زقيت باب الشقه
المحتويات
محتاجة علاج، وإنت كنت بعيد، وأنا ما حبيتش أحطك تحت ضغط.
استغربت.
أمك؟
هزت رأسها.
أمي كانت مريضة، وأنا كنت بين علاجها ومتابعة علاج والدتك.
اتصدمت.
إنتِ كنتِ بتعالجي أمي وأمك في نفس الوقت؟
أيوه.
نزلت عيني للأرض.
أنا ما كنتش أعرف حتى إن حماتي مريضة.
قالت بهدوء
كنت كل يوم أروح من مستشفى لمستشفى، وأرجع أطبخ، وأتابع والدتك، وأخلص شغل البيت.
وأنا كنت فاكر إن كل حاجة ماشية.
ابتسمت ابتسامة موجوعة.
دي مشكلتك يا أحمد.
سكتت.
وبعدين قالت
لكن في حاجة تانية.
رفعت عيني.
إيه؟
قالت
قبل ما أمشي من البيت، اكتشفت إن والدتك كانت بتخبي عنك حاجة.
اتجمدت.
ماما؟
أيوه.
بتخبي إيه؟
منى بصتلي مباشرة.
العلاج بتاعها كان متوقف من شهرين.
إزاي؟
لأنها رفضت تاخد فلوسك.
ليه؟
لأنها كانت بتقول إن الفلوس دي لازم تفضل معاك.
سكت.
ما فهمتش.
منى كملت
وكانت بتطلب مني أنا أدفع.
وإنتِ كنتِ بتدفعي؟
أيوه.
من فلوسك؟
من فلوسي ومن مدخراتي.
حسيت بالصدمة.
طب ليه ما قالتليش؟
قالت
لأنها كانت خايفة إنك تسيب شغلك وتسافرش.
نزلت عيني.
وأنا أصلًا كنت مسافر.
بالضبط.
وبعدين قالت جملة هزتني
أمك كانت شايفة إن وجودك في الشغل أهم من وجودك في البيت.
سكتنا.
بعد لحظات سألتها
طيب وإيه علاقة ده بطلاقنا؟
منى قامت واتجهت ناحية درج صغير.
طلعت منه ملف.
وحطته قدامي.
افتحه.
فتحته.
كان فيه إيصالات، وتحويلات بنكية، ومراسلات.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر ورقة.
كانت ورقة مكتوبة بخط أمي.
قرأتها.
وكان مكتوب فيها
يا منى...
لو أحمد سأل، قولي له إن العلاج غالي وإنك مش قادرة تدفعي.
ما تقوليش له إني أنا اللي طلبت منك تخبي عليه.
هو لازم يركز في شغله.
لو رجع من السفر دلوقتي، ممكن يخسر المشروع.
وأنا مش عايزة أكون السبب.
رفعت عيني لمنى.
ليه ما وريتيهاليش من الأول؟
قالت
كنت عايزة أحميها.
حتى بعد ما طلبت الطلاق؟
أيوه.
سكت.
فجأة حسيت إن كل غضبي من أمي اختفى.
وبداله ظهر إحساس أصعب.
الذنب.
أمي كانت بتحاول تحميني بطريقتها.
ومنى كانت بتحاول تحمي أمي.
وأنا...
كنت الشخص الوحيد اللي ما كانش فاهم حاجة.
بصيت لمنى.
العملية إمتى؟
قالت
بعد أسبوع.
وهتعمليها؟
أيوه.
وأنا هكون معاكي.
هزت رأسها.
مش محتاجاك تدفع.
أنا مش جاي أدفع.
بصتلي.
قلت
أنا جاي أقف جنبك.
سكتت.
وبعدين قالت
أحمد...
نعم؟
الوقوف جنبي دلوقتي مش هيصلح كل حاجة.
عارف.
والطلاق لسه قائم.
عارف.
وأنا مش مستعدة أرجع.
أغمضت عيني لحظة.
ثم قلت
مش هطلب منك ترجعي.
استغربت.
أمال إيه اللي جابك؟
قلت
عايز أكون إنسان أفضل، حتى لو مش هتكوني مراتي.
فضلت ساكتة.
ولأول مرة شفت في عينيها حاجة مختلفة.
مش حب.
لكن احترام.
وقبل ما أمشي، نادتني
أحمد.
لفيت.
قالت
في حاجة لازم تعرفها قبل العملية.
إيه؟
قالت
أنا مش هعمل العملية هنا.
أمال فين؟
في القاهرة.
ليه؟
سكتت لحظة.
ثم قالت
لأن الدكتور اللي هيتابع حالتي هو نفس الدكتور اللي بيعالج والدتك.
اتجمدت.
ماما كانت بتتعالج عنده؟
أيوه.
طب ليه قالتلي إن علاجها وقف؟
منى بصتلي وقالت
لأنها كانت بتحضر لك مفاجأة.
مفاجأة إيه؟
قالت
هي باعت جزء من الأرض اللي كانت باسمها...
سكتت.
علشان تدفع تكاليف العملية بتاعتك.
وقتها حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
أمي كانت بتخبي عني مرضها...
ومنى كانت بتخبي عني تضحيّتها...
وأنا كنت فاكر إني الوحيد اللي شايل مسؤولية البيت.
لكن الحقيقة كانت أقسى.
أنا كنت أقل واحد عارف عن الناس اللي بيحبوني رجعت القاهرة وأنا طول الطريق مش قادر أفكر في حاجة غير كلام منى.
أمي باعت جزء من أرضها علشان تساعدني في علاج منى؟
وليه كل الناس كانت بتحاول تحميني وأنا حتى ما كنتش عارف أحميهم؟
أول ما وصلت البيت، لقيت أمي قاعدة مكانها.
دخلت من غير ما أتكلم.
بصتلي وقالت
لقيتها؟
هزيت راسي.
أيوه.
وشها اتغير.
قالتلك إيه؟
قعدت قدامها وطلعت الورقة من جيبي.
حطيتها على الترابيزة.
إنتِ بعتي الأرض؟
سكتت.
ماما، أنا بسألك.
قالت بصوت ضعيف
أيوه.
ليه؟
علشان منى.
طب ليه ما قولتيليش؟
بصتلي بحزن.
كنت عايزة أساعدها من غير ما تحس إنها عبء عليك.
بس أنا كنت لازم أعرف!
كنت خايفة تسيب شغلك وتيجي.
ضحكت بمرارة.
وإيه اللي كان أهم من مراتي وأمي؟
ما ردتش.
قربت منها وقلت
أنا ضيعت أربع شهور وأنا فاكر إن أهم حاجة إني أنجح في الشغل.
قالت
كنت فاكرة إني بحميك.
وإنتِ كنتِ بتخبي عني الحقيقة.
دموعها
سامحني.
قعدت جنبها.
لأول مرة من سنين، مسكت إيد أمي وحسيت إنها صغيرة وضعيفة.
قلت
أنا مش زعلان منك.
بصتلي.
بس زعلان من نفسي.
سكتنا فترة.
وبعدين سألتها
منى كانت بتدفع علاجك من فلوسها؟
هزت رأسها.
أيوه.
وكانت بتروح للدكاترة معاك؟
أيوه.
وكانت بتتابع أكلك ودواءك؟
أيوه.
حطيت إيدي على وشي.
وأنا كنت فين؟
أمي قالت
كنت بتحاول تبني مستقبل.
رديت
المستقبل اللي ما فيهوش الناس اللي بحبهم مالوش قيمة.
في اليوم التالي، روحت لمستشفى الدكتور.
دخلت على منى.
كانت قاعدة في غرفة الانتظار.
أول ما شافتني، قالت
إنت جيت؟
أيوه.
ليه؟
علشان موعد العملية.
قالت
أنا كنت هقولك.
وأنا كنت هاجي حتى لو ما قولتيش.
ابتسمت لأول مرة.
لكن ابتسامتها اختفت بسرعة.
دخل الدكتور ونادى علينا.
شرح لنا تفاصيل العملية، وطلب بعض الفحوصات الأخيرة.
وبعد ما خرج، بصيت لمنى.
أنا هفضل هنا.
قالت
أحمد، إحنا لسه مطلقين.
عارف.
ومش معنى إنك واقف جنبي إن كل حاجة رجعت.
عارف.
وممكن بعد العملية ما نرجعش لبعض.
سكت لحظة.
ثم قلت
حتى لو حصل، أنا مش هسيبك لوحدك في الوقت ده.
بصتلي طويلًا.
وقالت
يمكن دي أول مرة أحس إنك فهمت.
بعد يومين، دخلت منى غرفة العمليات.
وأنا كنت واقف بره مع أمي.
مرّت ساعة.
ثم ساعتان.
ثم ثلاث.
كنت بمشي في الممر ذهابًا وإيابًا.
أمي قالت
اقعد يا أحمد.
قلت
مش قادر.
بعد فترة طويلة خرج الدكتور.
وقفنا بسرعة.
قال
العملية تمت بنجاح والحمد لله.
أغمضت عيني من شدة الارتياح.
أمي بكت.
وأنا لأول مرة من سنين، بكيت من غير ما أحاول أخبي دموعي.
بعد يومين، سمحوا لنا ندخل عند منى.
كانت ضعيفة، لكنها واعية.
قربت منها.
حمد لله على السلامة.
قالت
الله يسلمك.
أمي مسكت إيدها.
وقالت
سامحيني يا بنتي.
منى ابتسمت.
على إيه يا ماما؟
على كل حاجة.
منى هزت رأسها.
خلاص.
خرجت أمي.
فضلت أنا ومنى لوحدنا.
قلت
عندي سؤال.
اسأل.
ليه سيبتيلي حكم الطلاق؟
بصت للسقف.
لأن القرار كان لازم يبقى رسمي.
ولو رجع الزمن؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
كنت هطلب منك حاجة واحدة.
إيه؟
اسألني قبل ما تشتغل... قبل ما تسافر... قبل ما تاخد قرار.
نزلت عيني.
قلت
ولو طلبت منك فرصة؟
بصتلي.
فرصة لإيه؟
إني أثبتلك إن الإنسان ممكن يتغير.
قالت بهدوء
التغيير مش كلام يا أحمد.
عارف.
والرجوع مش قرار يوم واحد.
عارف.
محتاج وقت.
ابتسمت.
وأنا مستعد للوقت.
سكتت.
وبعدين قالت
طيب نبدأ من الأول.
قلبي دق بسرعة.
يعني إيه؟
قالت
مش كزوج وزوجة.
سكتت لحظة.
نبدأ كاتنين كانوا بيحبوا بعض، وضيعوا الطريق... ويحاولوا يلاقوه من جديد.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
وقلت
موافق.
لكن وأنا خارج من المستشفى، وصلني اتصال من المحامي.
قال
أستاذ أحمد، في حاجة لازم تعرفها.
إيه؟
قال
حكم الطلاق صدر بناءً على مستندات معينة... وفي مستند ظهر دلوقتي ما كانش موجود وقت القضية.
مستند إيه؟
صمت لحظة.
ثم قال
مستند ممكن يغيّر موقف القضية بالكامل.
وقفت مكاني.
مين قدمه؟
قال
منى.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الحكاية لسه ما خلصتش...اتجمدت وأنا ماسك الموبايل.
مستند منى؟
المحامي قال
أيوه.
وبيثبت إيه؟
مش هينفع أشرحلك في التليفون. تعالى المكتب.
قفلت المكالمة، ورجعت للمستشفى.
لقيت منى قاعدة على السرير، وأمي جنبها.
بصيت لمنى.
المحامي كلمني.
وشها اتغير.
قالك إيه؟
قال إنك قدمتي مستند جديد في قضية الطلاق.
سكتت.
ليه؟
قالت بهدوء
لأن المستند ده كان لازم يظهر من البداية.
إيه هو؟
مدت إيدها ناحية حقيبتها، وطلعت ورقة مطوية.
دي.
فتحتها.
كانت شهادة من المستشفى، ومعاها تقرير يثبت إن منى كانت محتاجة تدخل جراحي عاجل وقت ما كنت مسافر.
بصيتلها.
دي كانت موجودة من قبل القضية؟
أيوه.
طب ليه ما قدمتيهاش؟
قالت
لأن المحامي سألني وقتها إنتِ عايزة تطلقي بسبب إيه؟
سكتت لحظة.
قلتله بسبب الإهمال.
طب والتقرير؟
كان ممكن يخلي الموضوع يتحول لمعركة أكبر، وأنا ما كنتش عايزة أدمرك.
بصيتلها باستغراب.
تدمريني؟ أنا اللي ظلمتك.
قالت
عشان كده قدمته دلوقتي.
ليه؟
لأنك لازم تعرف الحقيقة كاملة.
جلست قدامها.
قالت
أنا ما رفعتش قضية الطلاق علشان أعاقبك.
أمال؟
علشان أصحيك.
سكت.
كنت شايفة إنك بتجري طول الوقت ورا الشغل، وبتأجل كل حاجة تخص البيت لبعدين.
بصتلي في عيني.
كنت خايفة إن بعدين دي تيجي وما يبقاش عندنا وقت.
الكلمة وجعتني.
قلت
وأنا فهمت.
هزت رأسها.
لأ، لسه.
لسه إيه؟
لأنك لحد دلوقتي بتفكر في الحكم.
بصتلي بهدوء.
أنا مش عايزة منك تحاول تلغي حكم الطلاق.
اتصدمت.
ليه؟
لأن الورقة مش هي اللي هتحدد إذا كنا هنرجع لبعض.
أمال إيه؟
اللي هتعمله من النهارده.
سكت.
كانت أول مرة أفهم إن منى ما كانتش بتحارب علشان تنتصر عليا.
كانت بتحاول تنقذ نفسها.
وتنقذني من نسخة أسوأ من نفسي.
بعد أسبوع، خرجت منى من المستشفى.
وأول حاجة عملتها كانت إنها رجعت بيت أمي.
لكنها ما
متابعة القراءة