يوم مادفنو ابويا بقلم نور محمد

لمحة نيوز

يوم ما دفنّا أبويا، حسيت إن ضهري اتكسر حرفياً. وقفت في العزاء باخد بخاطر الناس، وأنا من جوايا طفل تايه بيدور على أبوه في الزحمة.
أبويا الحاج عبد الرحمن مكنش راجل غني، بس كان مستور. ساب لنا شقة تمليك في فيصل، ورشة نجارة قديمة في حي بولاق ريحتها كلها نشارة وغرا وتعب سنين، وحساب في البنك فيه قرشين تحويشة العمر.
كنا تلاتة؛ أنا عمر الصغير، وأخويا الكبير طارق، وأختنا سمر.
مكملناش أربعين يوم، ولقيت طارق بيكلمني نتقابل في شقة أبويا. دخلت لقيت سمر جوزها معاها، وطارق جايب معاه محامي. مكدبش عليك، قلبي اتقبض. ريحة أبويا لسة في هدومنا، وهما قاعدين بيحسبوها بالورقة والقلم.
طارق بدأ الكلام بنبرة عملية جداً يا عمر، إنت عارف الحياة صعبة، وسمر ولادها بيكبروا، وأنا داخل على مشروع محتاج سيولة. إحنا هنبيع الشقة، وفلوس البنك تتقسم شرع الله.
سألته بهدوء والورشة؟
بص لسمر نظرة سريعة وقال الورشة دي في حي شعبي ومعدتش بتجيب همها.. وعليها ديون لتجار الخشب. بص يا سيدي، إحنا هنتنازلك عن حقنا في الورشة، ونسيبهالك تصفّي ديونها وتاخدها ليك، بس في المقابل إنت تتنازل عن نصيبك في الشقة وفلوس البنك.
المحامي طلع الورق كأنه كان جاهز ومستني الكلمة دي.
حسبتها في ثواني. القسمة دي ظالمة جداً، الورشة متجيبش ربع

تمن الشقة، ده غير ديون التجار اللي عليها. هما اختاروا الكاش والجاهز، ورمولي وجع الدماغ والمسؤولية.
سمر بصتلي وقالت بكسوف مصطنع إنت لسة شاب بطولك يا عمر، إنما إحنا ورانا بيوت وعيال، والورشة دي هتبقى بداية ليك تبني بيها نفسك.
كان ممكن أزعق، كان ممكن أقلب الترابيزة وأطالب بحقي الشرعي بالقرش والمليم، وأجرجرهم في محاكم ونقطع بعض زي ما بيوت كتير بتعمل.
بس وأنا قاعد، عيني جت على كرسي أبويا الهزاز اللي في الصالة. تخيلته قاعد، بيبصلنا بحزن وإحنا بننهش في لحم بعض.
أبويا عاش عمره كله يلم فينا، مش أنا اللي هفركش العيلة عشان حتة شقة وشوية ورق مطبوع.
سحبت القلم من إيد المحامي.. ومضيت.
طارق اتنفس بصوت عالي كأن حمل وانزاح من على صدره، وسمر وشها نور. خدوا الورق، وخدوا الفلوس، وباعوا شقة العيلة لواحد غريب في أقل من شهر.
أما أنا، فنزلت الورشة.
فتحت الباب الصاج القديم، التراب كان مغطي المكن. قعدت على مكتب أبويا الخشب، وحطيت راسي بين إيديا وبكيت. بكيت على أبويا، وبكيت على قسوة أقرب الناس ليا.
كنت حاسس إني اتضحك عليا، إني طلعت المغفل بتاع العيلة.
وأنا بقلب في أدراج المكتب عشان أشوف مصيبة الديون اللي عليا، لقيت أجندة جلد سودا قديمة. فتحتها، متوقع ألاقي قوايم بأسامي تجار وكمبيالات.
بس اللي
لقيته، شل تفكيري.
یتبع... اکمل 
فتحت الأجندة الجلد السودا بإيدي اللي كانت بترتعش من غير ما أحس.
الصفحات الأولى كانت عادية ملاحظات عن الخشب، أسعار، طلبات شغل قديمة. حاجات شبه أي ورشة نجارة بسيطة.
بس كل ما أقلب أكتر، الخط بدأ يتغير وبقى فيه تواريخ متقاربة بشكل غريب، وأسماء مش مألوفة.
وفجأة وقفت عند صفحة اتكتبت بخط أبويا نفسه، بخط تقيل أعرفه كويس
لو حد قرا الكلام ده بعدي يبقى خلاص وصلت للأمانة للي يستاهلها.
قلبي دق.
أمانة إيه؟
كملت قراءة.
الورشة مش زي ما الناس فاكرة. الورشة دي غطا بس. تحتها حاجة أكبر بكتير وأنا تعبت عمري كله عشان أحافظ عليها لحد ما توصل لابني اللي يفهم يعني إيه ستر.
ساعتها حسيت الورشة كلها بتتغير في عيني. جدرانها بقت أضيق، والهدوء بقى تقيل بشكل يخوف.
قلبت الصفحة بسرعة.
الديون اللي مكتوبة على الورق مش ديون فلوس. دي ديون ناس. وناس لو عرفت إنت مين، هتجيلك لحد عندك.
قفلت الأجندة لحظة.
إنت الوحيد يا عمر اللي كنت واثق فيه عشان كده سيبت الورشة باسمك في السر في الشهر العقاري من سنتين.
وقفت مرة واحدة.
إيه؟
سنتين؟! يعني أبويا كان مجهز لكل ده قبل ما يموت أصلاً؟
رجعت أقرا الصفحة اللي بعدها بإيد باردة.
لقيت ورقة صغيرة متلزقة
لو الورشة اتفتحت بعد موتي مباشرة يبقى
حد استعجل. وخلي بالك أخوك مش هو العدو الوحيد.
ساعتها الباب الحديد بتاع الورشة طقّة خفيفة من بره.
مرة واحدة.
وبعدها صوت تاني
خطوات بتمشي جوا الساحة.
رفعت عيني ببطء ناحية الباب قلبي كان هيقف.
الصوت كان بيقرب.
وموبايل أبويا القديم اللي لقيته في الدرج نور فجأة.
رسالة جديدة ظهرت على الشاشة
متبصّش وراك لو بصّيت، مش هتلحق تقوم.
اتجمدت مكاني.
بس غصب عني
عيني بدأت تتحرك ناحية الضلمة اللي ورا ضهري
وفجأة الباب اتفتح بعنف.
وشخص دخل الورشة.
مش طارق.
ولا سمر.
ده كان راجل غريب تمامًا لابس جلابية سودة، وعينه ثابتة عليا كأنه كان عارف إني موجود من زمان.
قال بصوت هادي مخيف
أخيرًا ابن الحاج عبد الرحمن رجع للورشة.
سكت لحظة وبص حواليه كأنه بيعد أنفاس المكان.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت رجليا
أبوك ما ماتش طبيعي يا عمر أبوك كان آخر واحد ماسك السر.
وساعتها الورشة كلها دخلت في ظلمة تقيلة، كأن النور نفسه اتسحب منها رجلي كانت لسه مش قادرة تشيلني كويس، بس عقلي كان بيجري أسرع من أي حاجة.
الراجل الغريب وقف في نص الورشة كأنه صاحب المكان، وبص ناحية مكتب أبويا القديم.
قال بهدوء يخوّف أكتر من الصريخ اللي في الأجندة دي مش مجرد كلام دي مفاتيح يا عمر.
حاولت أتماسك وقلت بصوت مبحوح إنت مين؟ وإزاي تدخل هنا
كده؟ وإيه الكلام ده عن أبويا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة مفيهاش أي طمأنينة
تم نسخ الرابط