زقيت باب الشقه

لمحة نيوز

زقيت باب الشقة وأنا شايل شنطتي، بعد غياب أربع شهور كاملة.
كنت راجع من سفر طويل بسبب مشروع شغل اتأخر بشكل كبير، وكل اللي كان في دماغي وقتها إني أشوف مراتي منى وأمي، وأعوضهم عن الفترة اللي قضيتها بعيد عن البيت.
لكن أول ما دخلت، حسيت إن في حاجة غلط.
الشقة كانت هادية بشكل غريب.
المخدات مرمية على الأرض، أطباق أكل جاهز فوق السفرة، وعلب أدوية مفتوحة في كل مكان.
منى كانت مستحيل تسيب البيت بالشكل ده.
ناديت بصوت عالي
ماما؟
محدش رد.
ناديت تاني
يا ماما، إنتِ فين؟
مشيت ناحية الصالة، وهناك شفتها.
أمي كانت قاعدة على كرسيها المتحرك جنب البلكونة.
وقفت مكاني.
شكلها صدمني.
كانت خست بشكل واضح، وشعرها مبعثر، ووشها شاحب، وملامحها مرهقة كأنها ما نامتش كويس من شهور.
قربت منها بسرعة.
ماما! مالك؟
رفعت عينيها وبصتلي فترة طويلة، وبعدين قالت بصوت مبحوح
لسه فاكر طريق البيت يا ابني؟
ابتسامتي اختفت.
أنا آسف يا ماما والله غصب عني. المشروع خلص بالعافية، وأنا كنت ببعتلكم فلوس كل شهر.
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة وجع.
الفلوس؟
أيوه.
وإنت فاكر إن البيت كان محتاج فلوسك بس؟
سكت.
قعدت جنبها وسألتها
منى فين؟
وشها اتغير.
مش هنا.
يعني راحت فين؟
مشيت.
اتخضيت.
مشيت إزاي؟ هي كويسة؟
أمي بصتلي وقالت
كويسة بس قررت تبدأ حياتها من جديد.
مش فاهم.
مدت إيدها ناحية درج صغير جنبها، وطلعت ملف أزرق.
حطته قدامي.
افتح.
فتحت الملف، وأول ورقة شفتها خلتني أتجمد.
كان قرار رسمي بالطلاق.
اسمي مكتوب.
واسم منى تحته.
رفعت عيني لأمي وأنا مش مستوعب.
إيه ده؟
قالت بهدوء
حكم طلاقك.
منى رفعت قضية؟
أيوه.
طب ليه؟!
بصتلي باستغراب.
إنت فعلًا مش عارف؟
عارف إيه؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
عشان الأربع شهور اللي غبتهم ما كانوش مجرد سفر بالنسبة لها.
حسيت بقلبي بيقبض.
قصدك إيه؟
أمي فتحت درج تاني، وطلعت مجموعة أوراق.
طول الفترة اللي إنت كنت فيها بره، منى كانت هنا.
يعني إيه؟
كانت بتروح الشغل، وترجع تهتم بيا، وتروح للدكتور، وتجيب العلاج، وتتابع كل حاجة في البيت.
بصيت للأوراق.
كانت إيصالات علاج، وتحاليل، ومواعيد دكاترة.
طب ما أنا كنت ببعت فلوس.
الفلوس وصلت.
سكتت.


بس اللي ما وصلش كان إنت.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
أنا كنت فاكر إن كل حاجة ماشية.
قالت
ودي كانت أكبر غلطة عملتها.
بصيت حواليا.
فجأة بدأت أفهم ليه البيت بقى فاضي بالشكل ده.
هي أخدت حاجتها كلها؟
كلها.
حتى صورنا؟
أيوه.
طب قالتلك هتطلقني؟
أمي هزت رأسها.
قالتلي إنها مش عايزة تفضل مرتبطة بواحد كل ما تحصل مشكلة يهرب للسفر والشغل.
نزلت عيني للأرض.
أنا فعلًا كنت بعمل كده.
كل ما يحصل خلاف بيني وبين منى، كنت أهرب في الشغل.
كنت فاكر إن توفير الفلوس كفاية.
فاكر إن الزوج الناجح هو اللي يدفع مصاريف البيت وخلاص.
لكنني اكتشفت متأخر جدًا إن وجودي نفسه كان أهم من أي مبلغ.
رفعت رأسي بسرعة.
هي فين دلوقتي؟
أمي ردت
مش عارفة.
لازم أعرف.
ليه؟
سكت.
ما لقيتش إجابة.
يمكن لأول مرة فهمت إن منى مش ملكي.
وإنها لما اختارت تمشي، ما كانش من حقي أمنعها.
لكن قبل ما أقوم، أمي مدت إيدها بالظرف الأبيض.
استنى.
بصيتلها.
إيه ده؟
قالت
دي آخر حاجة منى سابتها ليك.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب قصير.
إيدي ارتعشت وأنا بفتحه.
قرأته
أحمد...
أنا مش ماشية عشان أكرهك.
أنا ماشية عشان تعبت من إني أكون موجودة في حياتك، لكن مش موجودة في حساباتك.
أربع شهور فهموني حاجة واحدة...
إن الإنسان ممكن يفضل يحب حد جدًا، وفي نفس الوقت يعرف إنه ما ينفعش يكمل معاه.
أميّز بين الغضب والقرار.
وأنا المرة دي مش غضبانة.
أنا أخدت قرار.
متدورش عليّ علشان ترجعني غصب.
لو في يوم حبيت تعرف ليه وصلت للقرار ده، افتكر كل مرة احتجتك فيها وما كنتش موجود.
مش هطلب منك فلوس.
ومش هطلب منك اعتذار.
كل اللي بطلبه إنك تتعلم.
مش عشاني...
علشان نفسك.
فضلت ماسك الورقة وأنا مش قادر أتكلم.
أمي بصتلي وقالت
كنت فاكر إنك لما ترجع هتلاقي كل حاجة زي ما سيبتها.
رفعت عيني ليها.
قالت
بس يا ابني... بعض الناس لما نسيبهم لوحدهم فترة طويلة، بيتعلموا يعيشوا من غيرنا.
وفي اللحظة دي، لأول مرة من أربع شهور، حسيت إن سفري ما كانش المشكلة الحقيقية.
المشكلة كانت إني كنت موجود في حياة منى بجسمي...
لكن غايب عنها بقلبي واهتمامي.
والحكم اللي كان في إيد أمي...
ما كانش مجرد ورقة طلاق.
كان
نتيجة أربع سنين من الأخطاء، وأربع شهور من الغياب، وقرار امرأة تعبت من الانتظار.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها...
إن منى كانت مخبية عني سببًا آخر جعلها تترك كل شيء بهذه السرعة.
وسبب لو عرفته قبل سفري...
كان ممكن يغيّر حياتنا كلنا فضلت واقف ماسك جواب منى، وبعيده قدامي مرة واتنين.
الجملة الأخيرة ما كانتش بتخرج من دماغي
في سبب آخر...
بصيت لأمي.
ماما، إنتِ عارفة السبب؟
سكتت.
عارفة ليه منى مشيت؟
أمي نزلت عينيها للأرض.
أعرف جزء.
جزء إيه؟
بس وعدتها إني ما أقولكش.
اتعصبت.
وعدتيها؟! دي مراتي!
ردت بهدوء
كانت مراتك.
الكلمة وجعتني.
قعدت على الكرسي المقابل ليها.
طيب قوليلي على الأقل... هي كانت بتخبي إيه؟
أمي مدت إيدها ناحية شنطة صغيرة جنب الكرسي.
طلعت منها ظرف بني.
ده منى سابتهولي قبل ما تمشي.
فتحته بسرعة.
جواه تقرير طبي.
بصيت للاسم.
منى عبد الرحمن.
وتحت الاسم نتيجة مجموعة فحوصات.
حسيت إن إيدي بردت.
هي كانت تعبانة؟
أمي هزت رأسها.
من فترة.
ليه ما قالتليش؟
قالتلك.
رفعت عيني لها.
إمتى؟
يوم ما كنت مسافر المرة الأولى.
افتكرت.
فعلاً...
قبل سفري بأيام، منى كانت قاعدة قدامي وساكتة بشكل غريب.
قالتلي وقتها
أحمد، ممكن تأجل السفر يومين؟
وأنا كنت مستعجل.
قلت لها
المشروع أهم يا منى، يومين دول ممكن يضيعوا علينا شغل كتير.
قالت
أنا محتاجاك جنبي.
رديت بعصبية
هو أنا كل ما أسافر لازم تحسسيني إني سايبك لوحدك؟
وساعتها سكتت.
أنا اللي كنت فاكر إنها زعلانة من السفر.
لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تقولي إنها محتاجاني لسبب أكبر.
بصيت لأمي.
التقرير ده فيه إيه؟
قالت
منى كانت محتاجة عملية.
اتجمدت.
عملية؟
أيوه.
وعملت العملية؟
لأ.
ليه؟
أمي بصتلي بحزن.
استنتك.
نزلت الورقة من إيدي.
استنتني؟
قالت إنها مش هتعمل أي خطوة كبيرة في حياتها من غير ما تعرف إنك واقف جنبها.
حسيت إن صدري ضاق.
وأنا كنت فين؟
أمي ما ردتش.
أنا عرفت الإجابة.
كنت بعيد.
مش لأن السفر كان ضروري طول الوقت...
لكن لأني كنت فاكر إن كل مشكلة ممكن تستنى.
وقفت فجأة.
أنا لازم ألاقيها.
أمي قالت
لو لقيتها، ما تضغطش عليها.
مش هضغط.
ووعدني بحاجة.
إيه؟
لو قالتلك
إنها مش عايزة ترجع، تقبل.
سكت.
وبعد لحظات سألت
تعرفي هي راحت فين؟
أمي فتحت درجها وأخرجت ورقة صغيرة.
قالتلي إنها هتروح مكان كانت بتحلم تعيش فيه من زمان.
بصيت للعنوان.
كان اسم قرية صغيرة على البحر.
المكان اللي كنا زرناه في أول سنة جوازنا.
المكان اللي منى قالتلي وقتها
نفسي في يوم أعيش هنا... بعيد عن الزحمة.
كنت ضحكت وقتها وقلت لها
لما نبقى أغنيا أوي.
ابتسمت.
لكنها دلوقتي راحت هناك لوحدها.
أخذت مفاتيحي ونزلت بسرعة.
وأثناء الطريق، كنت براجع كل لحظة بينا.
أول يوم اتجوزنا.
أول بيت.
أول خناقة.
أول مرة مرضت فيها أمي ومنى فضلت جنبها.
وأول مرة أنا اخترت الشغل على حسابها.
كل حاجة كانت بتتجمع في دماغي كأن حد بيعرض حياتي قدامي.
بعد ساعات، وصلت للقرية.
سألت عن اسمها.
ولأول مرة من يوم رجوعي، سمعت جملة خلت قلبي يقف
أيوه، منى هنا.
بصيت للرجل اللي قدامي.
فين؟
أشار ناحية بيت صغير قريب من البحر.
مشيت ناحيته.
وقفت قدام الباب.
رفعت إيدي...
وخبطت.
مرّت ثواني.
الباب اتفتح.
كانت منى واقفة قدامي.
وشها كان أهدى من آخر مرة شفتها فيها.
لكن أول ما عينيها وقعت عليا، اتجمدت.
قالت
إنت عرفت مكاني إزاي؟
قلت بصوت منخفض
أمي قالتلي.
سكتت.
وبعدين قالت
ليه جيت؟
بصيت في عينيها.
ولأول مرة ما حاولتش أبرر.
قلت
عشان أعتذر.
هزت رأسها.
الاعتذار مش هيرجع الأربع شهور.
قلت
عارف.
ومش هيغير اللي حصل.
عارف.
ومش هيخلي الحكم يختفي.
سكت.
وبعدين قلت
عارف.
دمعت عينيها.
أمال جاي ليه؟
رديت
عشان لو كان فاضل في حياتنا يوم واحد بس... ما أضيّعوش بنفس الغلطة.
فضلت ساكتة.
وبعد لحظات، فتحت الباب أكثر وقالت
ادخل.
دخلت.
لكنني ما كنتش أعرف إن الكلام اللي هتقوليهولي بعد لحظات...
هيخليني أكتشف إن سبب طلبها للطلاق لم يكن المرض وحده.
كان فيه سر آخر...
سر يتعلق بأمي نفسها دخلت البيت وقعدت على الكرسي اللي قدامها.
منى فضلت واقفة شوية، وبعدين قفلت الباب وقعدت بعيد عني.
كان بينا صمت تقيل.
قلت
ماما قالتلي إنك كنتِ محتاجة عملية.
هزت راسها.
صحيح.
ليه ما قولتيليش؟
ضحكت بحزن.
قلتلك.
إمتى؟
قبل سفرك بأسبوع.
افتكرت كلامها فعلًا.
افتكرت إنها قالتلي
أنا محتاجاك جنبي.
وأنا رديت عليها وقتها
هخلص المشروع وأرجع.
حطيت إيدي على وشي.
أنا آسف.
قالت
أنا مش زعلانة إنك سافرت.
رفعت عيني لها.
أمال؟
زعلانة إنك ما سألتش حتى أنا محتاجاك ليه.
سكت.
قالت
بعد ما سافرت، نتيجة التحاليل ظهرت.
وكانت العملية ضرورية؟
أيوه.
طب ليه ما عملتيهاش؟
سكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت
لأن أمي كانت
تم نسخ الرابط