مراتي ماتت

لمحة نيوز

مراتي ماتت من سنين. كل شهر كنت ببعت 300 دولار لأمها... لحد ما اكتشفت الحقيقة...
الإشعار وصل في ميعاده بالظبط زي كل مرةالساعة 9 الصبح في أول يوم في الشهر. ما احتاجتش حتى أبص في الموبايل. أنا عارف هو إيه رسالة من البنك بتأكد إن تحويل ال 300 دولار تم بنجاح....
المستفيد دونيا حماتي. أو بالأصح أم الست اللي كانت في يوم من الأيام حياتي كلها... وبعدين بقت أكبر وجع في قلبي.
عدى خمس سنين وتلت شهور ويومين من ساعة ما مارينا اختفت من حياتي. عمري ما حبيت أقول إنها ماتت رغم إن رخام قبرها البارد كان دايما بيفكرني بالحقيقة اللي ما ينفعش أهرب منها. بالنسبة لي مارينا ما ماتتش. هي بس اختفت وسابت مكانها فراغ فاضي جنبي في السرير وسكوت يخنق في البيت اللي اشتريناه سوا وإحنا مليانين أحلام.
قالوا إن مارينا ماتت في حادثة عربية وهي في الطريق عشان تزور أهلها في بلد ساحلية بتبعد حوالي ست ساعات عن المدينة. تقرير البوليس كان قصير وبارد. التابوت وصل مقفول بسبب

بشاعة الحادثة. العزا عدى وكأنه حلم تقيلوشوش كلها حزن وأحضان كتير بس ولا واحد فيهم وصل لقلبي بجد.
الصورة الوحيدة اللي فضلت محفورة في دماغي كانت صورة أمها دونيا كلاراست صغيرة وضعيفة بتعيط بهستيريا وماسكة في دراعي كأني آخر حاجة واقفة بينها وبين الانهيار.
في عز الحزن ده أخدت عهد على نفسي.
مارينا كانت دايما قلقانة على أمها. دونيا كلارا كانت أرملة عايشة على معاش بسيط قوي وصحتها على قدها. مرة مارينا قالتلينص هزار ونص جد لو حصلي حاجة خلي بالك من ماما.
وأنا واقف جنب القبر والتراب لسه طري بصيت لدونيا كلارا ووعدتها إنها عمرها ما هتحتاج حاجة. قلتلها وأنا بمسح دموعها بإيدي اللي كانت بتترعش ما تقلقيش يا طنط كلارا أنا هخلي بالي منك. كل شهر هبعتلك فلوس للأكل والعلاج. ده اللي مارينا كانت عايزاه.
هزت راسها وهي بتشكرني ورجعت على بلدها.
ومن اليوم ده ومن غير ولا مرة تأخير 300 دولار كانوا بيطلعوا من حسابي كل شهر. المبلغ مش خرافي بس بالنسبة لي كان
مقدسطقس شهري هادي بيربطني بذكرى مراتي. كنت حاسس إن التحويل ده هو الحاجة الوحيدة اللي لسه مخليني جوز كويس واحد وفي بوعده. كأني بقول للدنيا كلها أنا لسه بحبها. ولسه مهتم بالحاجات اللي كانت تهمها.
صحابي قالولي كفاية كده. يا روبيرتو عدى خمس سنين صاحبي جورج كان دايما يقولي وهو قاعد معايا على القهوة. إنت لسه صغير. لازم تعيش حياتك. الست دي مش مسؤوليتك للأبد.
وكنت دايما أرد نفس الرد الموضوع مش أمها... الموضوع مارينا.
بس الدنيا ليها طريقة غريبة تفوقك من الوجع لما تتعود تعيش جواه. كل حاجة اتغيرت في يوم تلات عادي جدا.
جالي جواب من البنكمش كشف حساب عادي لأ مشكلة. حساب دونيا كلارا بقى فيه لخبطة. الفرع اللي كانت بتتعامل معاه قفل والبنك محتاج بيانات جديدة عشان التحويلات تكمل.
اتصلت بالتليفون الأرضي. مفصول. اتصلت بالموبايل اللي كنت شاريهولها من سنتين. بيرن ومحدش بيرد.
قلق غريب مسكنيمش خوف لأ إحساس تقيل كابس على نفسي. قلت لنفسي طب لو جرالها حاجة
استوعبت
ساعتها إني ما كلمتهاش مكالمة بجد من شهور. كلامنا بقى مجرد رسائل شكر سريعة وخلاص. بصيت في الأجندة. عندي رصيد إجازات والمدير كل شوية يقولي خد إجازة. بصيت على مفاتيح العربية فوق الترابيزة.
قلت ليه لأ أروح أزورها. أظبط موضوع البنك بنفسي. أطمن عليها. ويمكن أزور الأماكن اللي مارينا كبرت فيها... يمكن ده يساعدني أقفل الصفحة وأكمل.
ماكنتش أعرف إن الرحلة دي مش هتديني راحة... لكن هتفتح باب على حقيقة عمري ما تخيلتها.
لميت شنطة صغيرة واشتريت حاجات عارف إنها بتحبهاشوكولاتة قهوة نضيفة ومعلبات مستوردةوطلعت على الطريق.
السفر كان طويل ويقبض القلب. وأنا سايق الذكريات شغالة في دماغي ضحكة مارينا الطريقة اللي كانت بتميل بيها راسها وهي بتسمع مزيكا ريحة شعرها اللي كانت شبه الفانيليا. عيطت لوحدي في العربية من غير ما حد يشوفني وسمحت لنفسي أضعف شوية.
وصلت البلد مع الغروب. مكان شكله حلوشوارع حجر بيوت ألوانها مبهجةبس فيه إحساس إن الزمن واقف. ما كنتش جيت
هنا من ساعة
تم نسخ الرابط