الليلة

لمحة نيوز

الليلة التي سبقت إعلان خطوبتنا اختفى طارق، وبعد أربع سنوات عاد وهو يظن أنني ما زلت أنتظره!
في الليلة التي سبقت إعلان خطوبتنا رسميًا، كان طارق الشافعي يجلس أمامي في حديقة منزل عائلته، بينما كانت أصوات الاستعدادات للحفل تصلنا من الداخل.
بعد سنوات من الانتظار، كان الغد هو اليوم الذي ستعلن فيه عائلتانا رسميًا ارتباطنا.
كنت سعيدة.
بل كنت أظن أنني وصلت أخيرًا إلى اللحظة التي حلمت بها منذ سنوات.
نظر طارق إليّ طويلًا، ثم قال
يارا بكرة هتكوني رسميًا خطيبتي.
ضحكت.
أخيرًا.
لكنه لم يضحك.
كان هناك شيء غريب في عينيه.
شيء جعل ابتسامتي تختفي.
سألته
مالك؟
أخذ نفسًا عميقًا.
لو حصل أي حاجة غريبة بكرة أو حتى بعد بكرة عايزك تثقي فيا.
عبست.
يعني إيه حاجة غريبة؟
هز رأسه.
ولا حاجة مجرد إحساس.
ثم أمسك يدي وقال
وعديني إنك مهما سمعتي، متحكميش عليّ قبل ما تسمعي الحقيقة مني.
نظرت إليه باستغراب.
طارق، أنت بتخوفني.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
بكرة هقولك كل حاجة.
لم أعرف وقتها ماذا كان يقصد.
ولم أتخيل أنني لن أراه في اليوم التالي.
في السادسة صباحًا، استيقظت على صوت أمي وهي تطرق باب غرفتي بعنف.
يارا! اصحي بسرعة!
فتحت الباب مذعورة.
في إيه؟
كانت أمي شاحبة الوجه.
قالت
طارق سافر.
حدقت فيها.
سافر فين؟
جدة.
ليه؟
لم تجب.
فتحت هاتفي بسرعة.
وجدت رسالة منه أُرسلت قبل ساعات
يارا، أنا آسف. اضطررت للسفر فجأة. متحاوليش تدوري ورايا دلوقتي. أوعدك إني هشرح لك كل حاجة لما أرجع.
اتصلت به.
هاتفه مغلق.
اتصلت مرة أخرى.
ثم ثالثة.
لا رد.
ذهبت إلى منزل عائلته.
وجدت والدته تبكي.
سألتها
طنط، طارق سافر ليه؟
مسحت دموعها.
والله يا يارا، أنا نفسي مش فاهمة.
مين كان معاه؟
ترددت.
ثم قالت
سارة.
توقفت.
سارة بنت خاله؟
أومأت.
شعرت بالارتباك، لكنني لم أشعر بالغيرة.
كنت أعرف سارة منذ سنوات.
كانت علاقتها بطارق عائلية بحتة.
قلت
طيب ليه سافر معاها؟
خفضت عينيها.
كان لازم يساعدها في موضوع مهم.
موضوع إيه؟
لم تجب.
وهنا بدأ الشك.
ليس في طارق
بل في السبب الحقيقي وراء اختفائه.
مرت الأيام.
ثم الأسابيع.
وطارق لم يعد.
كان يرسل رسالة كل فترة.
أنا بخير.
متقلقيش.
لسه الموضوع مخلصش.
وفي كل مرة أسأله
إمتى راجع؟
كان يجيب
قريب.
لكن ذلك القريب استمر أربع سنوات.
خلال السنوات الأربع، تغيرت حياتي.
لم أعد أنتظر.
لم أعد أعيش على أمل عودته.
بدأت عملي، بنيت حياتي، وتعلمت أن بعض الأبواب عندما تُغلق لا يجب أن نقضي أعمارنا أمامها.
لكنني لم أنسَ شيئًا واحدًا.
آخر جملة قالها لي
مهما حصل، متحكميش عليّ قبل ما تسمعي الحقيقة.
كنت أظن أن الحقيقة تخص سفره.
لكنني لم أكن أعرف أن ما أخفاه عني كان أكبر بكثير.
بعد أربع سنوات، عاد طارق إلى القاهرة.
وصلتني دعوة من والدته لحفل عودته.
وفي أسفل الدعوة

كانت جملة مكتوبة بخط يدها
يارا لازم تيجي. طارق رجع علشان يقولك الحقيقة.
لم أكن أريد الذهاب.
لكنني ذهبت.
كانت القاعة مزدحمة.
ثم دخل طارق.
كان مختلفًا.
أكثر نضجًا.
أكثر هدوءًا.
لكن عينيه كانتا تحملان إرهاق أربع سنوات كاملة.
ظل يبحث بين الحاضرين.
حتى وجدني.
توقف.
وكأن الزمن عاد إلى الوراء.
اقترب مني.
يارا.
أجبته بهدوء
أهلًا يا طارق.
ابتسم.
لسه زعلانة مني؟
قلت
لا.
تفاجأ.
بس كده؟
أربع سنين كفاية علشان الواحد يتعلم يبطل يستنى.
اختفت ابتسامته.
قال
أنا عارف إني ظلمتك.
ليه سافرت؟
سكت.
سارة كانت معاك ليه؟
نظر حوله.
ثم قال
علشان نحمي شخصًا كان في خطر.
مين؟
قبل أن يجيب، جاء رجل مسرعًا وهمس في أذنه.
تغير وجه طارق.
نظر إليّ.
يارا لازم أمشي.
أمسكت بذراعه.
مش بعد أربع سنين.
قال
الموضوع أخطر مما تتخيلي.
إذن فهمني.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
الشخص اللي كنت بحاول أحميه طول الأربع سنين مش سارة.
أمال مين؟
اقترب مني وهمس
أنتِ.
وفجأة
انطفأت أنوار القاعة.
تعالت صرخة.
ثم دوّى صوت ارتطام قوي.
وعندما عادت الأنوار
كان طارق قد اختفى.
لكن هذه المرة
اختفى معه ملف أسود كان يحمله.
على الأرض، بجوار المكان الذي كان يقف فيه، وجدت ورقة صغيرة.
كانت مكتوبًا عليها بخط يده
لو اختفيت مرة تانية، متدوريش ورايا إلا لو كنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة.
رفعت عيني.
وفجأة ظهرت سارة أمامي.
كانت شاحبة.
قالت
يارا لازم تمشي من هنا.
إنتِ عارفة طارق فين؟
أيوه.
إذن قولي!
قالت
طارق خرج من الباب الخلفي.
مع مين؟
سكتت.
ثم قالت
لوحده.
تجمدت.
لوحده؟
أومأت.
هو طلب مني أقولك حاجة واحدة.
إيه؟
اقتربت مني وهمست
متثقيش في أي حد من عائلة الشافعي.
ثم تركتني وخرجت.
في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
كانت صورة قديمة.
طارق يقف أمام مبنى في جدة.
وبجواره سارة.
وخلفهما رجل آخر.
كان حمزة الشافعي، الأخ الأكبر لطارق.
وتحت الصورة جملة
لو عايزة تعرفي ليه طارق اختفى، اسألي حمزة عن اللي حصل في الليلة السابقة لسفره.
ذهبت إلى منزل عائلة الشافعي.
دخلت مكتب حمزة.
وضعت الصورة أمامه.
إيه اللي حصل ليلة سفر طارق؟
نظر إلى الصورة.
ثم أغلق عينيه.
كنت أتمنى إنك متعرفيش.
أنا عرفت كفاية.
فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا قديمًا.
كان اسمي مكتوبًا عليه.
يارا.
مددت يدي.
قال
الرسالة دي كان طارق كاتبها لك من أربع سنين.
فتحتها.
كان مكتوبًا
يارا، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك.
رفعت عيني.
أحمي من إيه؟
قال حمزة
من شخص كان بيراقبك.
تجمدت.
مين؟
قبل أن يجيب
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل
طارق.
فتح المكالمة.
جاء صوت طارق متوترًا
حمزة خلي يارا تخرج من البيت فورًا.
ليه؟
لأنهم عرفوا إنها قرأت الرسالة.
ثم انقطع الاتصال.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا سيارة تتوقف أمام
المنزل.
ثم خطوات تقترب من الباب.
أطفأ حمزة الأنوار.
قال
متتكلميش.
تحرك نحو مكتبه، وضغط على مكان سري في الحائط.
انفتح باب مخفي.
من هنا.
نظرت إليه.
إنت عندك مخرج سري؟
قال
لأن عيلتنا عندها أسرار أكتر مما تتخيلي.
خرجنا من الممر الخلفي.
وأثناء سيرنا، وصلني إشعار.
رسالة من طارق
يارا، أوعي تثقي في حمزة بالكامل.
نظرت إلى حمزة الذي كان يسير أمامي.
ثم وصلت رسالة ثانية
هو مش عدوك لكنه مش قادر يقولك كل الحقيقة.
وصلنا إلى مكان آمن.
هناك أخبرني حمزة أن والدي كان يعرف جزءًا من القضية.
لكن القضية لم تكن تخص أموالًا أو ميراثًا كما كنت أعتقد.
كانت تخص مشروعًا ضخمًا تعرض للسرقة قبل سنوات، واختفت معه مستندات تثبت تورط مجموعة من رجال الأعمال.
والدي كان أحد الأشخاص الذين ساعدوا في حماية تلك المستندات.
لكن أخطر شيء
أن اسمي ظهر داخل أحد الملفات.
ليه اسمي؟
قال حمزة
لأن المستندات اتسجلت باسم شركة كانت والدتك شريكة فيها.
أمي؟
أومأ.
وحد حاول يستخدم اسمك علشان يوصل للمستندات.
بدأت أفهم لماذا كان طارق يحاول حمايتي.
لكن بقي سؤال واحد
طيب ليه اختفى أربع سنين؟
نظر حمزة إلى الأرض.
لأنه كان بيدور على الشخص اللي سرق المستندات.
ولقاه؟
رفع عيني نحوي.
أيوه.
توقفت أنفاسي.
مين؟
قبل أن يجيب
وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول.
لو عايزة تعرفي مين الشخص اللي خان ثقة عائلتك روحي للمخزن القديم في شارع النخيل.
في منتصف الليل، ذهبت إلى المخزن.
كان المكان مهجورًا.
دخلت بحذر.
وجدت صندوقًا معدنيًا.
فتحته.
كان بداخله الملف الأسود الذي اختفى مع طارق.
لكن طارق لم يكن هناك.
فتحت الملف.
وجدت عشرات الأوراق.
ثم وجدت صورة.
كانت لثلاثة أشخاص
والدي.
والد طارق.
ورجل ثالث لم أعرفه.
على ظهر الصورة كُتب
الثلاثة اتفقوا على حماية الحقيقة.
ثم وجدت ورقة أخرى.
وفي أسفلها توقيع واضح.
توقيع طارق.
لكن التاريخ كان قبل اختفائه بيوم واحد.
قرأت الجملة
إذا حدث لي شيء، لا تثقوا في الشخص الذي يحمل المفتاح.
رفعت رأسي.
في نفس اللحظة سمعت صوتًا خلفي
لقيتيه.
استدرت.
كان طارق.
واقفًا عند باب المخزن.
قلت
أنت!
اقترب مني.
كان لازم أرجع قبل كده.
ليه مخبي كل ده؟
علشان أحميك.
ومن مين؟
لم يجب.
ثم قال
من شخص قريب منك.
مين؟
وقبل أن ينطق
انطفأت أنوار المخزن.
وسمعنا صوت باب يُغلق من الخارج.
ثم صوت رجل يقول
أخيرًا اجتمعتوا.
نظر طارق إليّ.
وقال
يارا مهما حصل، متبعديش عني.
ثم سمعنا صوت المفتاح يدور في الباب.
وكان واضحًا أن الشخص الذي أغلق علينا
كان يعرف طارق جيدًا تحت أمرك، هنكمل من نفس اللحظة، والتشويق هيزيد من غير ما نوصل للنهاية.
استدار طارق نحوي فورًا، وكأنه فهم من نبرة الصوت أن الخطر أصبح أقرب مما توقعنا.
قال بصوت منخفض
يارا، مهما سمعتي متفتحيش الباب.
لكن الصوت من الخارج
عاد
طارق أنت عارف إن الهروب مش هيغير حاجة.
اقترب حمزة من الباب، ثم أشار لنا أن نبتعد.
سألته هامسة
مين ده؟
لم يجب.
وفجأة جاء صوت الرجل من الخارج
حمزة قول لها الحقيقة قبل ما أقولها أنا.
تغير وجه حمزة.
نظرت إليه.
أي حقيقة؟
ظل صامتًا.
صرخت
إنتوا لسه هتخفوا عني؟!
قال طارق
مش دلوقتي.
لا، دلوقتي!
ثم نظرت إلى الباب.
أنا عايزة أعرف مين اللي واقف بره.
قال حمزة
الرجل ده كان شريك والدك.
تجمدت.
إيه؟
وكان آخر شخص شاف والدك قبل وفاته.
شعرت بقشعريرة.
يعني هو عارف الحقيقة؟
قال طارق
هو مش بس عارف الحقيقة هو جزء منها.
وفجأة انفتح الباب بعنف.
تراجعنا جميعًا.
دخل رجل في الخمسينات من عمره.
كان يحمل حقيبة جلدية قديمة.
نظر إليّ مباشرة.
ولم يقل شيئًا.
ثم وضع الحقيبة على الطاولة.
وقال
أنتِ شبه أمك جدًا.
توقفت أنفاسي.
إنت تعرف أمي؟
ابتسم بحزن.
أعرفها أكثر مما تتخيلي.
تقدم طارق خطوة.
إنت وعدت إنك مش هتقرب منها.
رد الرجل
وأنا ما قربتش منها.
ثم أشار إليّ.
هي اللي قربت من الحقيقة.
سألت
اسمك إيه؟
قال
كمال.
تبادل طارق وحمزة نظرة سريعة.
فهمت فورًا أن الاسم ليس غريبًا عليهما.
إنت كنت شريك أبويا؟
أومأ.
كنت شريكه.
ثم صحح
وصديقه.
قلت
إذن قول لي ليه أبويا مات؟
تغير وجهه.
والدك لم يمت بسبب المرض.
ساد الصمت.
إيه؟
نظر إلى طارق.
قول لها.
طارق هز رأسه.
كمال، كفاية.
لكن الرجل قال
أربع سنين وأنت بتحاول تحميها من الحقيقة، والنتيجة إنهم وصلوا لها برضه.
ثم فتح حقيبته.
أخرج مجموعة أوراق قديمة.
ووضعها أمامي.
والدك مات لأنه رفض يسلمهم المستندات.
نظرت إلى الأوراق.
كانت تحمل توقيعات وأسماء كثيرة.
لكن أحد الأسماء كان محاطًا بدائرة حمراء.
قرأت الاسم.
ثم شعرت بصدمة.
حمزة؟
رفعت عيني إليه.
كان حمزة واقفًا في مكانه.
إنت كنت متهم؟
قال بسرعة
لا.
تدخل طارق
الاسم مش معناه إنه متورط.
كمال ابتسم.
هو مش متورط.
ثم نظر إلى حمزة.
لكنه كان يعرف.
صرخت
يعرف إيه؟
لم يجب حمزة.
اقتربت منه.
بص في عيني وقول لي.
رفع رأسه.
كنت أعرف إن والدك كان تحت المراقبة.
ومخبي عليّ؟
كنت أحاول أحميك.
زي طارق؟
لم يرد.
التفتُّ إلى طارق.
وأنت؟
قال
كنت أعرف.
ضحكت بمرارة.
يعني كل الناس كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي عايشة في الظلام!
قال طارق
لأنك لو عرفتي وقتها، كانوا هيستخدموك للوصول لينا.
سألت
مين هم؟
كمال قال
دي أهم نقطة.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
الشخص اللي كان بيحرك كل ده مش غريب عنكم.
نظرت إليه.
مين؟
قال
شخص قريب جدًا من عائلتك.
توقفت أنفاسي.
وقبل أن يقول الاسم، اهتز هاتف طارق.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
سألته
مين؟
أعطاني الهاتف.
كانت هناك صورة وصلت إليه منذ لحظات.
صورة لوالدتي.
كانت جالسة في مكان لم أعرفه.
وتحت الصورة رسالة
لو عايزينها تفضل عايشة هاتوا يارا لوحدها.
شعرت
بأن الدم تجمد في عروقي.
أمي عايشة؟!
لم يجب أحد.
صرخت
أمي عايشة؟!
قال طارق
أيوه.
بدأت دموعي تنزل.
فين؟
قال كمال
في المكان اللي أخفيناها فيه من أربع سنين.
ليه؟
نظر إليّ طويلًا.
لأنها كانت الشاهدة الوحيدة على اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها طارق.
تجمدت.
لكن طارق كان موجودًا معي في الليلة دي.
قال كمال
أيوه.
ثم أضاف
وعلشان كده في حاجة واحدة لازم تعرفيها.
اقترب مني.
طارق لم يكن الشخص اللي اختفى أولًا في تلك الليلة.
نظرت إليه.
يعني إيه؟
قال
قبل ما طارق يسافر شخص آخر
تم نسخ الرابط