اختى تجاهلت 127 مكلمه

لمحة نيوز

أختي تجاهلت 127 مكالمة وأنا بنتها عندها 8 سنين كانت بتموت في المستشفى.
ولما وصلت الجنازة...
كانت نازلة من تاكسي المطار، سمر البحر باين عليها، وشايلة شنطة سفر كبيرة، كأنها راجعة من إجازة، مش جاية تودع بنتها الأخيرة.
المقابر كلها سكتت.
كانت لابسة فستان أبيض خفيف ونظارة شمس كبيرة، وشكلها ما كانش مستوعب اللي حصل.
بصتلي وهي بتجري وقالت
اتأخرنا بسبب الطيارة... فين صوفيا؟
بصيتلها بهدوء وقلت
جوا النعش.
اختفى اللون من وشها في لحظة، واتراجعت خطوة وهي بتبص للنعش بعينين مليانين صدمة.
آخر ساعات صوفيا في المستشفى كانت كلها سؤال واحد
ماما جاية؟
البنت وقعت في المدرسة بسبب مضاعفات مرض القلب اللي كانت بتتعالج منه من سنين.
أنا اللي كنت باخدها للدكاترة، وأتابع علاجها، وأقعد جنبها بعد كل عملية.
أما أمها...
فكانت دايمًا مشغولة بالسفر، والسهر، والهروب من أي مسؤولية.
المستشفى اتصلت بيها 59 مرة.
وأنا اتصلت بيها 68 مرة.
ولا مكالمة واحدة ردت عليها.
آخر رسالة بعتها لها كانت
صوفيا ممكن ما تعيشش للساعة الجاية.
لكنها ما ردتش.
وقبل ما صوفيا تموت، مسكت إيدي وقالت بصوت هادي
قولي لماما... أنا ماكنتش خايفة.
دي كانت آخر وصية طلبت مني أوصلها.
وقفت أختي قدام قبر بنتها وهي بتقول بصوت متقطع
والله... موبايلي كان ضاع، ولما رجعته كان فات الأوان.
بصيتلها من غير غضب، وقلت
التفسير هيكون بعد الدفنة.
لكن قبل

ما أوصل الجنازة، كنت جمعت كل حاجة...
تذاكر السفر.
إيصالات الفندق.
وكشف الحساب البنكي.
كلها بتثبت إنها كانت في رحلة ترفيهية مخططة من شهور، واختارت تكملها رغم كل محاولات الوصول ليها.
ولما خلصت الدفنة، وقفت قدام الكل وقلت
النهارده دفنا صوفيا... وبكرة لازم نواجه الحقيقة، عشان ما يتكررّش اللي حصل مع طفل تاني.
ثم مشيت... وسيبت الصمت يقول كل اللي الكلمات ما قدرتش تقوله.
يتبع...في اليوم التاني، اجتمعت العيلة كلها في بيت أبويا.
كان محدش بيتكلم.
الهدوء كان تقيل، وكأن كل واحد مستني يسمع الحقيقة من صاحبتها.
دخلت فانيسا وهي وشها شاحب، وعينيها من كتر العياط بقت حمرا.
أبويا بص لها وقال بهدوء
إحنا مش عايزين أعذار... إحنا عايزين نفهم.
قعدت وهي ماسكة إيديها وبتقول بصوت مكسور
أنا كنت فاكرة إن حالتها مستقرة... والدكاترة قالوا قبل السفر إنها أحسن.
قاطعتها وأنا حطيت قدامها تقرير المستشفى.
قلت
آخر تقرير قبل سفرك بيومين كان بيقول إن حالتها محتاجة متابعة دقيقة، وإن أي تدهور لازم تتنقل المستشفى فورًا.
فضلت تبص للورق وهي ساكتة.
أمي انفجرت في البكاء وقالت
يعني بنتك كانت محتاجاك... وإنتِ اخترتي تسافري؟
نزلت دموع فانيسا لأول مرة من غير ما تحاول تبرر.
قالت
كنت تعبانة... كنت حاسة إني مخنوقة من المسؤولية. قلت أسبوع واحد هرجع بعده.
قلت لها بهدوء
الأسبوع ده كان عمر صوفيا كله.
ساد صمت طويل.
بعد دقائق،
طلعت ممرضة من المستشفى كانت حضرت بناءً على طلب مني.
حطت قدامنا كيسًا صغيرًا شفافًا.
وقالت
دي كانت حاجات صوفيا.
جواه كان دبدوب صغير، وساعة أطفال، ورسمة مطوية.
فتحت الرسمة.
كان فيها بنت صغيرة ماسكة إيد ست كبيرة، ومكتوب بخط طفولي
أنا وخالتي.
أمي غطت وشها بإيديها وفضلت تعيط.
أما فانيسا، فحضنت الرسمة وبكت بحرقة وهي بتردد
سامحيني يا صوفيا... سامحيني.
لكن مفيش صوت رد.
مفيش غير صدى الندم اللي ملي البيت كله.
بعد الاجتماع، خرجت فانيسا لوحدها.
ومن اليوم ده، بطلت كل سفراتها، واستقالت من شغلها، وبدأت تروح كل أسبوع تتطوع في قسم قلب الأطفال بنفس المستشفى اللي فقدت فيه بنتها.
مكنتش بتدور على مدح من حد.
كانت بتحاول تعيش باقي عمرها وهي تعمل أي خير يمكن يخفف عنها إحساس الذنب.
أما أنا...
فكنت كل أسبوع أزور قبر صوفيا، وأحكي لها عن الأطفال اللي بيتعالجوا، وعن الناس اللي لسه فاكراها.
وفي كل مرة أمشي، كنت أردد نفس الجملة
إنتِ ما كنتيش مجرد طفلة... إنتِ علمتينا إن دقيقة اهتمام ممكن تنقذ عمر كامل.
يتبع...مرّت الشهور ببطء...
وفانيسا كانت بتروح المستشفى كل يوم تقريبًا بعد شغلها التطوعي.
في البداية، كان العاملون هناك بيبصلها باستغراب، لكن مع الوقت شافوا إنها كانت تعمل في صمت.
كانت تشيل الأطفال، وتقرأ لهم قصص، وتساعد الأمهات اللي بيسهروا جنب أولادهم، من غير ما تحكي لحد مين هي، ولا ليه بقت
موجودة كل يوم.
في يوم، دخلت أوضة طفلة عندها سبع سنين كانت بتستنى عملية قلب.
الطفلة ابتسمت وقالت
ممكن تمسكي إيدي؟ أنا خايفة.
اتجمدت فانيسا مكانها.
افتكرت صوفيا...
وافتكرت آخر مرة بنتها سألت فيها
ماما جاية؟
مسكت إيد الطفلة وهي بتحاول تمنع دموعها.
وقالت بابتسامة هادئة
أنا معاكي... ومش همشي.
فضلت جنبها لحد ما خرجت للعمليات.
ولما العملية نجحت، جريت الطفلة حضنتها وهي بتضحك.
في اللحظة دي، حسّت فانيسا إن ربنا بيديها فرصة تعمل مع طفل تاني اللي ما قدرتش تعمله مع بنتها.
بعد سنة...
مدير المستشفى كلمني وقال
في حاجة لازم تشوفيها.
رحت، ودخلني قاعة صغيرة.
على الحيطة كانت فيه لوحة جديدة مكتوب عليها
ركن صوفيا لدعم أطفال القلب.
الركن اتعمل من تبرعات ناس كتير، وفانيسا كانت أول واحدة تبرعت بكل مدخراتها.
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي واقفة بعيد
الفلوس دي كانت هتضيع على حاجات ملهاش قيمة... دلوقتي يمكن تنقذ طفل.
هزيت راسي، وقلت
صوفيا كانت هتفرح.
أجهشت بالبكاء لأول مرة من غير ما تقول كلمة.
ومن يومها...
كل طفل كان يخرج من المستشفى بعد شفائه، كان يعلّق نجمة صغيرة على لوحة كبيرة في ركن صوفيا.
ومع مرور السنين، امتلأت اللوحة بمئات النجوم.
كل نجمة كانت حكاية حياة جديدة...
وشاهدًا على أن الخطأ قد يكون لا يُغتفر، لكن الاعتراف به والعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه قد يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين.

يتبع...بعد ثلاث سنوات...
كان يوم افتتاح مبنى جديد داخل المستشفى.
الأطباء والممرضون والأسر كانوا واقفين في الاحتفال،
تم نسخ الرابط