اختى تجاهلت 127 مكلمه

لمحة نيوز

وكل واحد فيهم عنده حكاية مع المكان.
وقف مدير المستشفى على المنصة وقال
النهارده بنفتتح وحدة جديدة لعلاج أمراض قلب الأطفال، وقررنا يكون اسمها وحدة صوفيا، لأن قصتها كانت سبب في مبادرة أنقذت حياة أطفال كتير.
دوّى التصفيق في القاعة.
أما أنا، فبصيت لصورة صوفيا المعلقة عند المدخل، وافتكرت ضحكتها.
حسيت إن وجودها لسه مالي المكان.
بعد انتهاء الحفل، جه طفل عنده حوالي عشر سنين.
ناولني وردة بيضا وقال
أنا اتعالجت هنا السنة اللي فاتت.
ابتسمت وربتّ على كتفه.
قال وهو بيضحك
لما أكبر... هبقى دكتور قلب.
ضحكت وسط دموعي وقلت
وأنا متأكدة إنك هتبقى دكتور شاطر.
الطفل جري يلعب مع أصحابه، وسيب وراه ضحكة خلت المكان كله ينور.
بصيت لفانيسا، كانت واقفة بعيد، بتتابع الأطفال بابتسامة هادية.
اقتربت مني وقالت
كل يوم بدعي إن ربنا يغفر لي.
مسكت إيدها لأول مرة من سنين.
وقلت
اللي حصل عمره ما هيتنسى... لكن طول ما في أطفال بيرجع لهم الأمل، يبقى ذكرى صوفيا بتعمل خير كل يوم.
نزلت دموعها، لكنها كانت دموع امتنان، مش دموع يأس.
رفعنا عينينا للسما في نفس اللحظة.
وكأننا بنقول لصوفيا
وعدك وصل... وذكراك هتفضل سبب في إنقاذ قلوب كتير.
ومن يومها، بقى كل طفل يخرج متعافي من وحدة صوفيا، يزرع وردة في حديقة صغيرة قدام المبنى.
ومع مرور السنين، امتلأت الحديقة بالورود...
وصار كل من يمر بجوارها يعرف أن طفلة صغيرة، لم يعش قلبها طويلًا...
لكن حبها، وذكراها،
ورحمتها...
أعطت الحياة لقلوبٍ لا تُحصى.
تمت. بعد مرور عشر سنوات...
كنت ماشية في ممرات المستشفى، بعد ما بقيت أشارك كل سنة في الاحتفال بالأطفال اللي اتعافوا.
وأنا خارجة، سمعت حد بينادي
طنط إيما!
لفيت، ولقيت شابة في أوائل العشرينات بتجري ناحيتي.
أول ما وصلت، حضنتني وقالت
يمكن حضرتك متعرفنيش... أنا ليلى.
افتكرتها في نفس اللحظة.
كانت أول طفلة اتعالجت من صندوق صوفيا.
ابتسمت وهي بتقول
أنا النهارده خلصت كلية الطب... واتعينت هنا طبيبة امتياز.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لها
صوفيا كانت هتفرح بيكي.
ردت بابتسامة دافية
أنا كل يوم بدخل المستشفى، ببص على صورتها وأفتكر إن حياتي كانت هتكون مختلفة لولاها.
وفي نفس اليوم، اتعمل احتفال صغير.
مدير المستشفى أعلن إن عدد الأطفال اللي استفادوا من صندوق صوفيا تجاوز خمسة آلاف طفل.
القاعة كلها وقفت تصقف.
أما أنا، فبصيت لصورتها المعلقة على الحائط وهمست
شايفة يا حبيبتي؟... الخير اللي بدأ باسمك كبر، وبقى حياة لآلاف الأطفال.
وأنا خارجة، وقفت في الحديقة.
الورود كانت مالية المكان.
والأطفال بيجروا ويضحكوا.
ابتسمت وأنا حاسة إن وجع السنين اتحول لرحمة.
لأن الإنسان ممكن يرحل...
لكن أثره الطيب يفضل عايش في كل قلب لمسه بالخير.
رفعت عيني للسما، وقلت بهدوء
نمّي في سلام يا صوفيا...
إنتِ علمتينا إن الحب الحقيقي عمره ما بينتهي، وإن الذكرى الجميلة تقدر تغيّر العالم، حتى بعد الرحيل بسنين
طويلة.
وهكذا انتهت الحكاية...
ليس بحزنٍ فقط...
ولا بندمٍ فقط...
بل بأملٍ وُلد من قلب طفلة صغيرة، فصار حياةً لآلاف الأطفال، ورسالةً خالدة تقول
كل عمل خير، مهما كان صغيرًا، قد يصنع معجزة في حياة إنسان.
تمت. بعد خمسة وعشرين عامًا...
لم أعد أزور المستشفى كضيفة...
بل أصبحت أشعر أنها بيتي الثاني.
كل طبيب هناك كان يعرف قصة صوفيا.
وكل ممرضة جديدة كانت تسمع حكايتها في أول يوم عمل، لتتذكر دائمًا أن وراء كل ملف طبي طفلًا ينتظر اهتمامًا، وأسرةً تتمسك بالأمل.
في صباح أحد الأيام، دعاني مدير المركز إلى قاعة الاجتماعات.
قال وهو يبتسم
في مفاجأة صغيرة.
دخلت، فوجدت عشرات الشباب والفتيات يقفون في صف واحد.
بعضهم أطباء.
وبعضهم مهندسون.
وبعضهم مدرسون.
وبعضهم آباء وأمهات يحملون أطفالهم.
قال المدير
كل الموجودين هنا اتعالجوا في مركز صوفيا.
ساد الصمت.
ثم بدأوا يتقدمون واحدًا تلو الآخر.
كل واحد منهم كان يقول جملة واحدة
أنا عايش بسبب الفرصة اللي أخدتها هنا.
أنا حققت حلمي.
أنا بقيت أب.
أنا بقيت أم.
أنا بقيت أنقذ غيري.
لم أستطع حبس دموعي.
شعرت أن صوفيا موجودة بيننا...
تضحك بنفس ضحكتها البريئة.
ثم تقدمت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ست سنوات.
وضعت في يدي وردة بيضاء، وقالت
ماما قالتلي إن دي كانت الوردة المفضلة عند البطلة صوفيا.
ابتسمت، وربتّ على رأسها.
وسألتها
ولما تكبري... نفسك تبقي إيه؟
قالت بثقة
دكتورة قلوب.
ضحك الجميع.
أما
أنا، فرفعت بصري إلى السماء وقلت في سري
شايفة يا صوفيا...
كل حلم صغير حلمتي بيه، بقى حلم ناس كتير.
وفي المساء، غادرت المركز ببطء.
وقفت أمام اللافتة الكبيرة المكتوب عليها
مركز صوفيا لعلاج أمراض قلب الأطفال.
لمست الاسم بأطراف أصابعي، وابتسمت.
ثم همست آخر همسة
القصة بدأت بطفلة كانت تنتظر أمها...
وانتهت بآلاف الأطفال اللي لقوا حد يقف جنبهم.
ومشيت...
بينما ظل صوت ضحكات الأطفال يملأ المكان، وكأنه يؤكد أن الحب الصادق لا ينتهي، بل يظل يعيش في كل قلب يصنع فيه أثرًا.
النهاية الحقيقية. بعد أربعين عامًا...
كنت قد تجاوزت السبعين من عمري.
أصبحت خطواتي أبطأ، لكنني لم أتوقف يومًا عن زيارة مركز صوفيا.
في ذلك الصباح، جاءتني رسالة من إدارة المركز تدعوني لحضور احتفال خاص.
دخلت القاعة مستندة إلى عصاي، فوجدت المئات ينتظرون.
أطفال تعافوا.
شباب كبروا.
وأطباء كانوا يومًا مرضى صغارًا.
وقف المدير على المنصة وقال
اليوم نعالج الطفل رقم خمسين ألف.
ارتفع التصفيق، لكنني لم أسمع شيئًا.
كنت أنظر فقط إلى صورة صوفيا المعلقة في صدر القاعة.
نفس الابتسامة...
نفس العينين المليئتين بالبراءة.
اقترب مني طفل صغير كان قد خرج لتوه من غرفة العمليات.
أمسك يدي وسألني
هي صوفيا كانت حقيقية؟
ابتسمت، ونزلت دمعة هادئة على خدي.
وقلت
أيوه يا حبيبي...
كانت طفلة صغيرة...
لكن قلبها كان أكبر من عمرها.
ابتسم الطفل وقال
يبقى أنا هبقى زيها... وأساعد الناس.

احتضنته، وشعرت أن السنوات الطويلة لم تذهب سدى.
وقبل أن أغادر، طلب مني المدير أن أزيح الستار عن تمثال صغير في مدخل المركز.
شددت
تم نسخ الرابط