يوم ما رجعنا البيت

لمحة نيوز

لها قبل الولادة جنبها.
وبصلي وقال
دلوقتي أنا متأكد.
متأكد من إيه؟
ابتسم وقال
إنها أختي بجد... وأنا هفضل أحميها طول عمري.
حضنته أنا وحسام، وفي اللحظة دي فهمت إن خوف يوسف ماكانش مجرد تصرف طفل.
هو شاف حاجة صغيرة، فهمها بطريقته، وما سكتش عنها.
والأجمل إن خوفه في النهاية كان سببًا في اكتشاف خطأ إداري كان ممكن يفضل سنين من غير ما حد ياخد باله منه.
ومن يومها، كل ما حد يسأله عن أخته الصغيرة، يرد بفخر
دي أختي... وأنا أول واحد اتأكد إنها وصلت البيت الصح. مرت شهور، والموضوع كله بدأ يتحول لذكرى بنضحك عليها.
يوسف بقى متعلق بأخته بشكل كبير، وكان أول ما يسمع صوتها يجري عليها، ويقول
متعيطيش يا لولو، أنا هنا.
لكن في يوم، وأنا برتب دولاب هدومها، لقيت ظرف صغير مستخبي ورا مجموعة البطاطين القديمة.
فتحت الظرف، ولقيت جواه صورة من يوم الولادة.
الصورة كانت عادية جدًا، لحد ما قلبتها على ضهرها.
كان مكتوب بخط اليد
اتأكدوا من العلامة قبل تسليم الطفلة.
اتجمدت مكاني.
ناديت حسام فورًا.
قرأ الجملة وسكت.
قلت له
يعني إيه العلامة؟
قال
ممكن تكون مجرد ملاحظة من المستشفى.
لكن يوسف كان واقف عند باب الأوضة، وسمعنا.
قرب وقال
أنا عارف العلامة.
بصينا له.
قال
العلامة كانت هنا.
وأشار ناحية قدم أخته.
بصينا للطفلة، ولاحظنا علامة صغيرة جدًا على شكل هلال فوق كاحلها.
أنا عمري ما كنت ركزت فيها.
حسام اتصل بالمستشفى مرة تانية، وسأل عن معنى العلامة.
وبعد مراجعة الملف، اكتشفوا إن العلامة دي كانت فعلًا مسجلة ضمن بيانات بنتنا يوم ولادتها.
يعني كل شيء كان سليم.
لكن الغريب إن الصورة اللي لقيناها ماكانتش موجودة في الملف الرسمي.
المستشفى بدأت تحقق في مصدرها، وبعد يومين اتصلوا بينا.
المسؤول
قال
لقينا أصل الصورة.
سألته
فين؟
قال
في أرشيف قسم الأطفال، وكانت محفوظة مع أوراق المتابعة اليومية.
وبعدين قال جملة خلتني أتنفس براحة
الصورة تثبت إن بنتكم كانت تحمل نفس العلامة من أول ساعة بعد الولادة، وده دليل إضافي على إن مفيش أي تبديل حصل.
قفلت المكالمة وأنا بضحك من شدة الراحة.
يوسف كان واقف جنبي.
قلت له
خلاص يا يوسف، انتهت القضية.
ضحك وقال
يعني أقدر أبطل أفتش وراهم؟
قلت
أيوه.
قال
كويس... عشان عندي حاجة أهم.
إيه؟
أشار لأخته.
لازم أعلمها تمشي.
ضحكت، وحضنته.
وبعد سنة، كانت لولو بتجري في البيت، ويوسف وراها وهو بيضحك.
وفي يوم عيد ميلادها الأول، وقف قدام العيلة كلها وقال بفخر
السنة اللي فاتت كنت خايف إنها مش أختي...
وبعدين حضنها وقال
دلوقتي أنا متأكد إنها أختي، وأحلى أخت في الدنيا.
صفقنا وضحكنا.
أما أنا، ففضلت أبص له وأنا بفكر في نفس الجملة
أحيانًا الطفل يشوف حاجة الكبار ما ياخدوش بالهم منها... لكن مش كل حاجة غامضة معناها إن فيه سر مخيف. أوقات الحقيقة بتكون مجرد خطأ صغير، والخوف بيكبره في دماغنا.
ومن يومها، بقى يوسف كل ما يحكي الحكاية يقول
أنا ما كنتش خايف من أختي... أنا كنت خايف عليها.
وساعتها كنت أعرف إن ابني الصغير، رغم سنه، كان عنده قلب أخ كبير فعلًا. مرت سنتين، وكبرت لولو وبقت بتجري في البيت ورا يوسف في كل حتة.
وفي يوم، رجعت من الحضانة ولقيت يوسف قاعد قدامها على الأرض، وممسك لعبة الأرنب القديمة اللي كان حطها في سريرها يوم ما رجعنا من المستشفى.
قربت منهم وقلت
بتعملوا إيه؟
يوسف بصلي وقال
ماما، لولو قالتلي حاجة غريبة.
ضحكت وقلت
هي لسه بتتكلم بالعافية يا يوسف!
قال
عشان كده أنا مستغرب!
قربت منهم، ولقيت لولو ماسكة الأرنب وبتقول كلمة
واحدة
بيبي.
سألته
وإيه الغريب في كده؟
قال
قالتها وهي بتبص على الأرنب، وبعدها راحت ناحية درج معين.
استغربت، ومشينا وراها.
فتحت الدرج الصغير اللي كنت بحط فيه صور الولادة والحاجات القديمة.
مدت إيدها وطلعت ورقة.
أنا اتخضيت.
الورقة كانت نفس الورقة اللي لقيناها قبل كده، لكن كان فيه سطر صغير تحت الجملة القديمة ماكنتش لاحظته.
قرأه حسام بصوت عالي
العلامة الزرقاء على البطانية تخص السرير رقم 6.
بصيت له باستغراب.
بس بنتنا كانت في السرير رقم 4!
يوسف اتسمر مكانه.
ماما...
نعم؟
هو ده نفس السرير اللي أنا شفت عنده البيبي التانية!
سكتنا.
لأول مرة، حسيت إن القصة ممكن يكون فيها جزء إحنا ما فهمناهوش.
اتصل حسام بالمستشفى فورًا.
وبعد مراجعة السجلات، اكتشفوا إن يوم ولادة بنتنا كان فيه نقل مؤقت لبعض الأطفال من سرير لآخر بسبب عطل في جهاز التدفئة.
يعني البطانية والسرير اتغيروا بالفعل، لكن الأطفال نفسهم ما اتبدلوش.
كل حاجة كانت موثقة في سجل التمريض.
يوسف سمع الكلام كله، وبعدها ضحك وقال
يعني أنا شفتهم بينقلوا البيبيات من سرير لسرير، وافتكرتهم بيبدلوا الأطفال!
حسام ضحك وقال
بالضبط.
يوسف حط إيده على رأسه وقال
يا نهار أبيض! وأنا خوفت ماما كل ده!
ضحكت وأنا حضنته.
لأ يا حبيبي، إنت ما خوفتنيش بس... إنت خليتني أتأكد من كل حاجة.
وبعدها بصيت للولو، لقيتها ماسكة الأرنب وبتضحك.
قربت منها وقلت
إنتِ بقى يا ست الكل، طلعتي سبب كل الحكاية دي!
يوسف رد بسرعة
لا يا ماما، أنا السبب!
ضحكنا كلنا.
ومن يومها، بقى يوسف يروي الحكاية لكل حد يعرفه، لكن دايمًا يختمها بنفس الجملة
أنا افتكرت أختي اتبدلت... وفي الآخر اكتشفت إني أنا اللي كنت فاهم غلط.
أما أنا، فكنت كل ما أفتكر خوفه يومها،
أحضنه وأقول
المهم إنك ما سكتش عن حاجة خوفتك.
لأن اللي حصل علّمني درس عمره ما هيروح من بالي
مش كل حاجة شكلها غريب بتكون مصيبة... لكن لما طفل يقول إنه خايف، لازم نسمعه، حتى لو إحنا شايفين إن كلامه مستحيل.
وبكده انتهت حكاية يوسف ولولو...
لكن بدأت بينهم حكاية أجمل بكتير
حكاية أخ صغير قرر من أول يوم إنه يكون حامي أخته الكبيرة... حتى لو كان لسه عنده خمس سنين. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، حصلت حاجة محدش فينا كان متوقعها.
كنت برتب أوضة لولو، ولقيت يوسف واقف قدام صندوق الذكريات القديم.
قال لي
ماما، فاكرة اليوم اللي قلتلك فيه إن لولو مش أختي؟
ضحكت
أنساه إزاي؟
ابتسم وقال
أنا لسه فاكر حاجة ماحكتهاش لك.
قلبي دق بسرعة.
حاجة إيه؟
قعد على الأرض وفتح الصندوق، وطلع منه ورقة صغيرة قديمة.
الورقة دي كانت معايا يومها.
بصيت لها.
كانت ورقة صغيرة من مستشفى، وفي أعلاها رقم الغرفة وتاريخ الولادة.
قلت
دي كانت معاك إزاي؟
قال
وقعت على الأرض لما بابا خدني نجيب العصير، وأنا شلتها عشان كنت فاكر إنها تخص أختي.
قرأنا الورقة، وكانت مجرد ملاحظة تمريضية
تم نقل الطفلة مؤقتًا إلى السرير 6 بسبب فحص جهاز التدفئة، ثم إعادتها إلى السرير 4.
بصيت ليوسف وقلت
أهو ده اللي شوفته!
هز رأسه.
أيوه... بس فيه حاجة تانية.
قلب الورقة.
على ظهرها كان مكتوب اسم ممرضة ورقم داخلي.
حسام أخد الورقة واتصل بالمستشفى، وبعد دقائق عرفنا إن الممرضة دي كانت هي نفسها اللي يوسف شافها وهي بتنقل الأطفال بين الأسرّة.
اتكلمنا معاها في الهاتف.
قالت
أنا فاكرة اليوم ده كويس. كان فيه عطل في جهاز التدفئة، ونقلنا بعض الأطفال مؤقتًا، لكن كل طفل كان عليه سوار إلكتروني وسوار ورقي، وكنا بنراجع البيانات قبل وبعد النقل.

يوسف سألها
يعني أختي عمرها ما اتبدلت؟
ضحكت الممرضة وقالت
ولا ثانية يا بطل.
يوسف تنفس براحة، وبص لأخته اللي كانت بتلعب قدامه.
وقال
الحمد لله.
وبعدين قرب منها
تم نسخ الرابط