انت مكانك هنا في البيت

لمحة نيوز

أنتي مكانك هنا في البيت مضمون.. لكن أنا من حقي أعيش سني وأتبسط وأسافر مع صحابي، دي مساحة شخصية!
بعد خمس سنوات من إلغاء أي خطة سفر لنا بحجة ضغط الشغل أو أهلي محتاجيني، وتحملي لسفره المتكرر مع أصدقائه بحجة تفريغ الطاقة.. قررت أن دوري في الانتظار قد انتهى.
أخرجت حقائبي، رتبت ملابسي بعناية فائقة، وضعت نظارة الشمس على رأسي، وشغلت أغنية حلوة يا بلدي بصوت عالٍ يملأ أركان البيت بهجة. ارتديت ملابس سفر مريحة جداً وأنيقة في نفس الوقت، ووقفت أمام المرآة لأضع لمسات خفيفة من المكياج تعكس لمعة الحماس في عيني.. لمعة انطفأت منذ زمن وعادت اليوم فقط!
سمعت صوت المفتاح في الباب. دخل أحمد وهو يفك رابطة عنقه بملل كالعادة، وقبل أن يبدأ في الشكوى من زحمة الطريق، وقعت عينه على الحقيبتين الكبيرتين عند الباب، ثم نظر إليّ وأنا أرتشف قهوتي بابتسامة هادئة.
إيه ده؟ إحنا مسافرين بجد؟
أيوة.
ابتسم بفرحة تصدقي مفاجأة حلوة أوي! أنا فعلاً كنت محتاج أفصل من ضغط الشغل والهم ده.. بس مقولتليش ليه أعمل حسابي؟ حجزتي فين؟
حجزت في دهب، شاليه على البحر علطول.
الله! دهب مرة واحدة؟ طب ثواني أدخل ألم هدومي بسرعة، بس تفتكري هلحق أكلم مديري أقوله إني هاخد يومين؟
وتكلم مديرك ليه؟
عشان أطمنه إني مش جاي! إنتي ناسية إني شغال ولا إيه؟
لا مش ناسية.. بس إنت مش محتاج تكلمه خالص، لأنك ببساطة مش هتيجي.
نعم؟ أومال الشنطتين دول لمين؟
شنطة لهدومي، وشنطة لحاجات البحر والكتب اللي هقرأها هناك.
إنتي بتهزري يا ياسمين؟ مسافرة

لوحدك إزاي يعني؟
ومين قال لوحدي؟ أنا مسافرة مع نهى ومروة صاحباتي.. مستنييني تحت بالعربية.
إنتي اتجننتي؟ وسايبة جوزك وبيتك ورايحة تتفسحي وتعيشي حياتك؟
زي ما بتعمل بالظبط! جوزي اللي بقاله خمس سنين بيوعدني بسفرية وكل مرة بيكنسل عشان يطلع مع صحابه الساحل يعيش سنه ويفصل من ضغط البيت؟ آه سايباه ومسافرة.
طب والبيت؟ والأكل؟ والهدوم اللي عايزة تتغسل؟
التلاجة مليانة.. الغسالة شغالة.. وتقدر تروح تتغدى عند والدتك زي ما بتعمل كل إجازة وتنسى إن لك زوجة قاعدة بين أربع حيطان مستنياك.. اعتبر دي مساحتي الشخصية اللي دايماً بتكلمني عنها.
ياسمين! لو نزلتي من باب الشقة دي وحطيتي رجلك برا، اعتبري إن اللي بينا انتهى بجد!
بضحكة هادية وهي تلتقط مفاتيحها وتتجه للباب ما هو انتهى فعلاً يا أحمد.. من يوم ما بقيت أنا في آخر قايمة اهتماماتك ومجرد قطعة أثاث في البيت ده. سلام، عشان البنات بيزمروا تحت! 
یتبع.. اکمل 
الکاتبه_نور_محمد
مين متحمس يعرف رد فعله وهل فعلاً هينفذ تهديده ولا أول ما الباب اتقفل وراها ساد صمت تقيل في الشقة، كأنه صفعة نزلت على وش أحمد فجأة.
وقف مكانه ثواني، عينيه على الباب مستني يمكن تفتحه تاني، تضحك وتقوله بهزر معاك.
بس الباب فضل مقفول وصوت الكلاكسات تحت بيبعد واحدة واحدة.
بلع ريقه بصعوبة، ورمى مفاتيحه على الترابيزة بعصبية.
هي بجد عملتها؟!
لف حوالين نفسه، وبص على الشنط اللي كانت واقفة من شوية اختفت.
بص على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه فاضي.
حتى ريحة البرفان بتاعها
كانت لسه في الجو بس هي مش موجودة.
قعد على الكنبة وهو بيحاول يستوعب.
لا دي بتضغط عليا أكيد هترجع.
مسك موبايله بسرعة واتصل بيها.
رن مرة اتنين تلاتة
وبعدين مرفوض.
اتجمد مكانه.
قفلت في وشي؟!
حس بحاجة بتشد جواه حاجة عمره ما حس بيها قبل كده.
مش غيرة مش غضب دي كانت خوف.
قام بسرعة وراح البلكونة، بص لتحت شاف عربية بتتحرك وفيها تلات بنات بيضحكوا ومن بينهم ياسمين، شعرها بيطير مع الهوا ووشها فيه نفس اللمعة اللي اختفت من سنين.
مد إيده كأنه عايز ينادي عليها
بس العربية كانت خلاص بعدت.
رجع جوه وهو بيحاول يبرر لنفسه
عادي هي اللي اختارت وأنا قلت لها!
بس صوته كان مهزوز ومش مقتنع بكلامه.
دخل الأوضة فتح الدولاب لقى نصه فاضي.
وقف قدامه ساكت وبعدين لأول مرة، حس إن البيت فاضي بجد.
قعد على السرير وبص على موبايله تاني.
فتح الشات بتاعها آخر رسالة منها كانت من أسبوع
ممكن نخرج يوم الجمعة؟ حتى لو مش سفر نفسي أغير جو معاك.
وقتها رد عليها
مش فاضي يا ياسمين عندي شغل.
غمض عينيه بإحساس تقيل في صدره.
أنا اللي عملت كده
وفجأة قام مرة واحدة، خد مفاتيحه وخرج يجري على السلم.
نزل بسرعة وهو بيتنفس بصعوبة، كأنه بيجري ورا حاجة هتضيع منه للأبد.
طلع موبايله واتصل تاني
المرة دي رن.
قلبه دق بسرعة.
ياسمين ردي ردي بس!
وفعلاً الخط اتفتح.
صوتها كان هادي جدًا
نعم يا أحمد؟
اتلخبط ومش عارف يقول إيه
بس طلع منه بصوت ضعيف عمره ما استخدمه قبل كده
إنتي إنتي فين دلوقتي؟
في الطريق.
ممكن أجيلك؟
سكتت شوية
ثواني عدت عليه
كأنها سنين.
ليه يا أحمد؟
ابتلع كلامه بصعوبة وقال
عشان يمكن ألحق أصلح اللي أنا بوظته
سكتت تاني
وبعدين قالت بهدوء
لما أوصل نبقى نتكلم.
وقفل الخط.
وقف أحمد في نص الشارع، العربية بتعدي حواليه، وصوت الدنيا عالي
بس هو كان سامع حاجة واحدة بس
إنه لأول مرة ممكن يخسرها بجد.
وبعيد في العربية
بصت ياسمين للموبايل وابتسمت ابتسامة خفيفة مش ضعف
لكن ابتسامة واحدة أخيرًا رجعت لنفسها العربية كانت بتجري على الطريق الصحراوي والهوا داخل من الشباك بيخبط في وش ياسمين كأنه بيغسل سنين من التعب.
نهى بصت لها من المراية وقالت بابتسامة خبيثة
شكلك مشغولة أوي يا مدام مين اللي كان على التليفون؟
مروة ضحكت
سيبك منها أكيد جوزها بيترجاها ترجع!
ياسمين ما ردتش فورًا بصت قدامها شوية، وبعدين قالت بهدوء
أيوه كان أحمد.
سكتوا الاتنين وبصوا لبعض بسرعة.
وقالك إيه؟
عايز يجي.
نهى شهقت
ييجي فين؟! هو فاكرها رحلة عائلية؟!
ياسمين ابتسمت ابتسامة صغيرة
لأول مرة مش فاهم هو عايز إيه.
مروة قربت منها وقالت
وإنتي؟ عايزة إيه؟
السؤال جه في وقته ويمكن أول مرة ياسمين تسأله لنفسها بجد.
بصت على إيديها وبعدين على الطريق الطويل قدامها وقالت بصوت واطي
عايزة أبقى مبسوطة حتى لو لوحدي.
في نفس الوقت
أحمد كان سايق عربيته بسرعة جنونية، عينيه على الطريق بس دماغه في كل لحظة فاتت.
كل مرة سابها
كل مرة وعدها
كل مرة اختار غيرها.
ضرب بإيده على الدركسيون بعصبية
أنا كنت أعمى؟!
موبايله رن كان صاحبه كريم.
أيوه يا عم أحمد، جاهز للساحل ولا إيه؟
هنمشي بكرة!
أحمد سكت لحظة وبعدين قال
أنا مش جاي.
إيه؟! بتهزر؟ دي خطتنا من شهر!
مش جاي يا كريم عندي حاجة أهم.
وساب
تم نسخ الرابط