كلمت اهلي بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

كلمت أهلي عشان أقولهم إني عندي سرطان ثدي. أمي ردت عليا وقالت لي إحنا في خطوبة ابن عمك، وسابتني أواجه الكيماوي لوحدي. وبعد كام يوم، جولي عشان يطلبوا مني أضمن أختي في قرض عربية! ابني اللي عنده 6 سنين طلع وفي إيده ورقة، وقال لجدته ماما قالت لي أديكِ دي لو طلبتوا منها فلوس. ضحكتهم اتجمدت وهي بتقرأ الكلام.
لما اتصلت بأمي عشان أقولها الخبر، الجرس رن للمرة التالتة، ووطت صوتها كأني بقاطع حاجة مقدسة بالنسبة لها.
كلير، إحنا في حفلة جينا بنت عمك.. سمعت صوت ضحك وزيطة في الخلفية، وصوت خبط الكاسات، وحد بيزعق عايز مقص عشان يقطع شريط الهدايا. ينفع نتكلم بعدين؟
كنت واقفة في ركن في باركينج المستشفى، والتقرير في إيدي.. التقرير اللي شقلب حياتي وخلاها قبل وبعد. ركبي كانت بتخبط في بعضها من الرعب لدرجة إني سندت على العربية عشان ما أقعش. قلتلها بصوت مخنوق لا ما ينفعش، أنا عندي السرطان.
حصلت سكتة، بس مش السكتة اللي كنت متخيلاها. لا رعب ولا حزن، كان سكوت زهق، كأني بلغت عن ماسورة مكسورة في نص العزومة.
يا خبر!.. همست بقرف.. إنتِ بتتكلمي جد؟
أيوة.
سمعت ضحكة تانية مكتومة بعيد عن السماعة، وبعدين تنهيدة طيب، عايزاني أعمل إيه دلوقتي؟ الناس ماليين البيت.
فاكرة إني كنت باصة للأرض ورجلي بتترعش من

البرد والخوف. قلتلها افتكرت إنك ممكن تقولي لي إنك جاية.
ردت بسرعة الليلة مستحيل، كلمي ميغان أختك لو محتاجة حد جنبك.
أختي ميغان مردتش أصلاً، وبعد ٢٠ دقيقة بعتت رسالة ماما قالت إنك متضايقة، أنا في الحمام، هكلمك بكرة.
بكرة ده بقى الأسبوع الجاي.. والأسبوع الجاي بقى بداية الكيماوي.
كنت بسوق لنفسي في كل جلسة، ماعدا مرة واحدة جارتي دينيس غابت من شغلها وقالت لي ماحدش ينفع يدخل أول جلسة كيماوي لوحده. هي اللي كانت بتمسك لي هدومي وأنا برجع في كيس ورق في الباركينج، وهي اللي حلقت لي شعري في مطبخها لما بدأ يقع كتل في إيدي. أمي بعتت ورد مرة واحدة، والكرت كان مكتوب فيه ألف سلامة! معلش مش عارفين نوصلك. مع حبنا.. العيلة. العيلة! كأنهم لجنة بتبعت برقية مش أهل.
وبعد ٤ أيام من تاني جلسة، فجأة ظهروا!
أمي، وميغان، وجوز أمي رون. داخلين بضحكة عريضة وشايلين سبت فاكهة من السوبر ماركت، كأنهم بيمثلوا دور الأهل الطيبين.
كنت نايمة على الكنبة، تحت البطانية، وشي أصفر وتعبانة جداً، ميغان قعدت على طرف الكنبة وقالت ببرود شكلك أحسن بكتير مما كنت متخيلة!.
كنت هضحك من كتر الفجر.
أمي شبكت إيديها وبصت لي البصة اللي الناس بتبصها لما بيبقوا عايزين يطلبوا حاجة واطية وعارفين إنها ما تطلبش.
بصي يا حبيبتي.. بدأت
الكلام.. إحنا محتاجين منك خدمة صغيرة.
رون جوزها كمل وقال إن ميغان لقت عربية لقطة، بس البنك طالب ضامن يكون سجله نظيف، وميغان عليها مشاكل قديمة في الدفع، ورون لسه ساحب قرض لشغله. أمي قالت إن ائتمانك طول عمره زي الفل.
بصيت للثلاثة وكنت حاسة إني بدوخ من أثر الدوا، قلت ببطء
إنتو جايين هنا وأنا في نص الكيماوي.. عشان تطلبوا مني أضمن قرض عربية؟
ميغان ردت بقلة ذوق إحنا مش بنطلب منك فلوس على فكرة!.
وقبل ما أنطق بكلمة، سمعت صوت خطوات صغيرة في الطرقة.
ابني إيثان ٦ سنين دخل الصالون وفي إيده ورقة مطبقة. بص لي، وبعدين بص لهم، وقال بصوته الضعيف
ماما قالت لي أديهم دي لو طلبوا مني فلوس.
ضحكتهم ماتت على وشهم قبل ما يمد إيده بالورقة.
ولما أمي فتحت الورقة وبدأت تقرأ.. وشها بقى أبيض زي الملائكة..
أمي كانت واقفة ماسكة الورقة بإيد بترتعش عينيها بتتنقل بين السطور وكأنها مش مصدقة اللي بتقراه.
الهدوء اللي في الأوضة اتكسر فجأة.
رون قال بقلق
في إيه؟ الورقة دي فيها إيه؟
ميغان قربت خطوة
إيه الكلام ده يا ماما؟
أمي رفعت عينيها ببطء وبصتلي لأول مرة بشكل مختلف.
مش استهتار
ولا انشغال
ده كان خوف.
همست
إنتي كتبتي الكلام ده لإيثان؟
أنا بصيت لها، وقلبي بينزف من التعب
كتبته عشان لما تيجوا تطلبوا مني أضمن
قرض هو اللي يرد.
سكتوا كلهم.
حتى ميغان اللي دايمًا صوتها عالي، ما طلعتش كلمة.
إيثان كان واقف جنبي ماسك في هدومي.
بص لأمي وقال ببساطة الأطفال اللي بتوجع الكبار
ماما قالتلي كده عشان إنتوا دايمًا مش فاضيين ليها.
الجملة دي نزلت زي الحجر.
أمي حطت الورقة على الترابيزة ببطء وقعدت.
ولأول مرة صوتها يتهز
إنتي مريضة بجد ومخبيّة؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير روح
لا أنا بمثل عشان أريحكم من الزيارات.
رون اتكلم بسرعة
إحنا جايين نطمن عليكي مش أكتر!
بصيت له
جايين تطمنوا؟ وإنتوا بتطلبوا مني أضمن قرض وأنا باخد كيماوي؟
سكت.
مفيش رد.
أمي فجأة وقفت وقربت مني خطوة
طيب وإحنا نصلح إزاي؟
سؤال بسيط بس اتأخر سنين.
أنا بصيت لإيثان وبعدين رجعت بصيت لهم
مافيش حاجة تتصلح في يوم.
أنا كنت لوحدي في المستشفى لوحدي في التعب لوحدي وأنا بشيل الخوف من الموت
صوتي اتكسر
وانتوا كنتوا دايمًا مشغولين بحاجة أهم.
ميغان همست لأول مرة بصوت واطي
إحنا ماكنّاش نعرف إنه بالشكل ده
بصيت لها
ماكنتوش عايزين تعرفوا.
سكت تاني.
أمي قعدت جنب الكنبة ومدت إيدها ناحيتي لأول مرة من غير كلام.
بس وقفت في النص.
كأنها مش عارفة لمست مين بنتها؟ ولا غريبة عاشت سنين بعيد عنها.
وفجأة إيثان شد إيدي وقال
ماما إنتي مش لوحدك دلوقتي صح؟
الكلمة كسرتني
أكتر من المرض نفسه.
بصيت له وابتسمت وسط دموعي
مش لوحدي يا حبيبي خلاص.
وقمت
تم نسخ الرابط