غرقوا بنتي في الدهان
غرقوا بنتي في دهان وقالوا هزار… والمدرسة طلبت مني أسكُت، بس هما ماكانوش يعرفوا أبوها كان مين زمان.
في لحظات بتيجي في حياة أي أب أو أم من غير أي إنذار. لحظات قاسية، فاصلة، تحسّسِك إن كل اللي قبلها كان تمهيد، وكل اللي بعدها حساب.
بالنسبة لي، اللحظة دي جات عصر يوم أربع، الساعة كانت 2:17 بالظبط، وأنا واقف على سُلّم في بيت واحد غريب، بصلّح كرانيش السقف في أوضة سفرة، لما التليفون رن.
صوت ست على الطرف التاني قال لي إن بنتي كانت طرف في «حادث».
كلمة باردة… كأن الألم ينفع يتحط له عنوان إداري، وكأن القسوة ورق بيتخزّن في ملف.
اسمي سالم الرويعي.
وأنا مش الشخص اللي الناس تتوقعه لما يشوفوا النجار الهادي اللي بيودّي بنته كل يوم على أكاديمية الهداية الخاصة.
مدرسة شكلها شيك، نجيلها متقصقص، وكل حاجة فيها ماشية بنظام مش مكتوب…
دلوقتي بشتغل في التشطيبات: أبني، أصلّح بلكونات، أرمّم سلالم.
ناس تبتسم لك بأدب، وبعدها تقفل بابها.
ما بشتكيش…
علشان بنتي مريم كانت بتحب كتب المكتبة هناك، وكانت بتحب إزاي مدرسة العلوم بتخلي الكواكب تحسها قريبة، كأنك ممكن تلمسها.
وده كان كفاية أدفن بيه أي كرامة فاضلة جوايا.
لما وكيلة المدرسة اتصلت، ماكانش في صوتها قلق.
كان في صوتها ملل.
قالت لي إن مريم «اتوسّخت شوية»، وإن الأفضل آجي آخدها بسرعة علشان «ما تعكّرش الجو على باقي الطلبة».
ساعتها حسّيت بحاجة باردة وقديمة تتحرك جوا صدري.
الناس اللي بتقلّل من اللي حصل… غالبًا بتبقى مخبّية مصيبة.
سُقت العربية أسرع من اللازم.
شوارع مليانة عربيات غالية، وسياجات متقصّة كأنها معمولة بالمسطرة.
كنت بقنع نفسي:
– عيال، وبيغلطوا.
– ما تكبّرش الموضوع.
– إنت مش الشخص اللي بيتهور زي زمان.
كنت فاكر إن الشخص ده مات من زمان.
لحد ما شوفتها.
مريم كانت واقفة جنب المدخل الجانبي، بعيد عن الباب الرئيسي.
مش واقفة كطفلة… واقفة كأنها عبء.
جسمها كله مغمور بدهان أزرق تقيل، دهان حيطان خارجية.
شعرها، رموشها، جلدها… كله ناشف ومشقّق مع أي حركة.
كانت ساكتة.
ساكتة بشكل يخوّف.
عقلي رفض يصدّق اللي عيني شيفاه.
ما عيّطتش لما شافتني.
ما جريتليش.
بصّت لي بس، وقالت بهدوء غريب:
«بابا… أنا ما كنتش بعرف أتنفس لثانية.»
في اللحظة دي… الزمن وقف.
حسّيت بخشونة الكيماويات الناشفة على خدّها.
ريحة المذيبات حرّقت مناخيري.
ولما سألت: «مين عمل كده؟»
الضحك جا قبل الإجابة.
ضحك طالع من ورا مخزن صالة الألعاب.
تلات عيال واقفين بيصوّروا
أساميهم معروفة لكل المدرسين…
علشان الفلوس دايمًا بتخلّي الأسامي سهلة الحفظ.
رامي الدسوقي، أبوه متبرع بملعب المدرسة.
عمر فؤاد، أمه رئيسة مجلس الأمناء.
زياد مراد، أبوه مستشار قانوني عمره ما خسر قضية.
قالوا: – تحدي.
– ترند.
– هزار.
خدت خطوة ناحيتهم.
ولا جريت، ولا هددت…
بس خطوة كفاية يفهموا إني موجود.
ساعتها المديرة، الدكتورة نهى الشافعي، دخلت بيني وبينهم بثقة واحدة متعودة تمسك زمام الحكاية.
قالت إن أي مواجهة «غير مقبولة»، وإن مريم كانت «خارج نطاق اللعب المسموح».
كأن المكان يبرّر اللي حصل.
وقالت لي بنبرة ناعمة: «التصعيد ممكن يأثر على وضع مريم في المدرسة.»
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
فهمت السلطة بتمشي إزاي هنا.
وفهمت إحنا واقفين فين.
الليل ده، تنظيف الدهان من جسم مريم خد ساعات.
ولما المقص بقى
قالت لي وهي مكسوفة:
«آسفة يا بابا… بوّظت الدنيا.»