كان زوجى
المحتويات
قادرًا على حمل السر وقال إنه سيعترف بكل شيء بشأن الحريق.
رفع عينيه نحوي والدموع تملأهما.
تشاجرنا نعم. صرخت فيه. توسلت إليه ألا يفعل لأنني كنت سأدخل السجن وستُدمَّر حياتي.
ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
لكنه فجأة أمسك صدره وسقط أمامي.
حدقت فيه بصدمة.
ولم تطلب الإسعاف؟!
بدأ يبكي بشكل هستيري.
طلبته! لكنني هربت أولًا.
ساد الصمت الثقيل.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
خفت.
شعرت بالغثيان.
ليس لأنه قاتل
بل لأنه ترك صديقه يموت وحده خوفًا من الفضيحة.
أما يزن
فكان يبكي بصمت خلفي.
ثم قال الجملة التي كسرت قلبي
كنت أعتقد أنك قتلته
نظر سامر إليه وكأنه تلقى طعنة مباشرة في صدره.
ولأول مرة
اختفت تلك السيطرة المخيفة من وجهه تمامًا.
فقط رجل محطم، التهمه الذنب حتى بدأ يرعب طفلًا بريئًا دون أن يشعر.
وفي النهاية
اعترف سامر بكل شيء للشرطة بشأن الحريق القديم.
أما وفاة عادل، فأثبت تقرير الطب الشرعي أنها أزمة قلبية فعلية، ولم يكن هناك أي اعتداء.
لكن يزن لم يعد يذهب إلى تدريبات السبت بعدها أبدًا.
لأنه لم يكن يحتاج إلى رجل يعلّمه كيف يسدد الكرة
بل كان يحتاج فقط إلى شخص يجعله يشعر بالأمان من جديد مرّت ثلاثة أشهر بعد اعتراف سامر.
وثلاثة أشهر أخرى منذ آخر مرة سُمعت فيها ضحكات الكرة كل يوم سبت.
البيت أصبح هادئًا بشكل غريب.
هادئًا لدرجة أنني أحيانًا كنت أستيقظ مفزوعة فقط لأنني لم أعد أسمع صوت مفاتيحه
في البداية، ظننت أن كل شيء انتهى.
الشرطة أعادت فتح قضية الحريق القديم.
وسامر اعترف بأنه تسبب فيه بالإهمال، بعدما ترك سخّانًا كهربائيًا يعمل داخل المخزن وغادر وهو غاضب.
لكن الحقيقة الأقسى
أنه ترك الحارس الليلي داخل المبنى وهو يعرف أن هناك دخانًا بدأ يتصاعد.
كان يعتقد أن الرجل خرج بالفعل.
لكنه لم يتأكد.
وهذا الخطأ قتل إنسانًا.
أما عادل
فقد عرف الحقيقة منذ سنوات.
لكنه أخفاها.
خوفًا على صديقه.
وذنبًا منه لأنه ساعده على دفن الأمر.
ذلك السر أكل الاثنين ببطء حتى قتل أحدهما من الداخل تمامًا.
لكن الشيء الذي لم أستطع تجاوزه
كان يزن.
الطفل لم يعد يتكلم كثيرًا.
حتى بعد ابتعاد سامر، بقي يتصرف وكأن أي صوت مرتفع قد يعاقَب عليه.
وفي إحدى الأمسيات، زرت مريم لأول مرة منذ كل ما حدث.
كانت تبدو أكبر بعشر سنوات كاملة.
الإرهاق محفور تحت عينيها.
أما يزن، فكان جالسًا على الأرض يرسم بصمت.
وحين رآني
ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية أراها على وجهه منذ عرفته.
جلست قربه وسألته
ماذا ترسم؟
ناولني الورقة بهدوء.
وكانت الرسمة عبارة عن ملعب كرة قدم.
لكن بدون أي لاعبين.
فقط ولد صغير يقف وحده قرب المرمى.
شعرت بغصّة حادة.
ثم لاحظت شيئًا آخر.
رسم شخصًا ثانيًا بعيدًا جدًا خلف سور الملعب.
واقفًا فقط.
يراقب.
سألته بلطف
من هذا؟
تردد قليلًا.
ثم قال
أبي.
اختنق نفسي.
وأضاف وهو يلوّن العشب بالأخضر
كان دائمًا يراقبني من بعيد عندما أتدرب حتى لو لم ألعب جيدًا.
ثم رفع عينيه نحوي وقال
لكنه لم يكن يجعلني أخاف.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا جدًا.
الأطفال لا يتذكرون دائمًا الكلمات
لكنهم يتذكرون الشعور.
يتذكرون من جعلهم يشعرون بالأمان.
ومن جعلهم يراقبون الباب بخوف.
بعد أسبوعين، اتصلت بي مريم ليلًا.
صوتها كان يرتجف.
وقالت
يزن يريد أن يخبرك بشيء.
سمعت حركته الخفيفة عبر الهاتف.
ثم جاء صوته الصغير
وجدت شيئًا آخر.
شعرت بقلبي يهبط مجددًا.
قلت بسرعة
ماذا وجدت يا حبيبي؟
همس
شيء كان أبي مخبيه.
في اليوم التالي ذهبت فورًا.
وكان يزن يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا قديمًا.
قال إنه وجده داخل خزانة عادل، خلف الملابس الشتوية.
فتح الصندوق ببطء.
وفي الداخل
صور قديمة.
قصاصات جرائد عن الحريق.
ورسائل كثيرة بخط عادل.
لكن هناك شيء واحد جعل الهواء يختفي من الغرفة.
شريط كاسيت قديم.
وعليه كتابة باهتة
في حال حدث لي شيء.
تبادلت أنا ومريم النظرات.
ثم أدارت الشريط بيد مرتجفة داخل المسجل القديم.
في البداية، لم نسمع سوى تشويش.
ثم خرج صوت عادل.
واضحًا.
متعبًا.
إذا كنت تسمع هذا فمعناه أنني لم أمتلك الشجاعة لأقول الحقيقة بنفسي.
شعرت بقشعريرة تجتاح ظهري.
وأكمل
سامر لم يكن وحشًا لكنه كان جبانًا.
ساد صمت
ثم قال بصوت مكسور
وأنا كنت أجبن منه.
بدأت مريم تبكي بصمت.
أما يزن، فكان ممسكًا بيدي بقوة.
وقال عادل عبر التسجيل
الحقيقة أنني رأيت الدخان أولًا وليس سامر.
شهقتُ دون وعي.
كنت أستطيع دخول المخزن وإنقاذ الحارس لكنني خفت.
بدأت الدموع تنزل على وجه مريم.
أما أنا، فلم أتحرك.
سامر هرب وأنا أيضًا هربت.
صوت أنفاسه كان يرتجف.
طوال هذه السنوات، كنا ننظر إلى بعضنا ونعرف الحقيقة لكن لا أحد منا امتلك الشجاعة ليعترف.
ثم جاء آخر شيء في التسجيل
الشيء الذي جعل يزن ينهار بالبكاء
إذا كبر ابني يومًا وهو يظن أن والده كان رجلًا شجاعًا بالكامل فهذه كذبة.
صمت طويل.
ثم همس عادل
لكنني كنت أحبه أكثر من نفسي.
وانتهى التسجيل.
ساد الصمت داخل الغرفة لثوانٍ طويلة جدًا.
ثم فجأة
ارتمى يزن في حضن أمه وهو يبكي بعنف.
وكانت تلك أول مرة يبكي فيها على والده فعلًا
لا على موته فقط.
بل على حقيقة أنه كان إنسانًا.
يخطئ.
ويخاف.
ويندم.
لكنّه كان يحب ابنه بكل ما بقي فيه بعد سنة كاملة
عاد ملعب الحي يفتح أبوابه من جديد.
العشب تغيّر، والسور القديم تم طلاؤه، وحتى المرمى الصدئ استبدلوه بآخر جديد.
لكن أكثر شيء تغيّر
كان يزن.
لم يعد ذلك الطفل الذي يعتذر لأنه شعر بالخوف.
صار يضحك بصوت عالٍ.
يجري.
يتشاجر مع الأطفال على الكرة.
ويعود آخر اليوم وثيابه مليئة بالطين دون أن يرتجف إذا ارتفع صوت أحد.
وفي صباح
وفجأة، ركض نحونا وهو يلهث.
ثم قال بحماس
شفتوني؟ سجلت هدفين!
ضحكت مريم لأول مرة منذ شهور طويلة
ضحكة
متابعة القراءة