صاحية من النوم
المحتويات
ما تموت، الست إحسان سابت تعليمات واضحة وصريحة ل صباحية زي دي بالظبط.
وش زين اتمسح منه الدم. شهيرة تجمدت مكانهما، وشاكر كأنه نسى يتنفس.
أما أنا... بروبي الأبيض، وحلقي الألماظ، واسم عيلتي الغالي اللي محدش هلمسه، مديت إيدي وفتحت الدرج السري للتربيزة اللي كنا قاعدين عليها... المكان اللي جدتي إحسان شالت فيه الورقة الوحيدة اللي هتهد المعبد ده كله فوق دماغهم.
فتحت الدرج السري ببطء... لدرجة إن صوت احتكاك الخشب كان أعلى من صوت أنفاسهم.
زين قرب خطوة، وعينه فيها لهفة وخوف إيه ده؟
طلعت ظرف بني قديم، عليه ختم شركة إحسان للصناعات، ومكتوب بخط جدتي لا يُفتح إلا إذا حاول أحدهم إجبار نور على التنازل.
الصالة كلها سكتت.
حتى شاكر اللي كان دايمًا صوته أعلى من أي حد، رجع خطوة لورا كأن الظرف فيه قنبلة.
بصيت لزين وأنا بفك الختم واضح إن جدتي كانت شايفاك قبل ما أنا أشوفك.
شهيرة حاولت تتماسك الكلام ده تمثيل قديم عشان تخوفك من الناس يا حبيبتي...
لكن صوتها كان مهزوز.
طلعت أول ورقة.
عقد.
مش أي عقد... عقد نقل ملكية كامل لكل أصول شركة إحسان إلى صندوق استثماري مغلق، باسمي أنا وجدتي فقط، مع شرط قانوني واضح في حالة زواج الوريثة، لا يحق للزوج أو عائلته التصرف أو الإدارة أو الاطلاع على الأصول إلا بعد مرور خمس سنوات كاملة من الزواج السليم المثبت قانونياً ونفسياً.
الموثق غمض عينه وقال بهدوء وأنا كنت شاهد على الشرط ده.
وش زين قلب ألوان.
يعني إيه؟!
قلبت الصفحة التانية.
وهنا كانت الضربة.
جدتي كانت عاملة بند إضافي إذا ثبت وجود ضغط أو تهديد أو محاولة استيلاء خلال أول سنة زواج، تُنقل الإدارة فوراً إلى مجلس الأمناء، ويتم حرمان الزوج من أي شراكة مستقبلية.
شاكر خبط العصاية في الأرض الكلام ده متخلف! مين يعمل شروط زي دي؟
ضحكت وأنا ببصله ست بنت نفسها من ماكينة خياطة... وعارفة كويس الجوع بيخلي الرجالة تعمل إيه.
زين شد الفايل بعصبية الورق ده ملوش لازمة! أنا جوزها!
رد الموثق بسرعة قانوناً مالوش أي حق يلمس الشركة. بالعكس... اللي حصل النهارده يعتبر محاولة إكراه على التنازل.
شهيرة شهقت إكراه؟!
وفي اللحظة دي...
باب الفيلا اتفتح.
دخل ثلاثة رجال ببدل رسمية.
وراهم محامي شركتنا فريد المرسي، شايل شنطة جلد سوداء ونظراته حادة.
أول ما شافني قال صباح الخير يا أستاذة نور... آسفين إننا اتأخرنا.
زين لف ناحيته إنت دخلت هنا بإذن مين؟!
المحامي طلع كارنيه ومعايا إذن من النيابة كمان.
الصمت نزل تقيل.
شاكر حاول يتكلم نيابة إيه؟!
فتح المحامي ملف وقال عندنا بلاغ رسمي باختراق حسابات إلكترونية، ومحاولة استيلاء بالإكراه، وتزوير تفويضات مبدئية باسم الآنسة نور قبل الزواج.
بصيت لزين.
لأول مرة... شفته صغير.
مش الراجل الواثق اللي كان بيبيعلي الحنية تحت المطر.
لا.
واحد غرقان في الديون والطمع.
شهيرة قربت مني فجأة اسمعيني يا بنتي... أكيد في سوء تفاهم...
بعد ما من دقيقة كانت شايفاني مش قد إدارة شركة.
شيلت دبلة الجواز من صباعي بهدوء... وحطيتها فوق أوراق التنازل.
وبصيت لزين أنت كنت عايز تمحي اسمي الصبح؟ أنا همحيك من حياتي كلها.
اتحرك ناحيتي بسرعة نور... استني!
لكن رجال الأمن وقفوا بينا.
الموثق جمع الورق بسرعة وهو بيتمتم أنا قولت من الأول اليوم ده مش طبيعي.
المحامي قرب مني بصوت واطي الست إحسان سابتلك رسالة كمان.
قلبي دق.
فتح الظرف الصغير الأخير.
وكان فيه جواب بخط جدتي
يا نور... لو قريتي الرسالة دي، يبقى الذئاب كشفوا نفسهم بدري، وده خير. الراجل الحقيقي عمره ما يطلب منك تتنازلي عن نفسك عشان يحبك. اللي يحبك... يقف جنب اسمك، مش فوقه.
أنا سيبتلك الشركة، بس الأهم إني سيبتلك كرامتك. إوعي تفرطي فيها.
عيني دمعت... لأول مرة من الصبح.
رفعت وشي، ومسحت دموعي بنفسي.
وبصيت حواليا للفيلا الضخمة، والورد الغالي، والناس اللي افتكروا إن بنت هادية تبقى سهلة.
ثم قلت بهدوء بعد إذنكم... أنا راجعة بيتي.
زين صرخ نور! انتي مراتي!
وقفت عند الباب، من غير ما أبصله لا... أنا مجرد الصفقة اللي فشلت خرجت من الفيلا وروب الحرير الأبيض بيتحرك مع الهوا، والشمس لسه طالعة جديد فوق المعادي... نفس الشمس اللي شهدت فرحي امبارح، وشهدت نهايته النهارده.
ركبت عربية المحامي فريد، وأنا ساكتة.
مافيش دموع. مافيش انهيار. فيه بس وجع بارد... الوجع اللي بييجي لما تكتشفي إن كل حضن كان محسوب، وكل كلمة حب كان وراها آلة حاسبة.
فريد بصلي من مراية العربية تحبي نروح فين؟
بصيت للشوارع شوية، وبعدين قلت عند جدتي.
بعد ساعة، كنت واقفة قدام قصر إحسان القديم في المنصورة.
البيت اللي اتربيت فيه. ريحة الخشب المعتق. الجنينة اللي كانت جدتي تسقيها بنفسها. والمكتب اللي كانت تمنع أي حد يدخله غيري.
أول ما دخلت، لقيت أمينة مدبرة البيت العجوز بتجري عليا وهي بتعيط قلبي كان حاسس يا بنتي... الست إحسان كانت عارفة إن اليوم ده هييجي.
حضنتها لأول مرة من سنين.
وساعتها بس... اتكسرت.
مش عشان زين.
عشان نفسي. عشان إني صدقت للحظة إني اتحبيت لذاتي، مش لاسمي.
طلعت أوضتي القديمة، وقعدت قدام مراية جدتي الكبيرة. خلعت الحلق الألماظ. خلعت الطرحة. حتى الروب الأبيض رميته على الكرسي.
كنت ببص لنفسي كأني أول مرة أشوفها.
وفجأة... رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت بهدوء ألو؟
صوت راجل كبير جه متردد الآنسة نور إحسان؟
أيوه.
أنا المستشار عدلي السيوفي... كنت الشريك القديم لجدتك.
اتنهد وقال لازم تعرفي إن اللي حصل
قعدت مستقيمة يعني إيه؟
عيلة سلطان بقالهم سنة كاملة بيقربوا منك بخطة مترتبة... حتى مقابلة زين ليكي ما كانتش صدفة.
إيدي بردت.
إيه؟!
جدتك اكتشفت إن شركة سلطان جروب كانت على وشك الإفلاس... وكانوا محتاجين يسيطروا على إحسان للصناعات بأي طريقة. ولما الست إحسان رفضت شراكة معاهم... قرروا يدخلوا من باب الجواز.
افتكرت كل حاجة فجأة.
اللقاء الصدفة في معرض الكتب. الورد اللي بحبه من غير ما أقوله. الأغاني اللي كان يعرفها. حتى كلامه عن جدتي واحترامه لكفاحها...
كل ده كان دراسة.
مش حب.
سألت بصوت مبحوح وجدتي سابتني أتجوزه ليه طالما كانت عارفة؟
سكت ثانية... ثم قال لأنها كانت عايزة تشوفك هتعرفي تنقذي نفسك ولا لأ.
الكلمة خبطتني.
جدتي ما أنقذتنيش... هي كانت بتختبرني.
قفلت المكالمة وأنا تايهة.
لكن قبل ما ألحق أفكر، أمينة خبطت على الباب بخضة يا نور هانم... في مصيبة.
قمت بسرعة في إيه؟
ناولَتني التابلت.
خبر عاجل متصدر كل المواقع
انفصال وريثة مجموعة إحسان عن رجل الأعمال زين سلطان بعد أقل من 24 ساعة من الزواج... ومصادر تؤكد وجود بلاغات مالية.
وتحت الخبر... صورتي.
بروب أبيض وأنا خارجة من الفيلا.
اتسربت.
وعارفة مين الوحيد اللي كان هيستفيد من فضيحتي؟
زين.
في نفس اللحظة، وصلني منه فويس نوت.
فتحت التسجيل.
وصوته طالع هادي بشكل مرعب لو كنتي فاكرة إنك كسبتي، تبقي غبية يا نور... الحرب لسه ما بدأتش بصيت للفويس شوية بعد ما خلص... وبعدين قفلته من غير ما أعيده.
الغريب إني ماخفتش.
يمكن لأن أسوأ حاجة كانت حصلت بالفعل إني شفت حقيقته.
نزلت لتحت ببطء، لقيت فريد قاعد في الصالون بيتكلم مع المستشار عدلي، والاتنين أول ما شافوني سكتوا.
قلت بهدوء عايزة الحقيقة كاملة... من غير حماية.
المستشار عدلي شال
الجملة ضايقتني، لكنه كمل الست إحسان عرفت إن عيلة سلطان
متابعة القراءة