ابني جالي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

آدم.
الولد أول ما شافني، مد إيده الصغيرة ناحيتي وقال بصوت ضعيف
تيته ماتزعليش من بابا
اتجمدت مكاني.
بصيت لعمرو بسرعة.
هو كمان اتفاجئ.
لكن آدم كمل بتعب
سمعته امبارح بيقول لماما إنه مكسوف يطلب منك فلوس وإنه لو ماعرفش يحل المشكلة هيبيع العربية
الصمت نزل علينا كلنا.
وهبة بدأت تعيط من جديد.
أما عمرو فبص بعيد، كأنه مش قادر يبصلي في عيني قربت من السرير، ومسكت إيد آدم الصغيرة وبوستها.
قلبي كان بيتقطع بين خوف على حفيدي وبين وجع أكبر إني اكتشفت قد إيه ابني كان شايل فوق طاقته وساكت.
عمرو فضل واقف عند الشباك، ضهره لينا.
ولأول مرة من سنين، شفت كتفه مكسور بالشكل ده.
قلت بهدوء
تعالى يا عمرو.
اتلفتلي ببطء.
عينه كانت حمرا، لكنه حاول يتماسك.
نعم يا أمي؟
سألته مباشرة
إنت مديون بقد إيه فعلًا؟
هبة بصتله بخوف، كأنها خايفة يقول الحقيقة.
لكن عمرو أخد نفس طويل وقال
أكتر من مليون إلا شوية.
شهقت بدون ما أحس.
فكمل بسرعة
الشقة، ومدارس العيال، وعلاج هبة السنة اللي فاتت والدنيا اتقفلت في وشنا مرة واحدة. كنت فاكر إني هعرف أظبطها، لكن كل ما أسد حفرة ألاقي عشرة غيرها.
وسكت ثواني، قبل ما يقول بصوت مبحوح
والله يا أمي ما كنت عايز آخد منك حاجة. كنت بس مزنوق.
الكلمة دي هزتني.
مزنوق.
مش طماع.
مش نصاب.
مجرد راجل بيغرق وبيحاول يتعلق في أي حاجة.
لكن برضه كنت عارفة إن الفلوس لو خرجت كلها، ممكن أضيع أنا كمان.
وفي السن ده، الغلطة ما بتتعوضش.
رجعنا البيت تاني بعد يومين.
آدم بقى أحسن، والجو هدي شوية.
لكن التوتر كان مالي المكان.
كل واحد مستني مني القرار.
وفي الليلة الأخيرة قبل ما يمشوا، طلبت من عمرو يقعد معايا لوحدنا في البلكونة.
الهواء كان ساكن، وصوت التلفزيون جاي واطي من جوه.
قلتله بهدوء
إنت
فاكر أبوك قبل ما يموت قاللي إيه؟
بصلي باستغراب وهز راسه.
ابتسمت بحزن
قاللي إوعي يا سعاد تدي حد كل اللي معاكي حتى لو أقرب الناس.
سكت.
وعمرو وشه نزل للأرض.
فكملت
وأنا هعمل بنصيحته.
عينيه اطفوا فجأة لكن قبل ما يتكلم، رفعت إيدي.
بس ده ما يمنعش إني أمك.
بصلي بسرعة.
قلت بثبات
أنا هساعدك لكن بطريقتي.
وساعتها طلعت ملف من الشنطة اللي جنبي.
ملف كان محضر من أسبوعين أصلًا من قبل ما يجوا حتى.
عمرو فتحه باستغراب.
وبعدين اتجمد مكانه.
إيه ده؟
قلت بهدوء
عقد بيع.
رفع عينه ليا بعدم فهم.
ابتسمت لأول مرة من قلبي
هشتري أنا الشقة اللي إنتوا فيها، وتفضلوا قاعدين فيها براحتكم. بدل ما تغرق في الأقساط والفوايد.
هبة اللي كانت واقفة تسمع من بعيد، حطت إيدها على بقها من الصدمة.
أما عمرو فقال بسرعة
لا يا أمي ده كتير.
قلت بحزم
اسمعني للآخر. الشقة هتبقى باسمي وده أمان ليا. وإنتوا تعيشوا فيها وتدفعوا مبلغ بسيط كل شهر على قدكم، من غير بنوك ولا ديون تخنقكم.
وسكت شوية قبل ما أقول
ولما تقفوا على رجلكم، نبقى نفكر بعدين ترجع باسمك تاني.
عمرو فجأة غطى وشه بإيده وعيط.
مش دموع ضعف.
دي كانت دموع واحد أخيرًا حس إن الحمل اللي فوق ضهره خف شوية.
أما أنا فبصيت للسما وافتكرت جوزي.
يمكن فعلًا كنت محتاجة أحافظ على فلوسي
لكن كنت محتاجة أكتر أحافظ على ابني من إنه يضيع تاني يوم الصبح، صحيت بدري قبل الكل كعادتي.
عملت شاي بالنعناع، وقعدت في البلكونة أبص على الشارع وهو بيصحى واحدة واحدة.
كان قلبي أهدى بكتير من أول يوم جم فيه.
لأول مرة من شهور حسيت إن البيت فيه روح.
ضحكة ليلى، صوت آدم وهو بيجري، حتى خناقاتهم الصغيرة على الريموت كل ده كان مالي الشقة حياة.
لكن جوايا كان لسه فيه خوف صغير مستخبي.
الخوف من
الزمن.
ومن إن القرار اللي أخدته يكون أكبر مني.
بعد الفطار، عمرو قعد جنبي وقال
أنا فكرت طول الليل ومش عارف أقولك إيه.
ابتسمت وأنا بقلب الشاي.
ماتقولش حاجة. المهم تتعلموا توقفوا قبل ما الدنيا تكسركم.
هبة قربت وقتها، وعينيها كانت مليانة دموع.
وقالت بصوت مكسور
أنا آسفة يا طنط على الكلام اللي سمعتيه.
بصتلها بهدوء.
كملت بسرعة
والله ما كنت أقصد أبان جاحدة بس كنت مرعوبة. كل يوم بنك، وأقساط، وطلبات مدارس بقيت بصحى وأنام وأنا حاسة إننا بنغرق.
ولأول مرة، حسيت إنها مش ست بتحاول تستغلني
دي أم خايفة على بيتها وعيالها.
قلت بهدوء
الغلط مش إن الواحد يطلب المساعدة الغلط إنه يفتكر إن تعب غيره سهل.
هزت راسها بسرعة وهي بتمسح دموعها.
بعد أسبوعين، خلصنا الإجراءات.
بعت جزء من شهاداتي القديمة، والبنك حول المبلغ للبائع، والشقة بقت باسمي رسمي.
عمرو حاول يعترض أكتر من مرة، لكني كنت محسومة.
كنت عارفة إني لو اديته الفلوس كاش، الدنيا كانت هتسحبهم من إيده في شهور.
لكن بالشكل ده
أنقذت فلوسي.
وأنقذت بيته.
عدى ست شهور بعدها.
وفي يوم الجمعة، كنت قاعدة بتتفرج على مسلسل، لقيت جرس الباب بيرن.
فتحت
ولقيت آدم وليلى داخلين يجرو عليّ.
تيتههههه!
وراهم عمرو وهبة، شايلين أكياس أكل وحلويات.
قلت باستغراب
في إيه؟ مناسبة إيه؟
عمرو ابتسم وقال
أول قسط خلصناه بدري وقلنا نيجي نتعشى عند صاحبة البيت.
ضحكت لأول مرة من قلبي لدرجة دموعي نزلت.
صاحبة البيت.
الكلمة اللي زمان كانت ممكن توجعني
بقت النهارده أمان.
وبينما العيال بيجروا في الصالة، وهبة بتحضر السفرة، وعمرو بيحكيلي إنه أخد ترقية صغيرة في الشغل
بصيت حواليا وفهمت حاجة متأخرة.
الفلوس طول عمرها كانت وسيلة أمان
لكن الأمان الحقيقي،
إنك تلاقي أهلك راجعين
لك مش مستنيين موتك مرت سنة كاملة، والدنيا بدأت تهدى فعلًا.
عمرو بقى أهدى، وهبة رجعت تضحك تاني، وآدم صحته اتحسنت جدًا بعد ما بقوا يهتموا بأكله وعلاجه.
أما أنا فبقيت أشوفهم كل أسبوع تقريبًا.
البيت اللي كان ساكت طول الوقت، بقى مليان دوشة وضحك وريحة أكل.
لكن في ليلة شتوية باردة كل حاجة اتقلبت فجأة.
كنت نايمة، وصحيت على رنة تليفون الساعة اتنين بعد نص الليل.
قلبي اتقبض فورًا.
الوقت ده عمره ما بيجيب خير.
لقيت اسم عمرو على الشاشة.
رديت بسرعة
عمرو؟ في إيه يا ابني؟
لكن اللي رد ماكانش هو.
صوت بنت بيعيط
حضرتك ماما عمرو؟
اتعدلت مفزوعة.
أيوه! مين؟!
قالت بسرعة وسط دوشة وصوت عربيات
أنا داليا زميلته عمرو حصل له حادثة.
الدنيا لفت بيا.
إيدي بردت فورًا.
سمعتها بتكمل
هو في مستشفى المهندسين بس حضرتك لازم تيجي بسرعة.
مافتكرش أنا لبست إزاي ولا نزلت الشارع إزاي.
كل اللي فاكره إني طول الطريق كنت بدعي بس
يارب ما تحرمنيش منه.
وصلت المستشفى لقيت هبة منهارة على الكرسي، وشعرها مبهدل، وآدم وليلى عند جارتهم.
أول ما شافتني حضنتني وصرخت
كان راجع من الشغل عربية نقل خبطتهم!
اتجمدت عند كلمة خبطتهم.
هم مين؟!
بصتلي بعيون مرعوبة
عمرو وواحد صاحبه.
قلبي كان هيقف.
جريت ناحية الدكتور أول ما خرج.
ابني عامل إيه؟!
الدكتور بصلي بسرعة وقال
فيه نزيف بسيط واتكسر في رجله، لكن الحمد لله لحقناه. المشكلة إن صاحبه حالته أخطر.
ركبي ما شالتنيش.
قعدت على أقرب كرسي وأنا ببكي بصمت لأول مرة من سنين.
بعد ساعات، سمحولي أشوفه.
دخلت أوضة العناية، ولقيته نايم والأجهزة حواليه.
وشه كان شاحب بطريقة كسرت قلبي.
قربت منه ومسكت إيده بهدوء.
وفجأة فتح عينه بالعافية.
وشافني.
وهمس بصوت متقطع
أمي
دموعي نزلت فورًا.
قلت بسرعة
أنا
هنا يا حبيبي ماتتكلمش.
لكنه ضغط على إيدي بصعوبة وقال
في حاجة مهمة.
ميلت عليه وأنا مرعوبة.
قال بصوت متكسر
لو لو حصلي حاجة ماتسيبيش حد ياخد العيال من هبة.
اتصدمت.
بتقول
تم نسخ الرابط