اشتغلت في مطعم

لمحة نيوز

وده القرار الصح.
مريم خدت نفس عميق، ولفت ظهرها للمطعم القديم.
المرة دي ماكنتش هروب دي كانت بداية.
ولأول مرة من أول القصة، ريحة البصل والتوم اللي كانت بتخنقها
بقت ريحة حريّة الشارع بدأ يهدى تدريجيًا صوت صفارات الإطفاء بقى بعيد، والناس رجعت تبص من بعيد بحذر كأنهم بيتفرجوا على نهاية مشهد مش مفهوم.
مريم ماشية بخطوات ثابتة بعيد عن مطعم رضوان كل خطوة كانت بتفصلها عن سنين من التعب اللي ماخدتش عليه حتى شكر.
ياسين ماشي جنبها من غير ما يتكلم.
لحد ما هو كسر الصمت إنتي مش بس خسرتي مطعم إنتي كسرتي سلسلة كاملة.
مريم بصت قدامها السلاسل لازم تتكسر عشان حد يعرف يتنفس.
سكت لحظة، وبعدين كملت أنا طول عمري كنت فاكرة إن الشغل هيخلّيهم يشوفوني بس اتضح إن الشغل لوحده مش كفاية.
ياسين هز راسه اللي حصل النهارده مش نهاية ده إعلان بداية حربك الحقيقية.
مريم ابتسمت بسخرية خفيفة أنا مش بحب كلمة حرب.
ليه؟
عشان الحرب فيها طرفين بيكسبوا إنما اللي أنا عشته كان طرف واحد بيختفي.
وصلوا للعربية.
مريم وقفت لحظة قبل ما تركب، وبصت على المطعم القديم من بعيد.
الإضاءة كانت لسه بتلمع، بس جوه مكسور.
وفي نفس اللحظة رضوان كان واقف عند الباب، لوحده.
مفيش مستثمرين مفيش ضيوف مفيش سارة.
كل اللي فاضله صوت المطبخ اللي سكت لأول مرة.
حط إيده على الحيطة، كأنه لأول مرة حاسس إن المكان مش ليه.
جواه، لأول مرة، سؤال مخيف هو فعلاً أنا اللي كنت ماسك البيت ولا أنا اللي كنت بدفنه؟
في اليوم اللي بعده، اسم مريم الأصل انتشر بسرعة.
مش بس كعلامة مطعم لكن كقصة.
قصة الشيف اللي خرجت من تحت ركام مطبخ عائلي، وقررت تبدأ من الصفر من غير ما تبص وراها.
والأغرب
إن أول طلب شراكة كبير جهها كان من نفس مجموعة المستثمرين اللي كانوا واقفين مع ياسين.
بس المرة دي، مريم ما استعجلتش.
قرت العرض بهدوء، وبعدين قالت جملة واحدة
أنا مش هكبر بسرعة أنا هكبر صح.
وابتسمت لأول مرة من غير وجع.
لكن في آخر الصفحة موبايلها رن رقم مجهول.
ردت.
صوت هادي من الناحية التانية إنتي فاكرة إن القصة خلصت؟
مريم سكتت.
الصوت كمل إنتي لسه ماعرفتيش مين كان بيدفع أبوكي أصلاً
وساعتها
بس
فهمت إن اللي جاي مش مجرد مطعم جديد.
ده ملف أعمق بكتير من ريحة التوم والبصل وأخطر من أي عيلة مريم مسكت الموبايل جامد، كأنها بتثبت إيدها مش بترد على مكالمة.
الصوت المجهول كان هادي زيادة عن اللزوم، وده اللي خلاه مخيف فاكرة إن أبوكي كان بيلعب لوحده؟ لأ هو كان بيتلعب بيه.
مريم بصت لياسين اللي كان سايق، وبإشارة بسيطة طلبت منه يوقف العربية.
إنت مين؟ سألت.
الصوت ضحك ضحكة قصيرة مش مهم أنا مين المهم إنتي دلوقتي بقتي في الصورة.
سكت لحظة، وبعدين كمل مطعم رضوان مش المشكلة. ده كان مجرد واجهة المشكلة في الديون اللي عليه وفي الأرض اللي عليه وفي الترخيص اللي باسمه.
مريم اتشدّت إنت بتقول إيه؟
بقول إن أبوكي كان مجرد اسم على ورق في حد أكبر منه بيدير اللعبة من سنين.
الصمت وقع.
ياسين بص لها ده ابتزاز أو محاولة تخويف.
لكن مريم ما ردتش بسرعة عينها كانت بتفكر مش بتخاف.
لو كلامك صح إنت عايز إيه؟
الصوت جاوب مباشرة إنتي.
الخط اتقفل.
الهواء في العربية اتغير فجأة.
مريم حست لأول مرة إن الموضوع مش مجرد مطعم ولا حتى عيلة.
ده حد شايفها هي تحديدًا.
ياسين قال بجدية اللي بيتكلم ده عارفك كويس.
مريم بصت قدامها، وعيونها بقت أهدى من الأول يبقى لازم أعرف هو مين قبل ما هو ييجي لحد عندي.
في نفس الليلة
مريم فتحت اللابتوب، وبدأت تدور في كل أوراق مطعم رضوان تسجيلات، عقود، موردين، قروض قديمة.
كل صفحة كانت بتكشف حاجة مش منطقية.
لحد ما لفت نظرها اسم متكرر في كل الملفات المالية القديمة
شركة الهلال الأبيض للاستثمار
مكتوب إنها جهة تمويل غير مباشرة بس مفيش عنوان واضح ولا مالك ظاهر.
مريم همست لنفسها إيه الهلال الأبيض ده؟
في اللحظة دي، ياسين بعتلها رسالة
لا تدوري لوحدك الاسم ده مش طبيعي.
مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة أول مرة حد يقولي ما أدورش يبقى لازم أدور أكتر.
قفلت اللابتوب، ووقفت عند الشباك.
الشارع هادي بس جواها مش هادي خالص.
وفي آخر الشارع عربية سودا واقفة من غير نور.
مريم ما اتحركتش.
بس قالت بصوت واطي أنا عارفاك واقف هناك.
العربية ما اتحركتش.
لكن الزجاج اتخفض شوية.
وشخص جوه كان بيراقبها من الأول الزجاج اتخفض
ببطء أكتر مما يمكن يستفز الأعصاب.
مريم واقفة عند الشباك، مش متراجعة ولا حتى خطوة، بس قلبها كان بيحسب كل احتمال في ثواني.
العربية السودة ما اتحركتش.
والراجل اللي جواها ما تكلمش في الأول.
بس رفع إيده ورمى حاجة صغيرة على الأرض قدام العمارة.
صوت تك خفيف.
مريم بصت لتحت.
كانت فلاش ميموري.
بصت تاني ناحية العربية لكن الزجاج كان اتقفل، والعربية بدأت تتحرك بهدوء وتختفي في آخر الشارع.
ياسين جري عليها من جوه إنتي كويسة؟ حصل إيه؟
مريم مسكت الفلاشة من على الأرض، وقالت بهدوء غريب هو مش بس بيراقبني هو بيسيبلي رسائل.
دخلت جوه، ركبت اللابتوب بسرعة، وياسين واقف وراها متوتر.
فتحت الفلاشة.
ملف واحد بس.
اسمه ابدئي من نفسك
ياسين عبس ده تهديد مقصود.
لكن مريم فتحت الملف.
فيديو.
اللقطة كانت قديمة مشوشة شوية.
مطبخ.
بس مش مطبخ رضوان.
وكان فيه صوت مريم أصغر سنًا بتضحك وهي بتجرب طبق جديد.
وبعدين صوت أبوها في الخلفية البنت دي خطر لو كملت كده هتسحب كل حاجة مني.
مريم جمدت.
ياسين بص لها إنتي شوفتي إيه؟
لكن هي ما ردتش.
كانت بتشوف لقطة أبعد
شخص تاني في الفيديو، واقف في الظل، مش واضح لكن بيهز راسه لرضوان، وبيقول خليها تشتغل لما تكبر نستخدمها وقت ما نحتاج.
مريم قفلت اللابتوب فجأة.
إيدها كانت ثابتة بس عينيها لا.
يبقى أنا ما كنتش بنت شغالة في مطبخ عيلة بس
سكتت ثانية.
وبعدين كملت أنا كنت مشروع حد تاني من البداية.
ياسين لازم نعرف هو مين الراجل ده.
مريم بصت على الشارع اللي كان فاضي من شوية والعربية السودة اختفت.
وقالت هو عارفني كويس أكتر مما أنا أعرف نفسي.
وفي اللحظة دي
موبايلها رن تاني.
نفس الرقم المجهول.
بس المرة دي، من غير كلام.
بس رسالة واحدة
لو عايزة الحقيقة تعالي لوحدك.
ومكان مرفق.
عنوان قديم في أطراف المدينة مكتوب عليه مخزن الهلال الأبيض الدخول للمصرّح لهم فقط
مريم قفلت الموبايل ببطء.
وياسين قال بسرعة إنتي مش رايحة هناك لوحدك.
لكن مريم ردت بصوت هادي جدًا أخطر من أي صراخ أنا كنت لوحدي طول عمري بس المرة دي أنا رايحة أرجّع حياتي مريم وقفت قدام باب مخزن الهلال الأبيض في أطراف المدينة الباب الحديد
كان قديم، بس كأن حد بيستناها من زمان.
ياسين كان وراها آخر فرصة يا مريم اللي جوا ده مش لعب مطاعم.
هي بصت له بابتسامة هادية لأول مرة من غير وجع وأنا مش داخلة مطبخ أنا داخلة أطلع الحقيقة.
دفعت الباب.
وصوت الحديد وهو بيتفتح كان كأنه بيقفل فصل كامل من حياتها.
جوا المخزن مكان واسع، إضاءة ضعيفة، وملفات قديمة متراكمة. وفي النص كرسي واحد.
واقف عليه رجل في الخمسينيات، أنيق جدًا، كأنه مش من المكان أصلًا.
رفع عينه ليها وقال أهلًا يا مريم أخيرًا شفناك زي ما إحنا شوفناك طول الوقت.
مريم
ما خافتش.
إنت مين؟
ابتسم أنا اللي بنيت فكرة إن مطعم رضوان يفضل عايش وأنا اللي قررت إمتى يقع.
سكت لحظة، وبعدين كمل وأبوك؟ كان مجرد منفذ خائف بس إنتي إنتي الحاجة الحقيقية.
مريم شدّت نفسها كنتوا بتستخدموني؟
مش استخدام إدارة موهبة.
ضحكت ضحكة قصيرة موهبة؟ أنا كنت بتكسر في مطبخ وبيتسرق تعبي؟
الرجل هز راسه عشان كده جيناك هنا عشان نعرض عليك الحقيقة كاملة.
فتح شاشة قدامه فيديوهات لعقود، صفقات، ومطاعم تانية اتبنت واتهدت بنفس الطريقة.
إحنا بنختار الأفضل وبنخليه يقود السوق.
مريم قربت خطوة وبعدين؟ لما أرفض؟
سكت.
وبعدين قال ساعتها بنلاقي غيرك.
في اللحظة دي مريم بصت حواليها المخزن الملفات اللعبة الكبيرة اللي أكبر منها بسنين.
وبعدين رجعت تبص له.
بس المرة دي عينيها كانت مختلفة.
تمام.
هو ابتسم كنت عارف إنك هتفهمي.
لكنها كملت أنا موافقة بس بشروطي.
الابتسامة وقفت.
شروطي أنا اللي هتحط قواعد اللعبة مش إنتوا.
سكت المكان.
ياسين اللي كان واقف برا الباب اتجمد.
والرجل ضحك لأول مرة إنتي فاكرة إنك لسه في مطبخ؟
مريم ردت بثبات لأ أنا في بداية مطبخ العالم كله.
بعد شهور
اسم مريم الأصل بقى سلسلة مطاعم في كذا مدينة.
بس المرة دي من غير أبوها، ومن غير حد يقدر يمسح اسمها.
رضوان اختفى من المشهد، وسارة بدأت تشتغل معاها من جديد بس بشروطها هي، مش شروط حد.
وفي أول افتتاح كبير للسلسلة
مريم وقفت على المسرح، والناس كلها بتصقف.
بس هي ما بصتش للكاميرات.
بصت للفراغ اللي وراهم، وقالت بصوت واطي لنفسها أنا كنت مشروع وبقيت صاحبة المشروع.
ابتسمت.

والكاميرا قفلت على أول شعار ظهر في كل فروعها
الطعم مش بيُباع الطعم بيُفرض.
ونهاية القصة كانت بداية اسم جديد في عالم كله كان فاكر إنه هو اللي بيختار.

تم نسخ الرابط