بعد ما صفعت زوجتى مرتين
ثماني سنوات حتى أتعلمه
إن الاعتذار لا يمحو الماضي، لكنه قد يكون أول خطوة لبناء مستقبل أفضل.
أما الصفعتان اللتان ظننت يومًا أنهما مجرد لحظة غضب...
فقد علمتاني أن بعض اللحظات لا تنتهي عندما تنتهي.
بل تظل تنتظر منك أن تتغير مرت سنتان على اليوم الذي عادت فيه أمل لزيارة أمي دون خوف.
كانت علاقتهم أصبحت هادئة، لكن أمل ظلت محافظة على حدودها، وأنا كنت أول واحد يحترمها.
في أحد الأيام، رجعت من الشغل متأخرًا، فوجدت أمل تنتظرني.
قالت
ماجد، لازم نتكلم.
جلست أمامها.
في إيه؟
وضعت أمامي ظرفًا أبيض.
ده وصل النهارده.
فتحته.
كانت أوراقًا رسمية تخص البيت القديم.
قرأت أول صفحة، ثم رفعت عيني إليها.
أمي باعت البيت؟
هزت رأسها.
لا.
ثم قالت
هي تنازلت عن نصيبها فيه.
توقفت.
لمين؟
أشارت إلى اسمي.
ليك أنت وراشد.
شعرت بالدهشة.
ليه عملت كده؟
قالت أمل
قالت إنها مش عايزة البيت يبقى سبب خلاف بينكم تاني.
سكتُّ.
ثم اتصلت بأمي.
إيه اللي عملتيه ده؟
قالت بهدوء
أنا عشت عمري كله فاكرة إن البيت هو اللي بيديني قيمة.
ثم سكتت.
لكن اكتشفت إن القيمة في الناس اللي جوه البيت.
شعرت بغصة في حلقي.
قلت
بس ده حقك.
ردت
أنا خدت حقي من الدنيا كتير يا ابني... دلوقتي عايزة أديكم حاجة بدل ما أفضل آخد.
في اليوم التالي، ذهبت إليها أنا وأمل وجود.
كانت جالسة في الشرفة.
قالت لأمل
أنا عايزاكي تاخدي مفتاح البيت القديم.
تفاجأت أمل.
أنا؟
أيوه.
ثم أضافت
مش عشان تعيشي فيه.
ضحكت أمل.
أكيد مش هعيش فيه.
ضحكت أمي لأول مرة من قلبها.
خليه مفتوح لجود. لو حبت تزوره في يوم، يبقى بيت جدتها، مش المكان اللي حصلت فيه مشكلة زمان.
نظرت أمل إليّ.
ثم قالت
أنا موافقة.
وبالفعل، احتفظت أمل بالمفتاح.
لكنها لم تدخل البيت وحدها.
بعد عدة أشهر، اصطحبت جود إليه.
دخلت الصغيرة وهي تنظر حولها بفضول.
قالت
ماما، هو ده البيت اللي كنتي بتحكي عنه؟
أمل نظرت إليها.
أيوه.
إنتِ كنتي زعلانة هنا؟
سكتت أمل لحظة.
ثم قالت
كنت زعلانة جدًا.
أمسكت جود يدها.
بس دلوقتي خلاص.
ابتسمت أمل.
أيوه... خلاص.
وقفت عند باب غرفة المعيشة.
نظرت إلى المكان الذي شهد أسوأ لحظة في حياتها.
ثم أغلقت عينيها لثوانٍ.
وعندما فتحتهما، لم تكن هناك دموع.
كان هناك هدوء.
قالت جود
يلا يا ماما.
ابتسمت أمل.
يلا.
خرجتا من البيت.
وفي الخارج كنت أنتظرهما.
ركبت أمل السيارة، وجلست بجانبي.
قلت
ارتحتِ؟
نظرت من النافذة وقالت
أيوه.
متأكدة؟
التفتت إليّ.
المرة دي أنا اللي قررت أرجع.
فهمت معنى كلامها.
ثماني سنوات كاملة، كنت أنا أطلب منها العودة.
أما الآن، فقد عادت لأنها هي اختارت.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن الماضي فعلًا أصبح خلفنا.
لكن في تلك الليلة، وصلني اتصال من راشد.
صوته كان مختلفًا.
قال
ماجد... لازم تعرف حاجة.
إيه؟
لقيت تسجيل قديم من يوم المشكلة.
تجمدت.
تسجيل إيه؟
قال
تسجيل من كاميرا الصالة.
سكتُّ.
ثم سألته
يعني إيه؟
رد
يعني إن فيه حاجة حصلت قبل ما ترفع إيدك على أمل... وإحنا كلنا نسيناها.
شعرت بقلبي ينقبض.
إيه الحاجة دي؟
قال راشد
اسمع التسجيل الأول... وبعدها هتفهم ليه أمل سكتت كل السنين دي.
وأغلق الهاتف.
نظرت إلى أمل، التي كانت تجلس بجانبي.
ولأول مرة، شعرت أن وراء ذلك اليوم سرًا لم أعرفه حتى الآن ذهبت إلى بيت راشد في نفس الليلة.
كان جالسًا أمام جهاز الكمبيوتر، وملامحه متوترة.
قال
التسجيل ده لقيته بالصدفة وأنا بنقل ملفات قديمة.
ضغط زر التشغيل.
ظهرت صورة غرفة المعيشة.
كانت أمي جالسة، ووالدي على الأريكة، وراشد واقفًا قرب المطبخ.
ثم ظهرت أمل.
كنت أسمع صوتها بوضوح
أنا مش هقبل إن جود تتعامل كأنها أقل من أي طفل لمجرد إنها بنت.
رفعت رأسي.
نظرت إلى راشد.
جود؟
هز رأسه.
أكمل التسجيل.
كانت أمي تقول
إنتِ جاية تعلميني أربي حفيدتي؟
ردت أمل
أنا أمها. ومن حقي أحميها.
ثم قالت أمي جملة جعلتني أشعر بالخزي
لو مش عاجبك كلامي، خدي بنتك وامشي.
توقفت الصورة للحظة.
ثم عاد الصوت.
كنت أسمع نفسي أرفع صوتي
خلاص يا أمل، كفاية.
ردت أمل
لا يا ماجد، المرة دي مش هسكت.
ثم قالت
أنا مش هسمح إن جود تكبر وهي فاكرة إن قيمتها أقل لأنها بنت.
توقفت.
أغلقت عيني.
الآن فهمت.
في ذلك اليوم، لم يكن الخلاف بسبب أمر تافه كما كنت أقنع نفسي طوال السنوات الماضية.
أمل كانت تدافع عن ابنتنا.
ثم ظهر في التسجيل صوت ارتطام الطبق بالأرض.
وبعدها مباشرة...
سمعت صوت الصفعتين.
وضعت يدي على وجهي.
لم أستطع الاستمرار في المشاهدة.
قال راشد
في جزء تاني.
نظرت إليه.
في إيه؟
قال
بعد ما أمل خرجت.
شغّل التسجيل.
ظهر صوت أمي وهي تقول
هي اللي اختارت تمشي.
ثم جاء صوت أبي.
كان غاضبًا جدًا
إنتِ فاهمة عملتي إيه؟
قالت أمي
ما عملتش حاجة.
رد أبي
إنتِ كسرتي بيت ابنك.
ثم قال جملة لم أنسها بعدها
لو ماجد عرف الحقيقة، مش هيقدر يسامحك.
توقفت الصورة.
نظرت إلى راشد.
أبويا كان عارف.
أيوه.
وكان عارف إن أمل كانت بتدافع عن جود.
أيوه.
شعرت بدموعي تنزل.
لكنني لم أبكِ على
أمي.
بكيت على نفسي.
لأنني طوال ثماني سنوات كنت أعتقد أن أمل هي التي بالغت.
بينما الحقيقة أنها كانت تحاول حماية ابنتنا من كلام جارح.
أخذت الهاتف واتصلت بأمل.
ردت.
قلت
أمل... أنا سمعت التسجيل.
سكتت.
ليه ما قولتيليش؟
قالت بهدوء
كنت مستنية اليوم اللي تسأل فيه بنفسك.
بس كان من حقك تقولي.
كنت لو قلتلك وقتها، كنت هتشوفني بحاول أوقع بينك وبين أمك.
لم أجد ردًا.
قالت
أنا ما كنتش عايزة جود تكبر وهي شايفة إن أمها سبب المشاكل.
قلت
وأنا ظلمتك.
أيوه.
كانت أول مرة تقولها بهذه الصراحة.
ثم أضافت
لكن يا ماجد، أنا مش عايزة أعيش باقي عمري وأنا شايلة غضب.
قلت
وأنا مش عايزك تشيلي حاجة.
سكتت.
ثم قالت
يبقى اعمل حاجة واحدة.
قولي.
خلي جود تعرف إنها عمرها ما كانت أقل من أي حد.
نظرت إلى ابنتنا.
كانت تقف بعيدًا وتضحك وهي تتحدث مع جدتها عبر الهاتف.
قلت
أوعدك.
وفي اليوم التالي، جلست مع جود.
قلت لها
عايزك تعرفي حاجة مهمة.
نظرت إليّ.
إيه يا بابا؟
قلت
إنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك تستحقي الحب.
ابتسمت.
أنا عارفة.
ضحكت.
ماما
نظرت إلى أمل.
كانت واقفة عند باب الغرفة.
ابتسمت لها.
وفي تلك اللحظة أدركت أن أمل لم تكن تنتظر اعتذارًا جديدًا.
كانت تنتظر فقط أن يصبح البيت الذي نبنيه مكانًا لا تضطر فيه ابنتنا يومًا للدفاع عن حقها في أن تكون