بنت الخدامه
بنت الخدامة الصغيرة ادّت آخر بخة ربو معاها لزعيم إمبراطورية بيموت وتاني يوم الصبح، القصر كله عرف مين اللي قتل عيلته بجد....
يا عمو إنت بتموت زيّي؟
الصوت كان ضعيف لدرجة المفروض يضيع وسط رخام القصر الواسع، لكن في ڤيلا النجار، المكان اللي الصمت فيه عاش أكتر من الرحمة، الصوت دوّى كأنه جرس في نص الليل.
ليلى كانت واقفة حافية على أول السلم الداخلي، لابسة بيجامة وردي قديمة، ضفايرها مفكوكة من النوم، وصدرها بيطلع صوت صفير مرعب من السخونية والربو اللي أمها كانت بتحاول تخبيه عن الناس....
حكايات_إنجي_الخطيب
في إيدها الأرنب القماش اللي مبتسبهوش أبدًا.
وفي الإيد التانية آخر بخة ربو كانت أمها سايباها ليها للطوارئ.
وعلى الرخام الأبيض قدامها مباشرة، كان ياسين النجار مرمي على الأرض.
الجرائد كانت بتسميه إمبراطور العقارات.
الشرطة كانت بتراقبه من سنين.
الرجالة اللي عليها ديون كانت بتناديه بالباشا.
أما باقي القاهرة فكانوا بيقولوا عليه الراجل اللي مينفعش تخذله مرتين.
لكن دلوقتي
أخطر راجل في مصر كلها مكانش مرعب.
كان بيحتضر.
وشه شاحب بطريقة تخوف.
شفايفه بدأت تزرق.
وإيده الضخمة بتخبط في رقبته بعجز وهو بيحاول ياخد نفس مش قادر يوصله...
حكايات_إنجي_الخطيب
ليلى عرفت النظرة دي فورًا.
عارفة معنى إن صدرك يقفل فجأة كأنه باب حديد.
عارفة الرعب اللي بيحصل لما تحاول تتنفس ومتلاقيش غير صفير ضعيف بدل الهوا.
أمها كانت دايمًا تقولها وقت الأزمة تعمل إيه
ضغطة واحدة استني عدي لحد تلاتة واضغطي تاني.
يا عمو فوق بالله عليك.
ركعت جنبه بسرعة، وعينيها مليانة دموع...لكنه مافتحش عينيه...في اللحظة دي، صوت صينية وقعت تحت، وصوت جري طلع من سلم الخدم...أمها جاية...وفي رجالة تانيين طالعين وراها...رجالة خطر...النوع اللي لابس بدلة شيك، لكن تحتها سلاح...وعينيه مبتنامش.
ولا حاجة حصلت...دموعها نزلت فورًا.
ضغطت مرة تانية...صدره اتحرك بعنف لكن النفس لسه مقطوع.
الله يخليك ماما قالتلي الهوا بيرجع بالله عليك خليه يرجع.
في الضغطة التالتةجسم ياسين النجار انتفض فجأة.
نفس خشن ومكسور دخل صدره بعنف...وبعدين نفس تاني.
وبعدين التالت...اللون بدأ يرجع لوشه بالتدريج، كأن حد بيرجعه للحياة حتة حتة...رموشه اتحركت ببطء...وفتح عينيه الرمادي...العيون اللي كانت بتخلي رجال أعمال ووزراء يوطّوا عينهم من الخوف...لكن أول حاجة شافتها العيون ديكانت طفلة صغيرة منكوشة الشعر، راكعة فوقه وهي بترتعش...حاول يتكلم...
حكايات_إنجي_الخطيب
صوته خرج بالعافية.
مين؟
ليلى مسحت مناخيرها بكم البيجامة وقالت بصوت صغير
أنا ليلى إنت وقعت. افتكرتك هتروح عند ربنا.
ولما أمها وصلت آخر السلم وهي بتنهج من الرعب
كان ياسين النجار لسه نص ميت..بس باصص للبنت الصغيرة كأنها شدّته بإيديها من جوه القبر.
وفي آخر الطرقةكان في راجل واقف في الضلمة.
أقرب الناس لياسين...بيبص لليلى بكره بارد يخوف أكتر من السلاح نفسه...
ومن تلات سنينياسين النجار كان فاكر إنه يقدر يهرب من اسم عيلته...ورث الإمبراطورية وهو عنده اتنين وتلاتين سنة.
بس كلمة ورث كانت أرحم بكتير من الحقيقة.
جده بنى النفوذ بالتهريب والمخازن والرجالة اللي كانت تختفي بعد نص الليل...أبوه كبّر الإمبراطورية بالخوف.
أما هو فكان المفروض يحافظ عليها بالدم.
لكن بدل كده وقع في حب سارة الشاذلي.
مدرسة بيانو من شبرا، ضحكت عليه أول مرة شافته فيها، لما وقف متوتر مش عارف يحط إيده فين وهو بيسمعها تعزف في حفلة خيرية في الزمالك.
حكايات_إنجي_الخطيب
بصتله وقتها وقالت وهي مبتسمة
إنت شكلك راجل مستني مصيبة.
ياسين، الراجل اللي كان بيخوّف نواب ورجال
وقال بهدوء
يمكن فعلًا.
ضحكت وقالت
طب ما تبطل تستنى المصايب بتحب اللي بيخاف منها.
في الوقت ده، كانت لسه متعرفش حقيقته.
ولما عرفت جزء كفاية يخوفها
كانت للأسف شافت فيه خير كفاية يخليها تكمّل معاه.
اتجوزوا في هدوء.
وبعد سنة، جه ابنهم آدم، واخد تجاعيد شعر أمه ونظرات أبوه الهادية الثقيلة.
ولأول مرة
الڤيلا اللي كانت شبه قلعة مرعبة، بقت بيت حقيقي.
بقى فيه صوت بيانو الصبح.
ولعب أطفال مرمية في الطرقات.
وبصمات إيد صغيرة على الإزاز محدش يجرؤ يمسحها قبل ما ياسين يشوفها.
وفي ليلة شتوية باردة
كان آدم نايم بينهم على الكنبة.
ساعتها، ياسين بص لمراته وقال الحقيقة اللي عمره ما قالها لحد
أنا عايز أخرج من كل ده.
بصتله سارة فوق شعر ابنهم وقالت بهدوء
تخرج من إيه؟
حكايات_إنجي_الخطيب
بصتله سارة فوق شعر ابنهم وقالت بهدوء تخرج من إيه؟
ياسين بلع ريقه، وكأنه لأول مرة بيعترف بصوت عالي من كل حاجة من الاسم، من الرجالة، من الدم من اللي أنا اتربيت عليه.
سكتت شوية كانت عارفة إن الكلام ده مش سهل، ومش لعبة. وبعدين قالت بهدوء أخطر من أي صوت عالي الناس دي مش بتسيب حد يمشي يا ياسين إنت عارف كده.
قرب منها أكتر، حاطط إيده على إيدها عشان كده لازم أمشي بدري قبل ما ياخدوا كل حاجة مني.
بصتله في عينه، لأول مرة بخوف حقيقي وإحنا؟
غمض عينه لحظة، وبعدين قال إنتي وآدم إنتوا الحاجة الوحيدة اللي عايز أنقذها.
في اللحظة دي سارة حست إن في حاجة اتكسرت جواه. مش خوف قرار.
لكن القرارات في عالم ياسين النجار تمنها دم.
بعدها بشهر واحد بس
الدنيا اتقلبت.
العربية اللي كانت راجعة بسارة وآدم من درس البيانو اتخبطت بعربية نقل على طريق فاضي.
الحادثة اتسجلت قضاء وقدر.
بس ياسين لما شاف الفيديو عرف إنها رسالة.
العربية التانية كانت مستنياهم.
والسواق
ومن يومها ياسين مبقاش نفس الشخص.
رجع تاني بس مش علشان يحكم.
رجع علشان ينتقم.
رجوع للحاضر
في ڤيلا النجار، والكل واقف متجمد بعد ما ياسين فتح عينه.
أم ليلى شدتها بسرعة وراها وهي مرعوبة إبعدي يا بنت! إنتي عملتي إيه؟!
لكن ياسين رفع إيده بتعب وأشار سيبيها
صوته كان ضعيف بس الكل سكت.
بص لليلى تاني نفس النظرة اللي كانت في عينه وهو باصص لآدم زمان.
وقال بالعافية إنتي اللي رجعتيني؟
هزت راسها بخجل كنت فاكرة إنك بتموت زيي
الجملة ضربته في قلبه.
زيي
طفلة صغيرة عايشة بنفس الخوف اللي هو شافه في آخر لحظة.
لكن قبل ما يرد
صوت كف خفيف اتضرب في الحيطة.
الكل بص.
الراجل اللي كان واقف في الضلمة خرج للنور.
بدلة سودة، ابتسامة باردة، وعينين مفيهمش رحمة.
كريم النجار ابن عمه.
وأقرب واحد ليه
وأخطر واحد عليه.
قال بهدوء وهو بيبص لليلى واضح إن إحنا اتأخرنا شوية
ياسين عينه ضاقت فورًا.
إنت كنت فين؟
ابتسم كريم وهو بيقرب خطوة بخلص اللي بدأناه من تلات سنين.
الصمت نزل تقيل.
أم ليلى حضنت بنتها بخوف وليلى نفسها كانت حاسة إن الجو بقى تقيل بطريقة غريبة.
ياسين حاول يقوم بس جسمه خانُه.
تقصد إيه؟
كريم بص حواليه وبعدين قال الجملة اللي كسرت كل حاجة
تقصد إني أنا اللي رتبت حادثة مراتك وابنك ولا إني أنا اللي كنت مستنيك تموت النهارده؟
شهقة طلعت من أكتر من حد.
وليلى مسكت في هدوم أمها بقوة.
أما ياسين
فعينيه اتحولت لحاجة مرعبة.
مش صدمة
ولا حزن
نار.
كريم كمل وهو بيبص مباشرة في عينه كنت هتموت بهدوء بس البنت دي بوّظت الخطة.
وبص لليلى بابتسامة خلت الدم يتجمد
واضح إن عندنا مشكلة صغيرة لازم تتحل.
في اللحظة دي
ياسين صرخ لأول مرة محدش يقربلها!!
الصوت رجّ القصر كله.
لكن كريم ضحك بهدوء للأسف مش إنت اللي بتأمر دلوقتي.
ورفع إيده
والرجالة اللي وراه بدأوا يتحركوا ناحية
وفي ثانية واحدة
ليلى حضنت الأرنب بتاعها، وعينيها دمعت بس المرة دي ماصرختش.
بصت لياسين وقالت بصوت صغير جدًا
هو أنا غلطت إني خليتك