كان يوم عادي

لمحة نيوز

قليلًا، ثم أجبت.
جاءني صوت رجل مسن
حضرتك... البنت اللي حصلت لها الواقعة في المول؟
قلت بحذر
أيوه... مين حضرتك؟
قال
اسمي عم حسن... وأنا كنت من الناس اللي كانوا واقفين يومها.
تذكرت وجهًا باهتًا لرجل كان يقف بعيدًا، لكنه لم يتدخل.
أكمل بصوت مليء بالندم
أنا اتصلت علشان أعتذر.
سكتُّ.
قال وهو يبكي
أنا شفتك بتتضربي... وصدقت الست من غير ما أعرف الحقيقة. ولما الأمن كشف الكاميرات، حسيت إني قصّرت في حقك.
لم أعرف ماذا أقول.
فأضاف
من يومها، وعدت نفسي إني ما اسكتش على أي ظلم.
ثم حكى لي أنه قبل أسبوع كان في محطة قطار، ورأى شابًا يتهم عامل نظافة بالسرقة.
الناس بدأت تلتف حول العامل.
لكن هذه المرة...
تدخل عم حسن.
وطلب مراجعة كاميرات المحطة قبل اتهام الرجل.
وبالفعل، أظهرت الكاميرات أن العامل بريء، وأن المحفظة كانت قد سقطت من صاحبها في مكان آخر.
قال لي
لو ما كنتش شفت اللي حصل معاكي... كنت هسكت زي أول مرة.
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بشيء مختلف.
فالقصة لم تغيّرني أنا فقط...
بل غيّرت أشخاصًا لم أكن أعرف أسماءهم.
وفي تلك الليلة، كتبت في مذكرتي جملة واحدة
لا تصدق أول رواية تسمعها... فالحقيقة أحيانًا تكون في زاوية لا يراها أحد.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت هذه الجملة شعارًا أعيش به.
وهكذا انتهت الحكاية فعلًا... لكن بقي أثرها في كل من سمعها وبعد ثلاث سنوات...
لم يعد أحد يتحدث عن القضية.
الصحف نسيتها.
والناس انشغلت بأخبار جديدة.
أما أنا...
فكنت قد بدأت حياة مختلفة تمامًا.
وفي إحدى الأمسيات، تلقيت دعوة من إدارة أحد المولات لإلقاء كلمة قصيرة في حملة توعية عن السلامة داخل الأماكن العامة.
وقفت أمام عشرات الشباب والفتيات.
لم أتحدث عن نفسي كبطلة.
بل قلت لهم
أنا كنت شخصًا عاديًا جدًا... واللي أنقذني مش القوة، لكن إني تمسكت بحقي، ورفضت أتحرك لمكان بعيد عن الناس، وطلبت تدخل أمن المكان.
بعد انتهاء الندوة، اقتربت مني فتاة في العشرين من
عمرها.
كانت ترتجف.
قالت
ممكن أحكيلك حاجة؟
ابتسمت وقلت
اتفضلي.
قالت
من شهر، واحدة في السوق اتهمتني إني سرقت شنطتها، والناس اتلمت عليّ. افتكرت كلامك اللي شوفته في لقاء تلفزيوني، وقلت بصوت عالي هاتوا أمن المكان وافتحوا الكاميرات.
ابتسمت وهي تكمل
بعد خمس دقايق لقوا الشنطة في عربية صاحبتها... وكل الناس اعتذروا لي.
تنهدت براحة.
وقلت لها
أهم حاجة إنك حافظتِ على هدوئك.
ابتسمت الفتاة ورحلت.
وأنا شعرت أن أصعب يوم في حياتي... تحول مع الوقت إلى درس ينقذ الآخرين.
وفي طريقي إلى المنزل، مررت بالمول الذي بدأت فيه القصة.
توقفت لحظة أمام الباب.
ثم ابتسمت وقلت لنفسي
المكان نفسه لم يتغير... لكن أنا التي تغيرت.
ودخلت بثقة، أكملت مشترياتي، ثم خرجت دون خوف.
هذه المرة...
لم أكن أحمل معي ذكرى مؤلمة فقط.
بل كنت أحمل يقينًا أن الشجاعة ليست في القوة، وإنما في التصرف الصحيح عندما يختلط الخوف بالفوضى.
تمت الحكاية بعد عشرة أعوام...
لم يعد أحد يعرفني باعتباري الفتاة التي تعرضت للاعتداء في المول.
أصبحت محامية.
اخترت هذا الطريق لأنني أدركت يومها أن أخطر شيء قد يواجه الإنسان ليس المجرم وحده...
بل الحكم السريع من الناس.
وفي إحدى الجلسات، دخلت المحكمة لأتولى قضية فتاة جامعية.
كانت متهمة بالاعتداء على سيدة في أحد الأسواق.
كل الصحف كتبت أنها مذنبة.
والفيديو المنتشر على مواقع التواصل أظهرها وهي تدفع السيدة بقوة.
لكنني لم أقتنع.
طلبت من المحكمة عرض التسجيل كاملًا، لا المقطع المنتشر فقط.
وبعد دقائق...
ظهر الجزء الذي لم يره أحد.
السيدة نفسها هي من بدأت الاعتداء.
وكانت تحاول جر الفتاة خارج السوق، بينما يقف شخصان عند الباب يراقبان الموقف.
ساد الصمت داخل القاعة.
أصدر القاضي قرارًا ببراءة الفتاة، وفتح تحقيقًا مع الأشخاص الآخرين.
بعد انتهاء الجلسة...
خرجت الفتاة وهي تبكي.
قالت لي
كل الناس كانوا شايفين إني مذنبة.
ابتسمت لها وقلت
أنا
كمان مرّيت بنفس الإحساس... وعشان كده ما حكمتش عليكي من أول فيديو.
ابتسمت وسط دموعها.
وفي تلك اللحظة...
شعرت أن الدائرة اكتملت.
فاليوم الذي كاد يدمر حياتي...
هو نفسه الذي جعلني أستطيع إنقاذ حياة شخص آخر.
وعندما عدت إلى مكتبي في نهاية اليوم، فتحت الدرج القديم.
كان ما يزال يحتفظ بأول محضر شرطة حررته في تلك القضية قبل سنوات.
نظرت إليه للحظة...
ثم أغلقته بهدوء.
وقلت لنفسي
بعض القصص لا تنتهي لأنها تُروى... بل لأنها تترك أثرًا يعيش في قراراتنا كل يوم.
وهكذا استمرت الحياة... ولم يبقَ من تلك الحادثة سوى درسٍ واحد لا تحكم على أحد قبل أن تعرف الحقيقة كاملة بعد خمس سنوات...
كنت قد نسيت تقريبًا تفاصيل ذلك اليوم...
إلى أن رن هاتفي في مساء شتوي.
المتصل كان مدير أمن المول نفسه.
قال بابتسامة
فاكرانا؟
ضحكت لأول مرة عندما سمعت صوته.
قلت
إزاي أنساكم؟
قال
إحنا بنفتتح النهارده مركز تدريب جديد لأفراد الأمن، وعايزينك تكوني ضيفة الشرف.
وافقت.
وعندما دخلت المول، شعرت أن السنوات عادت بي إلى الوراء.
لكن هذه المرة...
لم أكن الضحية.
بل كنت الضيفة.
أخذني مدير الأمن إلى قاعة كبيرة، وقال للحضور
القصة دي غيرت طريقة تعاملنا مع البلاغات.
ثم أشار إلى شاشة كبيرة.
ظهرت عليها عبارة
لا تحكم قبل التحقق.
وأوضح أن كل فرد أمن جديد يتلقى تدريبًا على التعامل مع المشاجرات دون الانحياز لأي طرف، مع عزل المتشاجرين، وطلب المساندة، والرجوع إلى الكاميرات متى أمكن.
بعد انتهاء اللقاء، وبينما كنت أغادر، اقترب مني شاب يرتدي زي الأمن.
قال بخجل
أنا كنت طفلًا صغيرًا يوم اللي حصل معاكي، ووالدتي كانت من الناس اللي اتفرجوا وسكتوا.
ثم أضاف
رجعت البيت يومها وهي بتعيط، وكانت تقول لو كنت تدخلت بالطريقة الصح، يمكن كنت ساعدت البنت بدل ما أفضل أتفرج.
سكت لحظة ثم ابتسم.
الكلام ده خلاني لما كبرت أقرر أشتغل في الأمن... علشان أساعد الناس وقت الأزمات.
ابتسمت وربتُّ
على كتفه.
وقلت
المهم إنك دايمًا تتصرف بحكمة، وتحافظ على سلامة الجميع.
هز رأسه بثقة.
وأنا خرجت من المول، ونظرت إليه للمرة الأخيرة.
المكان الذي بدأ فيه أسوأ يوم في حياتي...
أصبح المكان الذي ذكّرني بأن الحقيقة، مهما تأخر ظهورها، يمكن أن تغيّر حياة أشخاص كثيرين.
وبينما كنت أبتعد، أخرجت هاتفي، وحذفت آخر صورة كنت أحتفظ بها للكدمة التي تركها ذلك القلم على وجهي.
ابتسمت في هدوء وقلت لنفسي
بعض الجروح تختفي من الجلد... لكن الدرس الذي تتركه يبقى مع الإنسان طوال عمره.
وهنا... أسدل الستار على الحكاية في مساء هادئ، عدتُ إلى المنزل بعد سنوات طويلة من ذلك اليوم الذي بدأ بصفعة في أحد المولات وكاد ينتهي بكارثة.
جلست أمام النافذة، أراقب المطر وهو يتساقط، ثم فتحت الصندوق الصغير الذي احتفظت فيه بكل ما يتعلق بالقضية.
محضر الشرطة.
صورة الكدمة التي التُقطت يوم الحادث.
وبطاقة الضابط التي قال لي يومًا اطلبي الشرطة دائمًا، ولا تخرجي مع أي شخص بعيدًا عن الناس.
ابتسمت، ثم أغلقت الصندوق للمرة الأخيرة.
في اليوم التالي، ذهبت إلى المول نفسه.
وقفت في المكان الذي تلقيت فيه الصفعة الأولى.
كان مزدحمًا كعادته، والناس يمشون مسرعين، لا يعرفون أن هذا المكان شهد يومًا معركة غيّرت حياة فتاة بالكامل.
أغمضت عيني للحظة...
ثم فتحتها وأنا أتنفس بعمق.
لم يعد في قلبي خوف.
ولا غضب.
ولا رغبة في الانتقام.
فقط امتنان لأنني نجوت.
وقبل أن أغادر، اقتربت مني طفلة صغيرة، كانت قد أفلتت يد والدتها.
ابتسمت لي وقالت
معلش... ممكن تساعديني ألاقي ماما؟
ابتسمت لها، وأمسكت يدها برفق، وناديت على أمن المول ليساعد في العثور على والدتها.
وبعد دقائق، وصلت الأم وهي تبكي من شدة القلق، واحتضنت ابنتها بقوة.
شكرتني مرارًا، ثم غادرت.
راقبتهما وهما يبتعدان، وابتسمت.
وقتها فقط أدركت أن الحياة منحتني فرصة أخيرة...
أن أستبدل ذكرى الخوف في هذا المكان بذكرى
طيبة.
استدرت
وغادرت المول بخطوات هادئة.
ولم ألتفت خلفي هذه المرة.
لأن الماضي بقي في مكانه...
أما أنا، فقد واصلت طريقي إلى مستقبلٍ لم يعد يحكمه الخوف، بل الشجاعة والحكمة.
النهاية.

تم نسخ الرابط