بعد ما دفنا زوجى

لمحة نيوز

وراء خوفه على مستقبل أولادنا.
والسبب كان متعلقًا بشخص واحد...
شخص كنت أظن أنه خرج من حياتنا منذ أكثر من عشرين سنة فتحت الدفتر بإيدين بتترعش.
أول صفحة كانت مكتوبة بخط زوجي
ليلى، لو وصلتي للدفتر ده، يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة... من غير ما تخافي.
بلعت ريقي، وكملت القراءة.
من عشرين سنة، وأنا بدأت أول مشروع ليا، كان معايا شريك اسمه سامح. سامح ما كانش مجرد شريك... كان صديق عمري.
توقفت لحظة.
اسم سامح ما كانش غريب عليّ.
كنت أعرفه.
كان رجلًا ظهر في بداية حياتنا، وساعد زوجي في تأسيس الشركة، ثم اختفى فجأة.
كملت القراءة.
سامح اتعرض لأزمة كبيرة، وخسر كل فلوسه. وقتها أنا وليلى قررنا نساعده، من غير ما نطلب منه حاجة في المقابل.
اتسعت عيناي.
أنا كنت فاكرة إن الأموال اللي دفعتها وقتها راحت في إنقاذ الشركة.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
زوجي كان قد أخذ جزءًا من مدخراتنا وساعد بها سامح أيضًا.
ثم كتب
بعدها سامح اختفى، لكن قبل ما يمشي، سلّمني أوراقًا مهمة. قال لي إنه خايف على مستقبل أولاده، وطلب مني أحفظ الأوراق لحد ما يكبروا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلّبت الصفحة.
كان هناك اسم ابني.
ثم اسم ابنتي.
تحت الاسمين كانت هناك أرقام وحسابات قديمة.
اتصلت بالمحامي فورًا.
جاء في صباح اليوم التالي.
وضعت الدفتر أمامه وقلت
أنا عايزة أفهم.
قرأ الصفحات بهدوء.
ثم قال
زوج حضرتك كان عامل صندوقًا استثماريًا قديمًا.
لمين؟
لأولادك.
اتصدمت.
لأولادي؟
هز رأسه.
أيوه. لكن الأموال دي ما كانتش من ميراث أبوهم فقط. جزء منها كان من أرباح الشركة اللي حضرتك ساهمتي في تأسيسها.
جلست وأنا لا أصدق.
طوال السنوات الماضية كنت أظن أن زوجي كان يخفي عني أمورًا كثيرة.
لكن الحقيقة كانت العكس.
كان يحاول تأمين مستقبلنا جميعًا.
سألت المحامي
طيب ليه ما قالش
لهم؟
قال
لأنه كان حاطط شرط.
شرط إيه؟
فتح آخر صفحة.
وكان مكتوبًا
لن يحصل أي واحد من أولادي على نصيبه الكامل إلا عندما يثبت أنه قادر على تحمل المسؤولية، واحترام أمه، وعدم استخدام المال ضد أي فرد من العائلة.
وضعت يدي على وجهي.
ابني كان يريد أخذ البيت والشركة مني.
وكان بذلك قد خالف الشرط بنفسه.
دخل ابني المكتب في نفس اللحظة.
نظر إلى الأوراق.
إيه اللي بيحصل؟
قلت له
أبوك كان مجهزلكم مستقبل كامل.
اقترب.
قرأ الورقة.
ثم جلس على الكرسي وكأنه فقد قدرته على الكلام.
بعد دقائق قال
يعني أنا ضيعت كل ده بإيدي؟
قلت
أنت ما ضيعتش فلوس بس.
سكت.
أنت كنت هتضيع ثقة أبوك فيك.
بدأت دموعه تنزل.
قال
ماما، أنا كنت خايف.
من إيه؟
من إن كل حاجة تقع فوق دماغي بعد وفاة بابا.
نظرت إليه.
لأول مرة رأيت ابني الحقيقي خلف الغضب والطمع والخوف.
قلت
كان ممكن تيجي تقولي ساعديني.
قال
كنت فاكر إنك مش هتقدري.
ابتسمت بحزن.
وأنا كنت فاكرة إنك هتكون أول واحد يسندني.
ساد الصمت.
ثم قام من مكانه.
وقال
أنا غلطت.
اقترب مني.
بس لو لسه في فرصة أصلح...
قلت
الفرصة موجودة.
رفع عينيه.
أعمل إيه؟
أشرت إلى ملفات الشركة.
ابدأ من الصفر.
يعني إيه؟
اشتغل، واتعلم، وخلي أفعالك تثبت إنك تستحق ثقة أبوك.
هز رأسه.
وفي اليوم التالي، بدأ بالفعل.
أما ابنتي، فكانت أول واحدة تساعدني في إعادة ترتيب أوراق الشركة.
ومع مرور الشهور، بدأت أرى أولادي يتغيرون.
لم يعودوا يسألون
هنورث إمتى؟
بل أصبحوا يسألون
إزاي نحافظ على اللي بابا وماما بنوه؟
وفي ذكرى وفاة زوجي الأولى، اجتمعنا أمام قبره.
وقف ابني وقال
سامحني يا بابا.
ثم التفت إليّ.
وشكرًا إنك ما سبتيشني بعد اللي عملته.
وضعت يدي على كتفه.
وقلت
أنا أمك... مش هسيبك.
ثم نظرت إلى قبر زوجي.
وفهمت أخيرًا لماذا ترك لي ذلك
الدفتر.
لم يكن يريد أن يحميني من أولادي.
كان يريد أن يحمي أولادي من أسوأ نسخة ممكنة من أنفسهم.
وبينما كنا نغادر المقبرة، رن هاتف المحامي.
استمع للمكالمة لدقائق.
ثم اقترب مني وقال
مدام ليلى... في خبر لازم تعرفيه.
خبر إيه؟
قال
سامح... شريك زوج حضرتك القديم... ظهر من جديد.
نظرت إليه بدهشة.
سامح عايش؟
هز رأسه.
وأرسل رسالة.
ثم سلّمني ظرفًا صغيرًا.
كان عليه اسمي.
فتحت الظرف.
وفي أول سطر قرأت
ليلى... أنا آسف إني اختفيت كل السنين دي، لكن الوقت جه تعرفي ليه أنا اختفيت فتحت الظرف ببطء.
كانت الورقة قصيرة، لكن كل كلمة فيها كانت كأنها بتفتح بابًا جديدًا من الماضي.
ليلى، أنا ما اختفيتش عشان أهرب منكم. اختفيت لأنني كنت خايف على عائلتي... وخايف إن وجودي يدمّر كل اللي بناه محمود.
رفعت عيني عن الورقة.
قلت للمحامي
هو عايز مني إيه؟
قال
طالب يقابلك.
ترددت.
ثم قلت
موافقة.
في اليوم التالي، ذهبت إلى المكان المتفق عليه.
كان مقهى هادئًا في طرف المدينة.
دخل رجل في أواخر الستينيات، يمشي ببطء، وملامحه تحمل سنوات طويلة من التعب.
أول ما شافني، وقف.
وقال
ليلى؟
قلت
سامح؟
هز رأسه.
جلس أمامي.
وظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال
محمود كان أعز صاحب عندي.
قلت
وأنا كنت فاكرة إنك ظلمته واختفيت.
قال
محمود هو اللي طلب مني أختفي.
اتصدمت.
ليه؟
أخرج من حقيبته ملفًا قديمًا.
وقال
قبل عشرين سنة، اكتشفت إن الشركة كانت داخلة في صفقة خطيرة. كان ممكن تخسر كل حاجة.
فتح الملف.
كانت فيه مستندات تثبت أن هناك أشخاصًا حاولوا الاستيلاء على الشركة بطريقة غير قانونية.
قال
محمود رفض يدخل في أي مشكلة، وطلب مني أخرج من المشروع وأبعد عنكم.
وإنت وافقت؟
وافقت... بشرط واحد.
إيه؟
إنه يحافظ على نصيبك ونصيب أولادك.
نظرت إلى الأوراق.
كان هناك عقد قديم.
وفيه
توقيع زوجي.
ثم قال سامح
أنا اختفيت، لكني ما نسيتش وعدي.
سألته
طيب ليه رجعت دلوقتي؟
ابتسم بحزن.
لأن محمود مات.
سكت.
ثم أضاف
وقبل وفاته بشهر، اتصل بيا.
قلبي انقبض.
قالك إيه؟
قال
قال لي سامح، لو حصل لي حاجة، ساعد ليلى. أولادي لسه محتاجين يتعلموا.
نزلت دموعي.
قلت
كان عارف إنهم ممكن يعملوا كده؟
كان خايف.
ثم أخرج ورقة أخرى.
دي آخر رسالة منه ليا.
فتحتها.
كان مكتوبًا
لو أولادي أخطأوا، ما تعاقبهمش. ساعدهم يفهموا إن اللي بنيناه عمر كامل مش مجرد فلوس.
أغلقت عيني.
كان زوجي يعرف أولادي جيدًا.
لكنه كان يؤمن أنهم قادرون على التغيير.
وفي المساء، حكيت لابني كل شيء.
استمع دون أن يقاطعني.
وبعد ما انتهيت، قال
بابا كان أحسن مني.
قلت
أبوك كان بيغلط زينا كلنا.
بس كان بيفكر فينا.
قلت
وأنت كمان تقدر تفكر في غيرك.
ومن اليوم التالي، بدأ ابني يعمل بجد داخل الشركة.
أما ابنتي، فبدأت تهتم بالجانب الخيري الذي كان والدهما قد أسسه منذ سنوات.
وبعد عدة أشهر، أصبحت الشركة أكثر استقرارًا من أي وقت مضى.
وفي أحد الأيام، جاءني ابني ووضع أمامي ملفًا.
قلت
إيه ده؟
قال
نقلت جزء من الأرباح لمؤسسة خيرية باسم بابا.
ابتسمت.
ليه؟
قال
عشان أفهم إن الفلوس مش ملكنا لوحدنا..
ولأول مرة منذ وفاة زوجي، شعرت أنني لم أفقد عائلتي.
كنت قد خسرت زوجي...
لكنني استعدت أولادي.
وفي مساء هادئ، جلست في الحديقة أمام شجرة كان زوجي قد زرعها قبل سنوات.
جاءت ابنتي وجلست بجانبي.
قالت
ماما؟
نعم؟
لو الزمن رجع... كنتِ هتسامحينا؟
نظرت إليها.
وقلت
المسامحة مش معناها إني أنسى.
ثم ابتسمت.
معناها إني أديكم فرصة تكونوا أحسن.
وضعت رأسها على كتفي.
وبعد لحظات، جاء ابني أيضًا.
جلس بجانبنا.
ولأول مرة منذ سنوات، كنا ثلاثة أشخاص في نفس المكان...
من غير حسابات.
من غير
أوراق.
من غير كلام عن الميراث.
فقط عائلة.
رفعت عيني إلى السماء وقلت في سري
يا محمود... وصيتك وصلت.
وبعدها بأيام، اتصل بي المحامي للمرة الأخيرة.
قال
مدام ليلى، في مستند أخير لازم تشوفيه.
قلت
لسه في مستندات؟!
ضحك.
المرة دي مش من محمود.
من مين؟
سكت
تم نسخ الرابط