وهي خارجة من اوضه العمليات
كان المطر بينزل خفيف على شوارع التجمع الخامس، والساعة قربت على اتنين بعد نص الليل، لما عربية سوداء فخمة وقفت قدام بوابة مستشفى استثماري كبير.
نزل منها ياسين الدالي بسرعة وهو شايل مراته شيرين بين إيديه، ووشها شاحب من الوجع، وصريخها مكتوم وهي ماسكة بطنها.
الحقونا مراتي بتولد!
الممرضات جروا عليها بسرير متحرك، بينما ياسين كان ماشي جنبها بخطوات متوترة بشكل غريب. أي حد يشوفه يقول راجل قلبه هيقف من الخوف على مراته وابنه الأول بعد سبع سنين جواز.
لكن الحقيقة كانت حاجة تانية خالص.
شيرين، رغم ألم الطلق، لاحظت إن ياسين مش بيبصلها. عينه كانت رايحة ناحية آخر الممر ناحية أوضة مقفولة رقمها 214.
أوضة عليها اسم مريضة واحدة ليلى سامح.
الاسم نغز قلب شيرين بطريقة غريبة، لكنها ما لحقتش تفكر، لأن الدكتور دخل بسرعة وقال
لازم قيصرية حالًا النبض بينزل.
كل حاجة بعدها بقت ضباب.
إضاءة أوضة العمليات كانت قوية لدرجة حرقت عينيها. أصوات الأجهزة حواليها، والدكاترة بيتحركوا بسرعة، وبعدين صوت طفل بيعيط.
لحظة كانت مستنياها من سنين.
دمعة نزلت من عين شيرين وهي تهمس بتعب ابني ورّوني ابني
لكن الغريب إن محدش رد عليها.
الدكتور بص لياسين للحظة طويلة نظرة سريعة مليانة توتر، بعدها الطفل اتاخد بسرعة برا الأوضة.
وشيرين غرقت في
تاني يوم.
فتحت عينيها بالعافية. جسمها كله بيوجعها، والجرح كأنه نار مولعة في بطنها. بصت حواليها لقت نفسها لوحدها في جناح فاخر، باقات ورد مالية المكان، لكن مفيش أثر لياسين.
الممرضة دخلت بابتسامة حمدالله على سلامتك يا مدام شيرين.
شيرين بصوت مبحوح ابني فين؟
الممرضة اتوترت لثانية صغيرة، ثم قالت بسرعة الأستاذ ياسين عنده متقلقيش.
الحركة الصغيرة دي ماعدتش على شيرين. هي ست ذكية، وعمرها ما كانت بتفوت نظرة أو رعشة صوت.
بعد ساعة، الألم خلاها تقوم بالعافية تدور بنفسها على ابنها.
خرجت للممر وهي ماسكة الحيطة، وخطواتها بطيئة من الوجع، لحد ما سمعت صوت جاي من آخر الطرقة.
صوت ياسين.
كان واقف قدام أوضة 214 نفس الأوضة اللي شافتها ليلة الولادة.
واللي كانت فيها ليلى سامح.
الباب كان موارب سنة صغيرة.
شيرين قربت بدون صوت وبصت من الفتحة.
وفي اللحظة دي قلبها وقف.
ياسين كان واقف جنب سرير ست شاحبة جدًا، شكلها تعبان ومرهق، لكن عينيها كانت مليانة دموع وهي بصاله.
وجنبها طفل صغير ملفوف ببطانية زرقا.
نفس بطانية ابن شيرين.
الست همست بخوف أنا مش قادرة أعمل كده يا ياسين دي خيانة.
ياسين مسك إيدها بعصبية مافيش وقت يا ليلى! لو شيرين عرفت الحقيقة حياتنا كلنا هتدمر!
شيرين حست الدنيا بتلف حواليها.
الحقيقة؟ أي حقيقة؟
ليلى بدأت تعيط بس الطفل ده من حقها تعرفه
ياسين قاطعها بصوت حاد لأ! الطفل لازم يفضل معاها وإلا هينكشف كل اللي حصل من تمن سنين.
إيد شيرين اترعشت بعنف.
وفجأة الطفل اللي جنب ليلى بدأ يعيط.
وفي نفس اللحظة، شيرين لمحت حاجة صغيرة جدًا تحت دقنه.
وحمة صغيرة على شكل نجمة.
نفس الوحمة اللي كانت عند آدم.
آدم أخو ياسين الميت.
آدم أول حب في حياة شيرين.
آدم اللي مات قبل فرحها بياسين بشهر واحد في حادثة محدش اقتنع بيها.
شيرين رجعت خطوة لورا وهي حاسة إن نفسها بيتخطف.
لكن الصدمة الحقيقية لسه ماجتش.
لأن ياسين قال بعدها الجملة اللي دمرت كل حاجة
الطفل ده لو عاش هيعرفوا إن آدم ماكنش عقيم. وساعتها، كل ثروة عيلة الدالي هتروح للوريث الحقيقي مش ليا.
شيرين حطت إيدها على بقها بسرعة عشان تمنع نفسها من الصرخة. الكلمات كانت بتدور في دماغها كأنها طلقات نار
الوريث الحقيقي
آدم ماكنش عقيم
يعني إيه؟ يعني الطفل اللي جوه الأوضة ابن آدم؟!
رجليها خانتها، فاتسندت على الحيطة وهي بتحاول تستوعب اللي سمعته. عقلها رجع سنين لورا لآخر ليلة شافت فيها آدم قبل موته.
كان واقف قدام بيت أبوها تحت المطر، وشكله مكسور لأول مرة.
قالها وقتها لو جرالي حاجة، أوعي تثقي في ياسين.
ولما سألته ليه، سكت وبعدها بأيام مات في حادثة عربية واتقفل الملف
وقتها كل الناس قالت إنه قضاء وقدر.
ماعدا قلب شيرين اللي عمره ما اقتنع.
جوا الأوضة، ليلى كانت بتعيط بانهيار أنا تعبت يا ياسين كل يوم ببص للولد وأحس إني بسرق حياة حد تاني.
ياسين قرب منها بعصبية اسمعيني كويس لو شيرين عرفت إن الطفل ده ابن آدم، كل حاجة هتضيع! أبويا كتب نص ثروته لأول حفيد ذكر من دم آدم قبل ما يموت وإحنا دفنّا الحقيقة بالعافية.
شيرين شهقت من غير قصد.
الصوت كان خافت لكنه كفاية.
ياسين التفت فجأة ناحية الباب.
مين هناك؟!
شيرين جريت بأقصى سرعة يقدر عليها جسمها المنهك، رغم ألم الجرح اللي كان بيقطع نفسها. دخلت أول أوضة مفتوحة وقفلت الباب وراها وهي بتنهج بعنف.
كانت أوضة تخزين فاضية.
سمعت خطوات ياسين في الممر.
خطواته كانت بتقرب.
شيرين ضمت إيديها بخوف لأول مرة في حياتها. مش خوف على نفسها خوف على الطفل.
لو كلام ياسين حقيقي، يبقى الطفل ده ممكن يكون ابن آدم فعلًا ابن الراجل اللي حبته يوم من الأيام قبل ما الموت يخطفه.
وفجأة، باب الأوضة اتفتح.
شيرين اتجمدت مكانها.
لكن اللي دخل ماكانش ياسين.
كانت ممرضة كبيرة في السن، ملامحها هادية لكنها مرعوبة أول ما شافت شيرين.
يا ساتر! إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
شيرين قربت منها بسرعة ومسكِت إيدها بالله عليكي قوليلي الحقيقة. الطفل اللي معايا
الممرضة وشها اصفرّ.
وبدأت تبص حواليها بخوف قبل ما تهمس وطي صوتك لو