكلها مرعب، كأنها لسه مخبية
جثث الذكريات جوّاها.
هنا مسكت إيده كفاية يا كريم إحنا عرفنا الحقيقة.
لكن كريم هز رأسه ببطء لا في حد بيلعب بينا من أول الليلة.
الجناح القديم كان في آخر الدور التاني.
الممر المؤدي ليه متغطي تراب، والحيطان عليها آثار دخان قديم.
أول ما قربوا ريحة حريق بايت خنقتهم.
الضابط قال الأوضة دي اتحرقت من ١٢ سنة. التقرير وقتها قال ماس كهربائي.
كريم قرب من الباب المحروق ولاحظ حاجة غريبة.
القفل جديد.
لسه متغير قريب.
بص للضابط مين دخل هنا؟
قبل ما حد يرد صوت تكسير طلع من جوّا.
هنا شهقت.
والعساكر كسروا الباب فوراً.
الأوضة كانت ضلمة بالكامل إلا من نور الشمس الداخل من شباك مكسور.
والأغرب
إن في حد كان جوّا فعلًا.
ولد صغير. عنده حوالي ١٣ سنة.
واقف في الركن مرعوب، هدومه متسخة، وحاضن صندوق خشب قديم لصدره.
الضابط قرب بحذر إنت مين؟
الولد بص ناحية كريم مباشرة وقال جملة صدمتهم كلهم
أنا كنت مستنيك.
كريم قرب منه ببطء تعرفني؟
الولد هز رأسه بابا قالي لو حصلّه حاجة أديلك الصندوق ده.
هنا همست باباك مين؟
الولد بلع ريقه ثم قال
عم حسن الجنايني.
كريم افتكر فوراً. الراجل العجوز اللي اختفى من الفيلا يوم اختفاء الخادمة سعاد.
الولد مد الصندوق بإيده المرتعشة.
بابا كان بيقول إن الحقيقة هنا.
كريم فتح الصندوق ببطء
واتصدم.
جواه ملفات وصور قديمة وعقود ملكية وفلاشة صغيرة.
لكن فوق كل ده
كان فيه جواب مكتوب عليه إلى كريم
لأنك الوحيد اللي لسه قلبه نضيف.
إيد كريم ارتعشت وهو بيفتح الجواب.
وبدأ يقرأ بصوت عالي
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا غالباً مت. أنا شوفت وساخة كتير في البيت ده، بس أقذر حاجة شفتها إن أبوك الحقيقي مات وهو بيحاول يحمي طفلين.
هنا عقدت حواجبها طفلين؟
كريم كمل القراءة وعينيه توسعت
هنا ماكنتش لوحدها.
الصمت ضرب الأوضة.
الجواب كمل
ليها أخ توأم اتخبّى بعد الحريق.
هنا شهقت إيه؟!
والولد الصغير اللي في الركن بدأ يعيط.
كريم بص له فجأة ثم للصورة القديمة اللي وقعت من الصندوق.
الصورة كانت لطفلين رضّع بنت وولد.
والولد الصغير اللي واقف قدامهم دلوقتي
كان شبه الطفل اللي في الصورة بشكل مرعب.
هنا قربت منه ببطء إنت
الولد رفع عينه الدامعة وقال
أنا يوسف أخوكي هنا فضلت باصة للولد كأن عقلها رافض يستوعب.
أخويا؟
يوسف هز رأسه ببطء، ودموعه نازلة في صمت.
بابا حسن رباني وقالي طول عمري إني لازم أفضل مخبي.
كريم أخد الصورة من إيده. الصورة القديمة كانت واضحة رضيعين ملفوفين في نفس البطانية، ونفس السلسلة الفضة الصغيرة حوالين رقبتهم.
هنا لمست الصورة بإيد مرتعشة ثم فجأة حضنت يوسف بقوة.
الاتنين انفجروا في العياط.
حتى الضابط لف وشه للحظة من المشهد.
أما كريم فكان واقف يتفرج عليهم، وحاسس إن وسط الخراب ده كله، ربنا أخيراً طلع نور صغير.
بعد أيام
الصحف كلها كانت بتتكلم عن سقوط عيلة الشناوي. التحقيقات فتحت من جديد.
أسماء كبيرة اتورطت. وأسرار سنين خرجت للنور.
لكن كريم اختفى تماماً عن الإعلام.
لأن كل اللي كان يهمه وقتها هنا.
وهنا كانت بتحاول تتعافى من ليلة هدت عمر كامل.
كانت تصحى مفزوعة من النوم. تخاف من أي صوت عالي. لكن كل مرة كانت تلاقي كريم جنبها.
لا سابها. ولا شك فيها. ولا حملها ذنب أي حاجة حصلت.
وفي يوم كانت قاعدة في الجنينة الصغيرة قدام البيت الجديد اللي نقلوا له بعيد عن الفيلا والذكريات.
يوسف كان بيلعب بالكرة وهنا حاطة إيدها على بطنها بابتسامة هادية.
كريم قرب منها بكوبايتين شاي.
سرحانة في إيه؟
بصتله هنا والشمس داخلة في عينيه بنفس الدفا اللي أنقذها بيه طول عمره.
قالت بهدوء فاكرة أول يوم قولتلي فيه إنك هتبقى ضهري مهما حصل.
ابتسم وقعد جنبها ووعدي لسه زي ما هو.
سكتت ثواني ثم قالت إنت عمرك ما خفت مني؟ بعد كل اللي عرفناه؟
كريم مسك إيدها وباسها برقة.
أنا خفت عليكي مش منك.
دموع هنا لمعت، لكنها المرة دي كانت دموع راحة.
وفجأة يوسف جري عليهم وهو بيضحك البيبي هيسمّوه إيه؟
هنا بصت لكريم.
وكريم ابتسم لأول مرة من قلبه من شهور لو بنت تبقى أمل.
يوسف ضحك ولو ولد؟
كريم بص للسماء لحظة ثم قال
حسن.
هنا فهمت فوراً.
اسم الرجل البسيط اللي خاطر بحياته عشان يحمي طفلين مالهمش ذنب.
فابتسمت وسط دموعها.
وفي اللحظة دي حست إن الماضي أخيراً فقد سلطته عليهم.
الليل الطويل انتهى. والعيلة اللي اتبنت على الخوف
والوساخة وقعت.
لكن هما اختاروا يبنوا عيلة جديدة.
عيلة فيها ستر وأمان وحب حقيقي عمره ما كان موجود في بيت الشناوي.

تم نسخ الرابط