ابني جالي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

جالي ابني هو ومراته وعياله يقضوا كام يوم عندي لأول مرة من ست شهور. فرحت بيهم جدًا، وعملت كل الأكل اللي بيحبوه، وحتى خبزت كيكة مخصوص للعيال. لكن بالصدفة سمعت مرات ابني وهي بتتكلم في التليفون وساعتها بس فهمت السبب الحقيقي لزيارتهم.
اسمي سعاد. عندي سبعين سنة، وعايشة في الجيزة.
قضيت عمري كله بحوش قرش على قرش. مش عشان كنت غنية، لكن عشان كنت عارفة إن الزمن مابيرحمش، وإن الواحد لما يكبر محدش هيشيله غير فلوسه اللي تعب فيها. من وأنا صغيرة وبشتغل، كنت بشيل جزء من المرتب كل شهر. ساعات مبلغ صغير، وساعات أكبر شوية لما الظروف تسمح. ومع السنين، الفلوس دي كبرت واحدة واحدة.
جوزي توفى من حداشر سنة، ومن يومها وأنا عايشة لوحدي في نفس الشقة. ولادي عارفين ده، وعارفين كمان إن معايا تحويشة عمر. مش ملايين، لكنها تعب سنين طويلة وشقى وحرمان.
ابني اسمه عمرو، عنده اتنين وأربعين سنة. متجوز هبة بقاله اتناشر سنة، وعندهم طفلين آدم عنده تمن سنين، وليلى الصغيرة عندها خمس سنين. بشوفهم أقل بكتير ما نفسي أشوفهم. دايمًا في حجة الشغل، دروس العيال، أو خروجات الجمعة.
لما عمرو كلمني وقالي إنهم جايين يقضوا كام يوم عندي، فرحت من قلبي.
نزلت السوق عصر الجمعة.
اشتريت كل حاجة عارفة إن العيال بتحبها فراخ مقلية وآرز بالخلطة لآدم، وأرز بلبن لليلى. وحتى عملت كيكة البرتقال اللي كان عمرو بيعشقها وهو صغير.
وصلوا الضهر يوم السبت.
العيال جريوا عليّ وحضنوني جامد، وبعدها على طول ابتدوا يسألوا
يا تيته، عملتلنا إيه ناكله؟
كل حاجة كانت طبيعية.
كل حاجة كانت شكلها حلو.
وقت الغدا كنت مبسوطة فعلًا. عمرو كان لطيف، وهبة كمان. اتكلمنا عن المدارس، والعيال، ومصيف كانوا بيفكروا يروحوه الصيف الجاي.
بعد الغدا، العيال دخلوا يتفرجوا على التلفزيون في الصالة.


وعمرو طلع البلكونة يرد على تليفون.
أما أنا، ففضلت في المطبخ بغسل المواعين.
وهبة كانت قاعدة في السفرة.
كانت فاكرة إني مش سامعاها.
بس كانت غلطانة.
كانت بتتكلم بصوت واطي، لكنه واضح.
كانت على التليفون مع واحدة صاحبتها غالبًا.
وقالت
أيوه، النهارده هنتكلم معاها. عمرو بيقول إنها غالبًا هتوافق، ما هي حوشة الفلوس دي كلها ومابتعملش بيها حاجة. إحنا بقالنا شهور مخنوقين بسبب أقساط الشقة ومبقيناش عارفين نتصرف. لو سلفتنا المبلغ دلوقتي، هرجعهولها السنة الجاية أول ما ينزل البونص بتاعه.
إيدي وقفت فجأة وهي في المية.
وبعدين كملت
عارفة إن الطلب كبير، بس لو ماعملناش كده هنضطر ناخد قرض، والفوايد نار اليومين دول وبعدين هي أصلًا محتاجة الفلوس في إيه؟ دي عايشة لوحدها ومصاريفها على قدها.
فضلت واقفة مكاني، وإيديا جوه الحوض.
مش قادرة أتحرك.
وبعدين قالت
ماشي، هكلمك بعدين وأقولك حصل إيه. يا رب الخطة تنجح.
وقفلت التليفون.
نشفت إيدي بالراحة.
وقلعت المريلة.
واتسندت على رخامة المطبخ شوية.
افتكرت أربعين سنة بحوش فيهم جنيه على جنيه.
افتكرت كل الحاجات اللي حرمت نفسي منها وأنا بقول بكرة أهم.
افتكرت السفرات اللي ما سافرتهاش عشان أوفر.
الكاتب_رومانى_مكرم 
وافتكرت كل الكلام اللي كنت بقوله لعمرو وهو صغير إن الفلوس لازم تتصان، عشان الدنيا مالهاش أمان.
وافتكرت حقيقة واحدة بس كانت واضحة قدامي
لو اديتهم الفلوس دي عمري ما هشوفها تاني.
بصيت لهبة وهي خارجة من السفرة كأن مفيش حاجة حصلت، ووشها كله هدوء.
حتى ابتسامتها كانت عادية جدًا وهي بتقول
أساعدك في المواعين يا طنط؟
رفعت عيني عليها، وابتسمت أنا كمان.
لا يا حبيبتي، ارتاحي إنتِ واضح إنكم تعبانين من الطريق.
قلبي وقتها كان بيدق بعنف بس ملامحي كانت ثابتة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بهدوء.

فتحت الدولاب، وطلعت العلبة المعدنية القديمة اللي بخبي فيها دفتر التوفير وبعض الأوراق المهمة.
قعدت على السرير أبص للعلبة.
أربعين سنة شقى كانت جوه العلبة دي.
تنهدت، ولسه هرجعها مكانها، لقيت خبط خفيف على الباب.
كان عمرو.
دخل وهو مبتسم ابتسامة صغيرة أعرفها كويس نفس الابتسامة اللي كان بيعملها وهو صغير لما يكون عايز مني حاجة.
قعد جنبي وقال
مالك يا أمي؟ حاسسِك ساكتة شوية.
بصيتله ثواني طويلة.
كان ابني حتة مني.
الولد اللي سهرت عليه بالليالي وهو عنده حرارة.
الولد اللي كنت بخبي له الساندويتش الحلو عشان ياخده المدرسة.
لكن لأول مرة حسيت إن بينا مسافة كبيرة أوي.
قلت بهدوء
لا يا حبيبي بس السن بقى يعمل شغله.
سكت شوية، وبعدين أخد نفس عميق وقال
بصراحة يا أمي كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع.
قلبي اتقبض لكني عملت نفسي مش فاهمة.
خير؟
حك رقبته بتوتر.
إنتِ عارفة الظروف بقت صعبة والشقة الجديدة مهددانا فعلًا. الأقساط متراكمة، والبنك زنقنا جامد.
فضلت ساكتة.
فكمل بسرعة
وإحنا قولنا بدل ما ناخد قرض بفوايد كبيرة نستلف من حد مضمون. وأقرب حد لينا إنتِ.
الكلمة جرحتني أكتر ما توقعت.
حد مضمون.
مش أم.
مش ست تعبت عمرها كله.
مجرد مصدر أمان.
قال وهو بيقرب مني
مجرد سنة يا أمي، والله. أول ما البونص ينزل هرجعهم كاملين.
بصيت في عينيه مباشرة لأول مرة.
ولقيت فيهما حاجة خوفتني
الاحتياج.
والإنسان المحتاج ساعات بيصدق أي وعد يقوله.
سألته بهدوء
محتاج كام؟
ارتاح فجأة، كأن نص المعركة خلص.
حوالي تمانمية ألف.
الرقم وقع عليّ كالصاعقة رغم إني كنت متوقعة.
ده تقريبًا أغلب تحويشة عمري.
بلعت ريقي ببطء.
وقبل ما أرد سمعنا صوت خبطة جامدة برا.
وبعدين صريخ ليلى الصغيرة
باباااا! آدم وقع ومش بيتحرك! عمرو جري من الأوضة كالمجنون، وأنا وراه، وهبة خرجت
من الصالة وشها أصفر وهي بتصرخ
آدم! يا نهار أبيض!
لقيت آدم واقع جنب طرابيزة السفرة، وعينه مقفولة، والكوباية المكسورة متبعثرة حواليه.
ليلى كانت بتعيط بهستيريا ومتشعلقة في هدوم أبوها.
ركعت جنب آدم بسرعة، وإيدي كانت بتترعش.
آدم يا حبيبي افتح عينك.
لكن الولد ما ردش.
عمرو شاله وهو مرتبك جدًا، وصوته كله خوف حقيقي
العربية بسرعة يا هبة!
وفي أقل من خمس دقايق كنا في الطريق للمستشفى.
الطوارئ كانت زحمة بشكل مرعب.
ممرض أخد آدم على سرير متحرك، وإحنا واقفين برا مش فاهمين حاجة.
هبة كانت بتعيط بانهيار، وعمرو رايح جاي قدام الباب كأنه هيكسر الأرض من كتر التوتر.
ولأول مرة من ساعة ما جم نسيت الفلوس.
نسيت كل كلمة سمعتها.
ما شفتش غير حفيدي الصغير.
بعد حوالي نص ساعة، الدكتور خرج.
قلوبنا وقفت.
قال بهدوء
الحمد لله، ابنكم فاق. الظاهر إن عنده أنيميا حادة وسكر منخفض جدًا، والإغماءة حصلت بسبب الإجهاد وقلة الأكل المنتظم.
هبة بصت في الأرض فورًا.
أما عمرو فسأل بسرعة
يعني مفيش حاجة خطيرة؟
الدكتور هز راسه
لازم نهتم بتغذيته والتحاليل، لأن واضح إن الطفل مهمل صحيًا بقاله فترة.
وسابنا ومشي.
الجملة الأخيرة فضلت معلقة في الهوا
مهمل صحيًا.
بصيت على هبة.
كانت مكسورة فعلًا.
مش التمثيل اللي كنت متوقعاه.
وشها كان مليان إرهاق وذنب.
قعدت على الكرسي فجأة، وحطت وشها بين إيديها وانهارت
إحنا بقينا مش عارفين نلحق حاجة والله ما بقينا عارفين نتصرف
عمرو سكت.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
راجل متبهدل فعلًا مش مستغل ولا طماع زي ما عقلي صورلي من شوية.
هدومه نفسها كانت أقدم مما أتذكر.
وساعته اللي كان بيحبها باين إنه باعها.
وفجأة افتكرت حاجة.
من شهرين تقريبًا، عمرو كان اتصل بيا وعرض ياخدني أعيش معاهم لوحدة ما تتعبنيش.
وأنا اللي رفضت بعصبية وافتكرت
إنه بيطمع في شقتي.
يمكن يمكن أنا كمان ظلمتهم.
لكن رغم ده كله قلبي كان لسه خايف.
لأن الخوف على تعب العمر مش سهل.
بعد ساعة، سمحولنا ندخل نشوف
تم نسخ الرابط