جوزي سابني
جوزي سابني... عشان يتجوز مرات أبويا اللي ربتني!
كل الناس قالوا لي انسيه، وامشي في هدوء ومن غير شوشرة. بس أنا بدل ما أسمع كلامهم، رحت الفرح بنفسي. وفي اللحظة اللي هي قالت فيها موافقة، مكنش عندهم أي فكرة إن كل حاجة كانت خلاص اترتبت واتقفل فخها عليهم.
الدعوة وصلتني في ظرف أبيض متبطن بدهبي، كأن الشياكة دي هتقلل من قذارة اللي عملوه. اسم مرات أبويا ميرفت كان مكتوب جنب اسم طليقي كريم، وتحتهم بخط محترف مكتوب أخيرًا جمعنا القدر.
قريتها مرة واحدة.. وبعدين ضحكت.
مش عشان الموضوع بيضحك، مفيش أي حاجة تضحك في إنك تشوفي جوزك بيختار الست اللي ربتك وعشتي معاها عمرك كله بعد وفاة أمك. الضحكة طلعت مني باردة، حامية.. كأن في حاجة جوايا اتكسرت للأبد.
كريم كان رفع قضية طلاق من تلات شهور.
قال لي أنتِ باردة ومشغولة علطول بشغلك.. مفيش فيكي حنية الستات.
وميرفت، كانت قاعدة جنبي على الكنبة في بيتي، بتطبطب على شعري وتقولي بنبرة حنينة الرجالة بتدور على الدفا يا كلارا، وأنتِ طول عمرك ناشفة وطبعك صعب.
بعد أسبوعين اتنين بس، نقلت وعاشت في بيتي!
مش البيت اللي كنت عايشة فيه أنا وكريم.. لأ، بيتي أنا.
البيت اللي جدي سابهولي وكتبه باسمي في ورث مقفول.. حاجة كريم مكانش يعرف قيمتها، وميرفت عمرها ما فكرت تفهمها.
في جلسة الطلاق، كريم جه لابس بدلة كحلي شيك، ورسم على وشة نظرة ندم متفصلة بالمسطرة. ومرات أبويا كانت لابسة عقد لولي. إيديهم كانت بتلمس بعض من تحت الترابيزة لحد ما المحامي بتاعي لمحهم.
أنا مقلتش ولا كلمة.
والسكوت ده قلقهم.. كانوا متوقعين عياط، صريخ، خناقة يوروا بيها الناس إني مجنونة، أو غيورة، أو مكسورة.
بدل كل ده، مضيت على كل الورق من غير ما أتردد ثانية واحدة.
بعد ما خلصنا، كريم قرب مني وقال بلاش تفضحي نفسك يا كلارا، وخليكي عاقلة وامشي في هدوء.
وميرفت قالت بكرة تشكريني
بصيت لابتسامتها اللي مفيهاش غلطة وقلت لها بصوت واطي عندك حق.. هو فعلاً يستاهل اللي هيجراله.
برقت لي للحظة.. وبعدين ضحكت.
وكل الناس ضحكوا معاها.. قرايبي، أصحاب كريم، حتى خالتي بعتت لي رسالة تقولي بلاش تعملي مشاكل وتصغري نفسك، اعتبريها نزوة وهو حر.
بس المشاكل والمصايب كانت حصلت خلاص.
المصيبة لما لقيت فواتير الفنادق مستخبية في شنطة الجيم بتاعة كريم.
المصيبة لما عرفت إن ميرفت دخلت على ملفاتي الطبية وسرقتها عشان تطلعني مريضة نفسياً ومش متزنة قدام المحكمة.
المصيبة لما اكتشفت إن كريم كان بيمد إيده وبيسحب فلوس من الشركة بتاعتنا من ورايا، وهو بيقنعني إني متهيألي وبقيت شكاكة.
اللي مكنوش يعرفوه..
إن الشركة دي أنا اللي عملتها وكبرتها من الصفر، من قبل ما كريم يفهم يعني إيه استثمار أصلاً.
واللي نسيوه..
إني عمري ما كنت ضعيفة.
أنا بس كنت ساكتة.
ودلوقتي، الفرح شغال، والمعازيم بيسقفوا، وميرفت بتمضي على قسيمة الجواز وهي طايرة من الفرحة.. ومفيش حد في القاعة كلها يعرف إن البوليس واقف برة القاعة مستني إشارة مني، وإن المحامي بتاعي لسه قاافل معايا حالا وبيقولي الشركة والبيت بقوا في جيبنا.. والاتنين هيقضوا شهر العسل في القسم!
أول ما المأذون قال
بارك الله لكما وبارك عليكما...
القاعة كلها سقفت.
ميرفت كانت ماسكة إيد كريم بفخر، وباصالي بنفس النظرة اللي كانت بتبصهالي وأنا صغيرة لما كانت تكسب أي خناقة بينا نظرة انتصار بارد.
أما كريم، فكان عامل نفسه ملك الليلة.
واقف ببدلته، بيضحك للمعازيم، ومقتنع إنه كسب كل حاجة الست، والبيت، والشركة، وحتى الحرب نفسها.
لكن الحاجة الوحيدة اللي ماخدش باله منها
إني ماكنتش ببصله.
كنت ببص على باب القاعة.
موبايلِي اهتز في إيدي.
رسالة واحدة من المحامي
التحويلات اتثبتت. البنك وافق يجمّد
رفعت عيني ببطء ناحية المسرح.
ميرفت كانت بتعدل الطرحة وهي مبتسمة، وفجأة لمحتني.
ابتسامتها اهتزت للحظة.
يمكن لأنها أخيرًا فهمت إن حضوري مش طبيعي.
إن الست اللي اتكسرت من تلات شهور مستحيل تيجي فرح جوزها السابق وتسكت بالشكل ده.
قرب مني واحد من أصحاب كريم وقال بسخرية
إيه يا كلارا؟ جاية تباركي؟
ابتسمت له وأنا باخد رشفة عصير.
وقلت بهدوء
لا جاية أتأكد إنهم موجودين قبل ما الدنيا تقلب.
مافهمش قصدي.
ولا حد فهم.
وفي اللحظة دي بالذات
باب القاعة اتفتح.
مشهد واحد بس كان كفاية يقطع الموسيقى كلها.
اتنين ضباط دخلوا.
وراهم راجل ببدلة رسمية شايل ملفات.
ودي جيه واقف.
الهمس بدأ ينتشر بين المعازيم زي النار.
كريم اتجمد مكانه أول ما شافهم.
أما ميرفت فوشها فقد لونه بالكامل.
الضابط سأل بصوت واضح
الأستاذ كريم عزت؟
القاعة سكتت تمامًا.
كريم حاول يضحك وقال
أكيد في سوء فهم.
بس الضابط كمل
ومدام ميرفت سالم؟ مطلوب حضوركم معانا بخصوص بلاغات اختلاس وتزوير واستيلاء على ممتلكات.
الناس بدأت تبص لبعضها بصدمة.
واحدة من قرايبنا شهقت بصوت عالي وهي تقول
تزوير إيه؟!
هنا أخيرًا قومت من مكاني.
كل العيون اتحولت عليا.
مشيت ناحيتهم بهدوء، كعب الجزمة صوته كان أعلى من الموسيقى نفسها.
وقفت قدام ميرفت مباشرة.
كانت أول مرة أشوفها خايفة بالشكل ده.
همست لي
أنتِ عملتي إيه؟
ابتسمت.
نفس الابتسامة اللي كانت بتستفزهم طول الشهور اللي فاتت.
وقلت
ولا حاجة أنا بس سيبتكم تكملوا لحد الآخر.
كريم قرب بعصبية
كلارا، اقفلي اللعبة دي حالًا.
ضحكت بخفة وأنا أطلّع ورقة من الشنطة وأسلمها للضابط.
دي أوامر المحكمة بالحجز على الشركة والبيت بعد ما اتثبتت التحويلات اللي اتعملت بإمضات مزورة.
ميرفت رجعت خطوة لورا.
إيديها بدأت ترتعش.
ولأول مرة الست اللي كانت دايمًا عندها رد جاهز، ماعرفتش تقول كلمة.
لكن الصدمة الحقيقية
ماكانتوش الفلوس.
ولا القضية.
الصدمة كانت لما الضابط فتح الملف الأخير وقال
وفي بلاغ تاني بخصوص الدخول غير القانوني لملفات طبية خاصة واستغلالها للإضرار النفسي والمعنوي.
ميرفت بصت لكريم بسرعة.
وكريم بصلها بنفس الرعب.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا
إنهم بدأوا يبيعوا بعض.
كل واحد مستني التاني يغرق لوحده.
المعازيم بقوا واقفين يتفرجوا عليهم بنفس الطريقة اللي كانوا بيتفرجوا بيها عليا زمان
بس المرة دي، أنا اللي واقفة بثبات.
الضابط طلب منهم ييجوا معاه.
كريم حاول يقرب مني للمرة الأخيرة وهمس
أنتِ فاكرة إنك كسبتي؟
بصيت له بهدوء.
وقلت
لسه اللعب ماخلصش يا كريم.
وسبتهم يتمشوا وسط القاعة، وسط الهمسات ونظرات الفضيحة.
لكن وأنا خارجة
وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول.
فتحتها
واتجمدت مكاني.
الرسالة كانت صورة.
صورة لعقد قديم جدًا
بعنوان
عقد وصاية على الطفلة كلارا.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
ميرفت خبت عنك الحقيقة ٢٥ سنة وأبوكي ما ماتش زي ما قالولك.
يتبعإيدي بردت وأنا ماسكة الموبايل.
الصورة كانت مهزوزة شوية، كأن اللي بعتها مستعجل لكن الاسم اللي مكتوب أسفل العقد كان واضح كفاية يخليني أحس إن الأرض بتميد بيا
الوصي القانوني المؤقت ميرفت سالم.
مؤقت؟!
قلبي بدأ يدق بعنف.
أنا طول عمري فاكرة إن ميرفت مرات أبويا، وإنها خدتني بعد وفاة أمي وأبويا في الحادث.
ده اللي اتحكالي وأنا عندي خمس سنين.
وده اللي صدقته عمري كله.
لكن ليه وصي مؤقت؟
وليه الرسالة بتقول إن أبويا عايش؟
رفعت عيني بسرعة ناحية باب القاعة.
كريم وميرفت كانوا لسه واقفين مع الضباط، بس فجأة لمحت حاجة غريبة
ميرفت ماكنتش مركزة مع أي حد.
كانت مركزة معايا أنا.
وبمجرد ما شافت الرعب على وشي فهمت إن الرسالة وصلت.
اتحركت ناحيتي فجأة وهي تصرخ
ما تفتحيش أي حاجة تبعتلك!
القاعة كلها اتسمرت.
الضابط
كلارا! اسمعيني اللي بعتلك دي كدبة!
لكنها غلطت.
لأن ميرفت عمرها ما كانت بتتوتر كده إلا