حصلت علي درجة
المحتويات
بفستاني الأزرق
وإلى سيف بابتسامته الباردة
وإلى أبي الذي كان يراجع هاتفه منتظرًا بدء حفل المدرسة الذي لن أكون جزءًا منه.
وفي تلك اللحظة
اهتزّ هاتفي.
من الشخص الذي اتصل بها في تلك اللحظة؟
وهل ستغادر مريم ذلك البيت فعلًا أم سيحدث ما يُجبرها على البقاء؟
والأهم هل تستطيع فتاة قضت عمرها كلّه تبحث عن الحب، أن تنجو أخيرًا حين تقرر اختيار نفسها لأول مرة؟في اللحظة التي اهتزّ فيها الهاتف، لم ترفع مريم عينيها فورًا.
نظرت إليه فقط وكأنها تخشى أن يكون مجرد اسمٍ آخر يطلب منها أن تبقى، أن تصمت، أن تتنازل.
اسم المتصل ظهر على الشاشة
الأستاذة هناء
تجمّد شيء خفيف داخل صدرها.
رفعت الهاتف ببطء.
أستاذة
جاء صوت هناء مختلفًا هذه المرة، أقل رسمية وأكثر قلقًا
مريم أين أنتِ؟ مديرية التربية وصلت، وكل شيء جاهز للتصوير، والصفحة التعليمية تنتظركِ. الناس بدأت تسأل عنكِ.
سكتت مريم لحظة.
نظرت إلى البيت خلفها.
تبارك ما زالت واقفة أمام المرآة، تبتسم للفستان الأزرق.
أمها تضع لمسة أخيرة على شعرها وكأنها تستعد لحياة كاملة.
وسيف يضحك في زاوية الغرفة على مقطع في هاتفه، كأن شيئًا لم يحدث.
أما أبوها فكان منشغلًا بتقويم الوقت.
أنا لن آتي يا أستاذة.
الصوت خرج هادئًا أكثر مما توقعت هي نفسها.
سكتت هناء لثوانٍ.
مريم هذا قرار كبير. أنتِ الأولى على المحافظة. هذه لحظة حياتك.
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة بلا روح.
لحظتي انتهت قبل أن تبدأ.
وأغلقت الخط.
في تلك اللحظة، التفتت الأم أخيرًا نحوها.
إلى أين تذهبين يا مريم؟
صوتها كان أقل حدة من المرة السابقة فيه ارتباك، كأنها لم تكن تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.
مريم رفعت حقيبة ظهرها على كتفها.
بغداد.
سيف رفع رأسه بسرعة.
بغداد؟! على أي أساس؟
اقترب خطوة منها.
بتتدلعي؟ بعد شوية حفل وتتصوري وخلاص.
نظرت له مريم مباشرة هذه المرة.
نظرة طويلة، هادئة، مختلفة.
أنا مش هتتصور.
ضحك بسخرية.
بقى كده؟ بعد كل اللي عملناه؟
لم ترد.
لأنها لأول مرة فهمت أن أي رد لن يغيّر شيئًا.
تقدّم الأب قليلًا، صوته أكثر برودًا
ارجعي أوضتك يا مريم. ما يحصلش مشاكل يوم زي ده.
لكنها لم تتحرك.
كانت واقفة فقط كأنها تقيس لأول مرة المسافة بينها وبين حياتها القديمة.
ثم قالت
أنا مش ماشية علشان أزعلكم أنا ماشية علشان ما أضيعش نفسي أكتر.
سكت الجميع.
حتى تبارك توقفت عن الابتسام للحظة.
في الخارج، صوت سيارة رنا كان قد اقترب.
بوق خفيف.
انتبهت مريم له.
هذه أول مرة منذ أيام تشعر أن هناك شيئًا ينتظرها خارج هذا الباب.
الأم تقدمت خطوة أخيرة، صوتها انكسر قليلًا
يعني خلاص؟ هتمشي؟
لم تجب مريم مباشرة.
نظرت إلى البيت كله إلى الحائط، إلى الصور، إلى المطبخ، إلى باب غرفتها.
ثم قالت بهدوء
أنا ما كنتش عايشة هنا كنت بس بحاول أكون مناسبة ليكم.
وسحبت حقيبتها.
سيف قال بسرعة، لأول مرة بنبرة غير واثقة
مريم استني.
لكنها لم تتوقف.
فتحت الباب.
الهواء البارد دخل مرة واحدة، كأنه يمسح عنها شيء ثقيل جدًا.
وخارج الباب
كانت رنا واقفة
يلا.
مريم نظرت لها.
ثم نظرت خلفها مرة أخيرة.
لم يكن هناك صراخ الآن.
ولا اتهام.
فقط صمت مختلف عن كل الصمت السابق.
صمت لا يطلب منها أن تعتذر.
بل يتركها تمشي.
خطت خطوة خارج البيت.
ثم خطوة أخرى.
ثم أغلقت الباب خلفها.
ليس بعنف.
بل بهدوء يشبه قرارًا تم تأجيله سنوات.
وفي اللحظة التي جلست فيها بجانب رنا داخل السيارة، سألتها الأخيرة بصوت منخفض
ندمانة؟
مريم نظرت للأمام.
الشارع كان يمتد واسعًا.
أوسع من البيت.
وأخف.
مش ندمانة أنا بس متأخرة.
ثم أضافت بعد لحظة صمت
بس أخيرًا بدأت.
وانطلقت السيارة.
وخلفها ظل البيت ثابتًا في مكانه.
لكن مريم كانت لأول مرة تتحرك للأمام السيارة كانت تمشي ببطء في شوارع بغداد الصباحية.
الهدوء داخلها كان غريبًا على مريم كأنه شيء جديد لا تعرف كيف تتعامل معه.
رنا كانت تقود، بين الحين والآخر تنظر إليها من طرف عينها.
عايزة تروحي فين الأول؟ بيت الطلبة؟ ولا نروح نشرب حاجة ونفوق؟
مريم ظلت تنظر من النافذة.
البيوت تمر، الناس، المخابز، الأطفال في الطريق إلى المدارس كل شيء يبدو عاديًا جدًا، وكأن حياتها لم تكن قبل ساعة تنكسر بالكامل.
بيت الطالبات.
قالتها أخيرًا.
رنا هزّت رأسها بدون أسئلة زيادة.
تمام.
لكن بعد دقائق، هاتف مريم اهتز مرة أخرى.
نظرت إليه بتردد.
رسالة من رقم سيف
ارجعي حالًا. أبوكِ مش راضي عن اللي حصل. الموضوع بيتفاقم.
لم تفتح الرسالة كاملة.
قفلت الشاشة.
ثم حطت الهاتف في حقيبتها وكأنها بتقفل باب قديم من حياتها.
رنا لاحظت.
هو بيضغط عليكِ؟
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا، أول ابتسامة حقيقية من أيام.
هو مش عارف إن الباب اتقفل أصلًا.
وصلوا بيت الطالبات قرب الجامعة.
مكان بسيط جدرانه قديمة لكن فيه حياة واضحة بنات يدخلن ويخرجن، ضحك خفيف في الممرات، وكتب على الطاولات.
لما نزلت مريم من العربية، وقفت لحظة.
نفس الهواء لكنه مختلف.
هنا لا أحد يعرف تبارك.
ولا أحد ينتظر منها أن تكون خلفية لحد.
صاحبة البيت، امرأة خمسينية بابتسامة دافئة، خرجت تستقبلهم.
أهلاً يا بنتي أنتِ مريم؟
هزّت رأسها.
أيوه.
نظرت لها المرأة نظرة قصيرة ثم قالت
رنا كلّمتني عنكِ تعالي.
دخلت مريم.
في الداخل، كان هناك عالم بسيط لكنه حيّ.
بنات يذاكرن، أخرى تطبخ في المطبخ المشترك، صوت غلاية ماء، وضحك في الخلفية.
لا أحد يسألها ليه ساكتة؟
ولا أحد يقول خليكِ زي تبارك.
جلست في غرفة صغيرة لها سرير ومكتب.
بس كان كافي.
وضعت حقيبتها على الأرض.
وجلست على طرف السرير.
لأول مرة منذ وقت طويل لم تشعر أن أحدًا يراقبها.
في نفس اللحظة، في البيت القديم
كانت تبارك واقفة في نفس الفستان الأزرق، لكن ابتسامتها بدأت تهتز.
سيف كان يمر في الصالة ذهابًا وإيابًا.
هي فاكرة نفسها هتروح وتختفي كده؟
الأب كان صامتًا هذه المرة.
لكن الأم كانت تنظر للأرض.
كأنها لأول مرة لا تجد جملة جاهزة.
في بيت الطالبات
رنا دخلت الغرفة، ووضعت كوب شاي أمام مريم.
هتفضلي ساكتة كده كتير؟
مريم رفعت عينيها.
أنا مش ساكتة أنا بس أول مرة ما عنديش حاجة أثبتها لحد.
سكتت رنا.
ثم ابتسمت
ده أحلى شعور ممكن توصلي له.
في تلك الليلة
مريم فتحت شنطتها.
طلعت ميدالياتها، شهاداتها، ورقة القبول في كلية الطب.
حطتهم على المكتب.
بصّت لهم.
لكن المرة دي ما كانتش بتتأكد إنها تستحقهم.
كانت بتتأكد إنها ما ضاعتش علشانهم.
وبهدوء أغلقت النور.
وفي بيتها القديم، لأول مرة
لم تكن هي التي تفكر فيهم.
بل هم الذين بدأوا يفكرون
هي راحت فين وليه ما رجعتش؟في الصباح التالي
استيقظت مريم على صوت غير مألوف ضحك خفيف في الممر، وصوت غلاية الشاي، وخطوات بنات رايحين جايين.
لكن الأهم
إنها لأول مرة ما سمعتش صوت سيف بينادي باسمها.
فتحت عينيها ببطء.
السرير بسيط، السقف فيه شقوق صغيرة، لكن الإحساس كان أخف من أي يوم في بيتها القديم.
جلست على طرف السرير.
ثواني صمت.
ثم مدّت إيدها للموبايل.
لا رسائل جديدة.
ولا مكالمات.
غريب
كأن البيت اللي كان بيخنقها طول عمرها فجأة قرر يسكت.
في نفس اللحظة، الباب خبط.
رنا دخلت وهي شايلة فطار بسيط.
صحيتِ؟
مريم هزّت رأسها.
رنا بصّت لها لحظة طويلة، ثم قالت
في حد كان بيكلمني امبارح من رقم غريب صوت سيف.
مريم رفعت عينيها فورًا.
لكن ملامحها ما اتغيرتش.
قال إيه؟
رنا سكتت ثواني.
كان متعصب وبيقول إنكِ لازم ترجعي، وإنكِ بتكسري العيلة.
مريم أخذت نفس ببطء.
ثم قالت بهدوء
أنا ما كسرتش حاجة أنا بس بطلت أمسكها وهي بتقع عليّا.
سكتت رنا.
كأن الجملة دي فهمت حاجات كتير.
في نفس الوقت
في البيت القديم، الجو كان مختلف تمامًا.
تبارك لسه لابسة الفستان الأزرق، لكن المكياج بدأ يثقل على ملامحها بدل ما يجمّلها.
الأم كانت بتلف في الصالة وهي ماسكة الموبايل.
لسه ما ردتش؟
الأب بصوت منخفض
سيبيها يومين هتهدى وترجع.
لكن سيف كان واقف عند الباب، عينيه مش ثابتة.
دي أول مرة تعملها مريم عمرها ما خرجت كده.
الأم ردت بسرعة
علشان دلع هترجع لما تفهم إنها غلطت.
لكن سيف ما كانش مقتنع.
كان في حاجة في دماغه بتوجعه إحساس جديد ما يعرفش اسمه.
مش غضب بس.
لا
قلق.
في بيت الطالبات
مريم كانت قاعدة قدام مكتب صغير، وبتفتح كشكول جديد.
كتبت في أول صفحة
مريم كلية الطب.
بس وقفت لحظة.
وبعدها مسحت مريم بيت العيلة اللي كانت لسه متعلقة جواها.
وكتبت بدلها
مريم لوحدي.
في المساء
وصلت رسالة على موبايلها.
من رقم أبوها
ارجعي. الموضوع كبير. أمك تعبانة.
مريم قفلت الرسالة فورًا.
لكن إيدها كانت بتترعش لأول مرة.
رنا لاحظت.
هتردي؟
مريم بصت قدامها.
لو رجعت دلوقتي مش هارجع أنا هيرجعوا هم اللي كانوا عايزينني أكونه.
سكتت.
ثم أضافت
وأنا مش قادرة أكون حد تاني تاني.
في اللحظة دي
الباب خبط بقوة غير معتادة.
صوت صاحبة البيت
مريم في حد بره عايز يشوفك.
رنا بصّت لها فورًا
مين؟
مريم قامت ببطء.
وخرجت للممر.
وقفت عند الباب
وبمجرد ما فتحته
اتجمدت.
كان واقف سيف.
لكن مش زي الأول.
لا ضحك، لا ثقة، لا استهزاء.
وشه كان مرهق وعينيه فيها حاجة جديدة
ارتباك.
ولأول مرة
صوته طلع
مريم لازم نتكلم مريم وقفت مكانها.
مشيت خطوة للوراء تلقائيًا، كأن وجوده عند الباب رجّعها ثانية واحدة لورا في الزمن لبيت الصراخ، والاتهام، والصفعة اللي ما اتنسيتش.
سيف لاحظ الحركة.
وسكت لحظة.
مش جاي أزعلك.
قالها بهدوء غريب عليه.
رنا كانت واقفة ورا مريم مباشرة، عينيها ما بينه وبينها بحذر.
مريم قالت بصوت ثابت
اتكلم.
سيف خد نفس طويل.
أمي تعبانة من امبارح من ساعة ما مشيتي.
سكت ثانية.
وأبويا مش بيقول حاجة بس واضح إنه مش مرتاح.
مريم ما اتحركتش.
و؟
الكلمة كانت قصيرة لكنها قاسية.
سيف بص لها مباشرة
إحنا ما توقعناش إنك تمشي كده.
ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة جدًا، بدون أي فرح.
وأنا ما توقعتش إنكم تشوفوني بالشكل ده.
سيف شد على إيده.
كأنه لأول مرة مش عارف يرد.
ثم قال بسرعة، وكأنه بيحاول يلحق حاجة بتضيع
موضوع تبارك مش زي ما إنتِ فاهمة.
مريم رفعت حاجبها بهدوء.
مش زي ما أنا فاهمة إيه؟
سيف سكت.
وهنا ظهر أول ارتباك حقيقي في صوته
إحنا كنا بنحاول نخفف عنها هي أصلًا نفسيتها كانت وحشة
قاطعه صوت مريم، أهدى من المتوقع
وكنتوا محتاجين تكسروني علشان تخففو عنها؟
سيف فتح فمه وبعدين سكت.
لأول مرة مفيش جملة جاهزة.
رنا تدخلت بهدوء
هو جاي يبرر ولا جاي يرجّعها؟
سيف بص لها بسرعة، ثم رجع لمريم
أنا جاي أفهمك إنك غلطتي لما خرجتي بالشكل ده.
مريم هزت رأسها ببطء.
أنا خرجت لما فهمت الحقيقة.
صمت.
ثقيل.
موجع.
في اللحظة دي، صوت من داخل البيت القديم ظهر في دماغ سيف مش صوت مريم صوت السكوت اللي حصل بعد ما مشيت.
كأن البيت نفسه فقد حاجة مش متعوّضه.
سيف قال بصوت أقل ثقة
طيب وإيه اللي عايزاه دلوقتي؟
مريم بصت له لحظة طويلة.
مش غضب مش دموع بس هدوء غريب.
ثم قالت
ولا حاجة منكم.
الكلمة وقعت عليه كأنها أقوى من أي صراخ.
سيف حاول يتمالك نفسه
يعني خلاص؟ هترمي كل حاجة؟ العيلة؟ البيت؟
مريم ردت فورًا
أنا ما رميتش حاجة أنا بس بطلت أكون أنا اللي بيترمي عليه كل حاجة.
سكتت ثانية.
ثم أضافت
البيت اللي محتاج حد يكون أقل عشان غيره يبان مش بيت.
سيف اتجمد.
رنا بصت لمريم كأنها لأول مرة تشوفها بوضوح.
في اللحظة دي، صوت جرس بعيد رنّ في الممر.
واحدة من البنات نادت
في مكالمة ليكي يا مريم!
مريم ما اتحركتش فورًا.
لكن سيف قال بسرعة
ردي يمكن أمك.
عينيها ثبتت عليه لحظة.
ثم قالت بهدوء
لو كانت أمي كانت هتجي بنفسها.
وسابته واقف.
ورجعت جوه.
الباب اتقفل.
بس المرة دي
ما اتقفلش بقوة.
اتقفل كحدّ بين مرحلتين.
سيف فضل واقف مكانه.
مش عارف يتحرك.
مش عارف يرجع.
وفي البيت القديم
أول مرة الأم سألت بصوت منخفض
هي فعلاً مش ناوية ترجع؟
ومحدش رد.
لكن الإجابة كانت واضحة في السكوت.
أما مريم
فكانت قاعدة على سريرها، إيدها على الكشكول.
وبعد دقيقة صمت طويلة
فتحت صفحة جديدة وكتبت
أنا مش ماشية منكم أنا رايحة لنفسي.
وبدأت تكتب أول سطر في حياة ما حدش فيها يقرر عنها غيرها ساعات الليل في بيت الطالبات كانت أهدأ من أي ليلة عاشتها مريم قبل كده.
مش هدوء مريح تمامًا
كانت قاعدة على طرف السرير، إيدها على الكشكول، بس عينها مش بتكتب.
رنا دخلت بهدوء، وقعدت جنبها.
لسه مش قادرة تذاكري؟
مريم هزّت رأسها.
مش المشكلة في المذاكرة المشكلة إني لأول مرة مش عارفة أبدأ منين وأنا مش شايلة صوت حد في دماغي.
رنا ابتسمت ابتسامة خفيفة
ده معناه إنك بدأتِ تعيشي
متابعة القراءة