دعاها الي فندق بقلم زيزي

لمحة نيوز

وقفت “سلمى” أمام باب الجناح رقم 806 داخل أحد أفخم فنادق وسط مدينة القاهرة، تمسك بحقيبتها بقوة كأنها تحتمي بها من ارتباكها. أنفاسها كانت متسارعة، وقلبها يدق بعنف وهي تفكر: هل أنا فعلًا مستعدة لهذه الخطوة؟
منذ عام تقريبًا، كانت تعرف “أحمد المنشاوي”… أو هكذا كانت تعتقد.
رجل في الثامنة والثلاثين، ناجح، هادئ، محترم، لا يتجاوز حدوده أبدًا، يتكلم بهدوء، ويستمع أكثر مما يتكلم. كان مختلفًا عن أي رجل قابلته من قبل. جعلها تشعر بالأمان، وشيئًا فشيئًا بدأت تثق به.
وفي تلك الليلة، أرسلت له الرسالة بنفسها: “ممكن أقابلك الليلة لو فاضي…”
جاء الرد سريعًا جدًا، لدرجة جعلتها تتوقف للحظة، ثم تتجاهل إحساسها.
والآن… كانت هنا.
طرقت الباب بخفة.
فتح أحمد الباب.
كان يرتدي قميصًا بسيطًا، وملامحه هادئة كعادته، لكن عينيه كان فيهما شيء مختلف… شيء لا تستطيع قراءته.
أشار لها بالدخول دون كلام.
دخلت سلمى بخطوات مترددة، وكأنها تمشي داخل قرار أكبر منها.
الغرفة كانت فخمة وهادئة، إضاءتها خافتة، والجو ثقيل بشكل غريب.
جلست على طرف الكرسي، ويديها مشدودتان فوق بعض.
“أنا متوترة شوية…” قالت بصوت منخفض.
نظر إليها أحمد بهدوء. “خدي وقتك يا سلمى.”
ساد صمت طويل.
تجمد المكان.
لم يرد أحمد فورًا.
لم يقترب، لم يبتسم، لم يظهر أي رد فعل واضح.
لكن ملامحه

تغيرت… كأن صمتًا ثقيلًا نزل فوقه.
سلمى رفعت عينيها بقلق.
“في حاجة؟”
ابتعد خطوة عن الكرسي، وكأنه يحتاج مساحة.
“سلمى…” قالها بهدوء غير معتاد، “مين قال لك إن الليلة دي كانت بالشكل ده؟”
تجمدت.
“يعني إيه؟”
نظر إلى الأرض لحظة، ثم قال: “أنا ما جبتكيش هنا عشان كده.”
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
“إمال عشان إيه؟”
اقترب خطوة واحدة فقط، ثم توقف.
“عشان أطلب إيدك للجواز.”
سكتت تمامًا.
“جواز؟” همست بعدم تصديق.
أومأ أحمد بهدوء.
“أنا من فترة وأنا بفكر فيك بجد… ومش عايز أي خطوة تحصل غلط. لو في نصيب، ندخل البيت من بابه.”
جلست سلمى في مكانها مشدوهة، لا تستوعب ما يحدث.
قبل أن تتكلم، رنّ هاتف أحمد على الطاولة.
نظر إليه، وتغير وجهه فجأة.
اسم المتصل كان: “مجهول”.نظر أحمد إلى شاشة الهاتف لثوانٍ طويلة، وكأن الاسم “مجهول” وحده كفيل بقلب مزاج الغرفة بالكامل.
لم يرد فورًا.
سلمى كانت تراقبه بصمت، وقلبها لا يزال يحاول استيعاب كلمة “جواز” التي سقطت عليها منذ لحظات.
أخيرًا، ضغط على زر الرد.
“أيوه؟”
جاء الصوت من الطرف الآخر هادئًا بشكل مزعج:
“ما كنتش متوقع إنك تسبقني وتفتح الموضوع.”
تجمدت ملامح أحمد.
“إنت مين؟”
صمت قصير… ثم الرد:
“أنا الشخص اللي كنت بتدور عليه من سنة في ملف الشركة.”
اتسعت عيناه قليلًا.
سلمى لاحظت التغير فورًا.
“في إيه؟
” سألت بقلق.
أشار لها بيده أن تصمت، دون أن يبعد الهاتف عن أذنه.
“إنت بتتكلم عن إيه؟” قال أحمد بصوت أخفض وأكثر حدة.
جاء الصوت مرة أخرى: “عن الحقيقة اللي أنت دفنتها… وقررت تتجاهلها عشان تبدأ حياة جديدة.”
سكت أحمد للحظة.
ثم قال ببطء: “إنت اللي كنت وراء التسريب؟”
ضحكة قصيرة سُمعت عبر الهاتف.
“لسه فاكر الموضوع؟”
وفي نفس اللحظة، ارتفع صوت إنذار خفيف من جهازه المحمول على الطاولة، كأنه إشعار أمني أو رسالة مشفرة.
نظر أحمد له بسرعة… وتغير وجهه تمامًا.
سلمى وقفت من مكانها فجأة.
“أحمد… أنا مش فاهمة حاجة!”
لكن قبل أن يرد، جاء الصوت من الهاتف مرة أخرى، هذه المرة أقرب للتهديد:
“الليلة دي مش بس عرض جواز يا أحمد… دي بداية تصفية حساب.”
ثم انقطع الخط.
ساد صمت ثقيل.
أحمد وقف ببطء، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أغلق الهاتف.
سلمى كانت ترتجف.
“إيه اللي بيحصل؟ أنا دخلت في إيه؟”
نظر إليها أحمد، وفي عينيه صراع واضح بين شيئين: قرار مهم… وخطر أكبر بكثير مما توقع.
اقترب منها خطوة واحدة، ثم قال بصوت هادئ لكنه مختلف تمامًا عن قبل:
“أنا كنت ناوي أحميكي من كل ده… بس واضح إنهم سبقوني.”
“يحموكي من إيه؟” همست.
صمت لحظة.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
“من حياتي القديمة.”سلمى رجعت خطوة للخلف، كأن كلمة “حياتي القديمة” كانت كفيلة إنها تقفل الهواء
حوالينها.
“حياتك القديمة إيه يا أحمد؟ أنا مش فاهمة حاجة!”
أحمد مرّر إيده في شعره لأول مرة بعصبية واضحة، حاجة ما ظهرتش عليه من قبل.
ثم قال بصوت منخفض: “مش وقته شرح… بس لازم نخرج من هنا حالًا.”
قبل ما تكمل كلامها، نور الغرفة خف فجأة.
ثم عاد… لكن بشكل مختلف.
كأن نظام الكهرباء اتلخبط لحظة.
سلمى شهقت: “في إيه؟”
أحمد اتحرك بسرعة ناحية الباب، فتحه… وبص في الممر.
كان هادي.
هادئ زيادة عن الطبيعي.
مفيش أي صوت… لا موظفين، لا خطوات، لا أي حركة.
رجع بص لها: “سلمي… خدي شنطتك.”
“إنت مرعوب… صح؟” قالت بصوت مهتز.
سكت لحظة.
“أنا مش مرعوب… أنا متحسّب.”
قبل ما تكمل، تليفونه رن تاني.
نفس الرقم: “مجهول”.
أحمد بص له بثبات، وبعدين فتح المكالمة تاني.
لكن هذه المرة… مفيش صوت بشري في الأول.
فيه صوت نفس… قريب جدًا من الميكروفون.
وبعدين جملة واحدة:
“لسه فاكر الشقة في المعادي؟”
سلمى اتجمدت.
أحمد عينه وسعت لأول مرة بوضوح.
“إنت بتراقبني؟”
الصوت رد بهدوء: “أنا ما سبتهالكش أصلًا عشان تنساه.”
وبعدها مباشرة… اتبعتت رسالة على موبايله.
فتحها بسرعة.
كانت صورة.
صورة قديمة له هو وسلمى… من أول مرة تقابلوا فيها في الشركة.
لكن اللي خلى الدم يبرد في عروقه… إن الصورة كان مكتوب عليها تاريخ بكرة.
سلمى بصت له: “دي إيه؟!”
أحمد قفل الموبايل بسرعة.
وبص
لها لأول مرة بنبرة مختلفة… نبرة قرار:
“إحنا لازم نخرج دلوقتي… لأن اللي بيحصل ده مش مجرد تهديد.”
سكت لحظة.

تم نسخ الرابط