حصلت علي درجة
المحتويات
صح.
سكتت لحظة، ثم أضافت
بس النهارده شكلك اتكسفتي من سيف.
مريم رفعت عينيها بسرعة.
ما اتكسفتش.
اتضايقتي؟
سكتت.
وبعدين قالت بصوت منخفض
أنا بس كنت مستنية منه حاجة واحدة إنه يفهم.
رنا هزت رأسها ببطء
أحيانًا الناس اللي بنستنى منهم الفهم هم آخر ناس بيفهموا.
في نفس الوقت
في البيت القديم، سيف كان واقف في أوضة الصالة لوحده.
الموبايل في إيده، لكنه مش فاتح حاجة.
أول مرة يحس إن البيت كبير زيادة عن اللزوم.
الأم كانت قاعدة على الكنبة، صوتها هادي
هي قالت إيه؟
سيف ما ردش بسرعة.
ثم قال
قالت إنها مش راجعة.
الأم رفعت عينيها له.
هترجع.
لكن سيف هز رأسه ببطء
مش بالشكل اللي إحنا فاهمينه.
الصمت دخل المكان تاني.
الأب كان بيبص في الأرض كأنه بيفكر في حاجة بعيدة.
إحنا غلطنا؟
السؤال خرج بدون ما يقصده.
محدش رد.
لأن لأول مرة السؤال ما كانش له إجابة سهلة.
في صباح اليوم التالي
مريم قامت بدري.
لبست هدوم بسيطة، وشالت شنطة صغيرة، وراحت الجامعة مع رنا.
أول مرة تدخل المكان ده وهي مش شايلة إحساس إنها لازم تثبت حاجة للعيلة.
الجامعة كانت واسعة، مليانة طلبة، صوت ضحك، حركة، حياة.
وقفت لحظة عند البوابة.
رنا قالت
جاهزة؟
مريم بصت قدامها.
أنا طول عمري كنت جاهزة بس كنت متحجزة في مكان غلط.
ودخلت.
في نفس اليوم
وصلت رسالة جديدة على موبايلها.
رقم غريب.
فتحتها.
مريم أنا تبارك.
سكتت لحظة.
قلبها ما اتحركش بسرعة زي الأول.
الرسالة كانت طويلة
أنا عارفة إنك زعلانة ومش جاية أبرر حاجة. بس من ساعة ما مشيتي كل حاجة في البيت اتغيرت. ومحدش بقي زي الأول.
مريم قفلت الرسالة.
ما ردتش.
لكن لأول مرة اسم تبارك ما عملش وجع مباشر.
بس سؤال صغير جواها
ليه لسه بترسلي؟
في المساء
سيف رجع يقف قدام باب أوضة مريم القديمة في البيت.
أو بالأصح الباب اللي ما بقاش ليه معنى زي الأول.
الأم كانت وراه.
هتعمل إيه؟
سيف رد بهدوء
مش عارف بس إحنا خسرنا حاجة مش مفهومة.
الأب من بعيد قال بصوت واطي
هي كبرت قبل ما إحنا نلاحظ.
سيف ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح
لا إحنا اللي اتأخرنا نفهم إنها كانت بتصغر جوه وهي ساكتة.
في الجامعة
مريم كانت قاعدة في أول محاضرة.
دكتور بيتكلم عن الطب عن البداية عن الإنسان.
لكن هي كانت بتكتب جملة صغيرة في كشكولها
مش لازم أكون أقوى واحدة كفاية أبقى أنا.
رفعت عينيها لأول مرة بدون ثقل.
وبس.
ومن اللحظة دي
مريم ما كانتش بتبدأ حياة جديدة.
هي كانت بس بتكمل حياتها صح الأيام بدأت تمشي بشكل مختلف.
مش بسرعة لكن بثبات غريب، كأن مريم بتتعلم تمشي من جديد من غير ما تبص وراها كل شوية.
في الجامعة، بدأت تدخل المحاضرات بانتظام، تقعد في الصفوف الأولى، وتكتب ملاحظات صغيرة بخط مرتب لأول مرة بدون توتر.
لكن الأهم إن صوت البيت القديم بدأ يخف.
مش اختفى تمامًا لكنه بقى زي ذكرى بعيدة، مش جرح مفتوح.
في بيت الطالبات
رنا كانت قاعدة قدام مريم وهي بتاكل.
عارفة؟ إنتِ بقيتي أهدى.
مريم ابتسمت بخفة
أنا مش أهدى أنا بس مش بتخانق جوا دماغي طول الوقت.
رنا ضحكت
دي أعظم
سكتت لحظة، ثم قالت
سيف كل يومين بيكلمني.
مريم رفعت عينيها.
بس ما اتفاجئتِش.
وبيسأل عليكي.
مريم هزّت كتفها
وإنتِ بتقولي له إيه؟
بقول له إنكِ عايشة بس مش متاحة.
سكتت مريم لحظة، ثم قالت بهدوء
كويس.
كلمة واحدة بس كانت تقيلة على طريقة جديدة في حياتها.
في البيت القديم
سيف كان واقف قدام المراية، لابس نفس الهدوم، بس مش شايف نفسه زي الأول.
الأم دخلت.
لسه مكلمتش أختك؟
سيف ضحك بسخرية خفيفة
هي مش عايزة أختها دلوقتي.
الأم ردت بسرعة
إنتوا اللي كسرتمها.
الصمت وقع في الغرفة.
الجملة دي كانت أول مرة تتقال بصوت عالي.
سيف ما ردش.
بس عينه اتغيرت.
في الجامعة
الدكتور نادى أسماء الطلبة.
مريم أحمد؟
رفعت إيدها.
معانا.
أول مرة حد ينادي اسمها وما يكونش وراه مقارنة.
بعد المحاضرة، زميلة جديدة قربت منها.
إنتِ دايمًا بتكتبي بسرعة إنتِ شاطرة بجد.
مريم ابتسمت ابتسامة بسيطة
أنا بس بخاف أنسى اللي بيتقال.
الزميلة ضحكت
شكلنا هنكون أصحاب.
مريم سكتت ثانية.
مش لأنها مش عايزة
لكن لأنها بتتعلم حاجة جديدة اسمها الثقة البطيئة.
في المساء
وصلها إشعار جديد.
رسالة من تبارك
مريم أنا مش كويسة.
مريم بصّت للشاشة فترة طويلة.
لكن المرة دي ما فيش صدمة.
بس هدوء.
فتحت الرسالة.
أنا عارفة إنكِ مش عايزة تتكلمي معايا بس أنا فعلاً مش مبسوطة من غيرك. البيت كله بقى تقيل. حتى سيف مش زي الأول.
مريم قفلت الموبايل.
وحطته على السرير جنبها.
رنا سألتها
مش هتردي؟
مريم قالت
مش كل وجع محتاج رد.
سكتت لحظة، ثم أضافت
وفيه ناس لازم تتعلم تعيش من غير ما تعتمد على وجودك علشان ترتاح.
في نفس اللحظة
في البيت القديم
تبارك كانت قاعدة لوحدها في الأوضة، الفستان الأزرق متحط في الدولاب، بس مفيش فرحة حواليه.
أمها مشغولة.
أبوها ساكت.
وسيف مش بيضحك.
في الليل
سيف خرج يقف في البلكونة.
الموبايل في إيده.
فتح صورة قديمة لمريم وهي صغيرة ضحكتها كانت واضحة، بريئة، من غير أي ثقل.
فضل يبص لها فترة طويلة.
ولأول مرة
قال بصوت واطي لنفسه
إحنا ما كناش شايفينها أصلًا
في بيت الطالبات
مريم كانت نايمة.
بس قبل ما تغمض عينيها
ابتسمت.
مش لأنها ناسية الماضي.
لكن لأنها لأول مرة
مش محتاجة تصحي علشانه في صباح اليوم التالي
مريم صحيت على صوت خفيف في الممر، مش زي الأول. الصوت بقى جزء من المكان، مش دخيل عليه.
فتحت عينيها بهدوء، وبقت لحظة ساكتة كأنها بتتأكد إنها فعلًا في مكانها الجديد.
قامت، غسلت وشها، ولبست هدوم الجامعة.
بس قبل ما تخرج، لقت ظرف صغير متساب تحت باب الغرفة.
انحنت بسرعة، فتحته.
جواه ورقة مكتوب فيها بخط بسيط
لو احتجتي أي حاجة في الجامعة أو الأوراق أنا موجودة.
د. هناء
وقفت لحظة.
مش متعودة إن حد يساعدها من غير مقابل عاطفي أو ضغط.
حضنت الورقة شوية وبعدين حطتها في شنطتها.
في الجامعة
كان اليوم مختلف.
في إعلان على لوحة الكلية
مشروع تطوعي لطلبة الطب الجدد تدريب ميداني في مستشفى الجامعة
رنا شافت الإعلان بسرعة
إنتِ لازم تشتركي.
مريم بصّت له
أنا
رنا ردت بثقة
وأنا لسه شايفة إنكِ بتفكري كأنكِ متأخرة، مع إنكِ سبقتي نفسك أصلًا.
سكتت مريم لحظة.
ثم ابتسمت
طيب قدميلي اسمي.
في نفس الوقت
في البيت القديم، الجو كان أهدأ من المعتاد.
سيف كان ماسك موبايله، وواقف قدام الشباك.
الأم قالت
هي ما ردتش؟
سيف هز رأسه
مش بترد بس بتعيش.
الأب رفع عينه
ده فرق كبير.
سيف سكت.
ثم قال
أنا أول مرة أحس إني كنت أخوها من بعيد مش من جوه.
في المستشفى الجامعي
مريم وقفت قدام الباب الكبير.
لبس أبيض بسيط، وشها هادي، بس عينيها فيها توتر طبيعي.
رنا كانت جنبها
جاهزة؟
مريم أخذت نفس عميق.
مش جاهزة بس هادخل.
دخلوا.
أول يوم في عالم مختلف.
دكاترة، طلبة، مرضى، أصوات أجهزة، حياة سريعة جدًا.
لكن وسط كل ده
مريم كانت لأول مرة مش بتدور على مكان يثبت وجودها.
هي بس كانت موجودة.
في نهاية اليوم
الدكتور المشرف نادى عليها
إنتِ اسمك مريم؟
هزّت رأسها.
كنتِ مركزة جدًا في الملاحظة مين علّمكِ كده؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أنا اتعلمت لوحدي وإتأخرت شوية.
الدكتور ابتسم
المهم إنكِ وصلتي.
في المساء
رجعت بيت الطالبات.
قعدت على السرير.
فتحت الموبايل.
لقيت رسالة جديدة من رقم سيف
إحنا محتاجين نتكلم مش كأخ وأخت بس كناس فاهمة إنها خسرت بعض.
قعدت مريم تقرأ الرسالة بهدوء.
ثم قفلتها.
ما ردتش.
رنا بصّت لها
لسه؟
مريم هزّت رأسها
مش دلوقتي.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
في فرق بين إنكِ تسامحي وإنكِ ترجعي لنفس المكان اللي أذاكِ.
في الليل
مريم فتحت الكشكول.
كتبت
أنا مش محتاجة أثبت إني كنت صح كفاية إني بطلت أكون غلط علشانهم.
قفلت الكشكول.
ونظرت للسقف.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشها.
مش لأن كل حاجة بقت تمام.
لكن لأن لأول مرة
هي مش مستنية حد يقول لها إنها كويسة الأيام اللي بعدها بدأت تاخد شكل أسرع داخل حياة مريم، لكن إحساسها الداخلي كان أهدى من أي وقت فات.
في المستشفى الجامعي، بدأت تبقى مألوفة للناس. مش لأنها الأذكى أو الأسرع، لكن لأنها موجودة بتركيز، كأنها بتستعيد كل لحظة كانت بتضيع منها قبل كده.
في أحد الأيام، وهي بتراجع ملف مريض بسيط، الدكتور المشرف وقف جنبها.
إنتِ بتسألي أسئلة دقيقة زيادة عن اللازم.
رفعت عينيها
ده غلط؟
ابتسم
ده نادر مش غلط. بس بيحتاج حد متحمل يشوف الحقيقة من غير ما يهرب منها.
سكتت لحظة.
الكلمة دي لمستها بشكل غريب.
من غير ما يهرب.
في نفس اليوم
وصلها إشعار على الموبايل.
رسالة من سيف
مريم أبوكِ تعبان وعايز يشوفك.
قفلت الموبايل فورًا.
لكن إيدها اتجمدت شوية وهي ماسكة الشاشة.
رنا لاحظت
مش هتروحي؟
مريم بصت قدامها
مش كل تعبان معناه إني أرجع لنفس الدائرة.
سكتت.
ثم أضافت
ولو تعبان بجد هيعرف إن العلاج مش إني أرجع أذبل تاني.
في البيت القديم
الأب كان نايم على الكنبة.
الإرهاق باين عليه بوضوح.
الأم قاعدة جنبه، وسيف واقف في النص، صوته منخفض لأول مرة
هي ما ردتش.
الأم همست
مش شايفة نفسها هنا خلاص.
سيف قعد على الكرسي.
إيده على راسه.
أنا كنت فاكر إنها هتفضل زي ما هي مهما عملنا
الأم ردت بهدوء
هي اللي ما بقتش زي ما كانت مش إحنا.
في المستشفى
مريم كانت بتساعد في متابعة حالة مريض كبير في السن.
المريض بص لها وقال فجأة
إنتِ شكلِك زعلانة بس بتشتغلي كويس.
رفعت عينيها، ابتسمت ابتسامة خفيفة
أنا كنت زعلانة بس اتعلمت أكمّل.
المريض هز رأسه
اللي بيكمّل وهو موجوع بيبقى أقوى من اللي بيكمّل وهو مبسوط.
الجملة وقفت جواها لحظة طويلة.
في المساء
رنا فتحت الباب وهي شايلة كيس أكل
تعالي النهارده هنخرج شوية.
مريم رفعت حاجبها
نخرج؟
أيوه. كفاية مستشفى ومذاكرة. إنتِ بقيتي شبه الروبوت.
ابتسمت مريم
أنا لسه بتتعلم أبقى إنسانة.
في الخارج
المشي كان هادي في شارع قريب من الجامعة.
أضواء المدينة خفيفة، والهواء أبرد شوية.
رنا قالت فجأة
لو رجعوا يكلموكي تاني بشكل مختلف هتعملي إيه؟
مريم سكتت.
ثم قالت
مش هقول لأني مش هسامح
سكتت لحظة أطول.
بس يمكن أسمع من بعيد. مش من جوه.
رنا بصت لها
يعني مش رجوع.
لا.
مريم هزّت رأسها
ده اسمه فهم مش رجوع.
في نفس الوقت
سيف كان واقف في البلكونة.
موبايله مفتوح على صورة قديمة لمريم وهي بتضحك في المدرسة.
لكن المرة دي
ماكانش بيبتسم.
كان بيحاول يفهم إزاي نفس الشخص اللي كانت بتضحك بسهولة بقت قادرة تمشي من غير ما تبص وراها.
همس لنفسه
إحنا كنا بنكسرها وهي كانت ساكتة.
سكت.
ثم أضاف
ولما قامت إحنا اللي بقينا مش عارفين نمسكها.
في بيت الطالبات
مريم دخلت أوضتها.
قعدت على السرير.
فتحت الكشكول.
وكتبت
أنا مش راجعة لنفسي القديمة أنا باخد نفسي الجديدة واحدة واحدة.
قفلت الكشكول.
وبصت قدامها.
المرة دي ما فيش دموع.
ولا وجع.
بس فيه حاجة أخطر من كل ده
قرار مستمر.
وهي أول مرة في حياتها مش ناوية تتراجع عنه في الأيام اللي بعدها، مريم بدأت تحس إن حياتها الجديدة مش مجرد هروب لكنها بناء بطيء لحاجة ما كانش ليها وجود قبل كده.
في المستشفى، بقى ليها ركن ثابت. مش بس كمُتدربة، لكن كحدّ الناس بدأت تعتمد عليه في الحاجات الصغيرة ترتيب ملفات، متابعة مرضى، أو حتى تهدئة مريض متوتر بكلمة بسيطة.
الدكتور المشرف لاحظ ده.
إنتِ بتعرفي تسمعي قبل ما تشتغلي ودي مهارة مش موجودة عند الكل.
مريم ردت بهدوء
يمكن لأن زمان محدش كان بيسمعني فتعلمت أسمع كويس.
الدكتور سكت لحظة.
ده ممكن يخليكي دكتورة مختلفة.
هي ما ابتسمتش، لكن جواها حاجة خفيفة اتحركت.
في نفس الوقت
في بيت الطالبات، رنا كانت بتراقبها من بعيد.
مش لأنها قلقانة لكن لأنها شايفة حاجة بتتكوّن.
إنتِ بقتي أقوى بس مش بطريقة قاسية.
مريم بصت لها
أنا مش عايزة أبقى قاسية.
سكتت.
ثم أضافت
أنا بس عايزة أبقى ثابتة حتى لو الدنيا حاولت تهزّني.
رنا ابتسمت
دي أخطر قوة ممكن حد يوصلها.
في البيت القديم
سيف كان قاعد في أوضة الصالة، الموبايل في إيده، لكن مش بيرسل حاجة.
الأم دخلت وسألته
لسه ما اتكلمتش؟
سيف رد بصوت هادي
أنا كل ما بفكر أكلمها بحس إني هكون داخل على حد مش محتاجني.
الأم ردت
هي مش مش محتاجاكم هي بس بطلت تجرّب تثبت إنها محتاجاكم.
الجملة وقعت
سيف سكت.
في الجامعة
مريم كانت قاعدة في المكتبة، وبتذاكر تشريح.
زميلها الجديد قرب منها
إنتِ دايمًا هنا مش بتزهقي؟
ردت من غير ما تبص
أنا كنت عايشة في مكان أتعلم فيه أستنى الإحساس الصح علشان أبدأ دلوقتي أنا ببدأ وبعدين الإحساس بييجي.
الزميل ابتسم
إنتِ غريبة.
مريم رفعت عينيها
غريبة أهدى من اللي كنت عليه.
في الليل
وصلها إشعار جديد.
رسالة من تبارك.
مريم أنا آسفة.
قفلت
متابعة القراءة