خرجت من غرفتها
المحتويات
مازحة
شكلك بقيتي معجبة باحترامه.
احمر وجه زينب بسرعة.
يا أمه... أنا بس بقول الحق.
ضحكت عزيزة ولم تعلق.
بعد يومين، أعلن كبير القرية عن اجتماع لكل الأهالي في الساحة الكبيرة.
وقف الجميع يستمعون، فقال الرجل
الحكومة وافقت تمهد الطريق الرئيسي، لكن جزءًا من الأرض لازم يتبرع بيه أصحابه عشان المشروع يتم.
ساد الهمس بين الناس.
فهذا الطريق سيغير حياة القرية، لكنه سيمر بجوار أرض الدهشوري، وجزء صغير من أرض عزيزة أيضًا.
وقف ضاحي أولًا وقال بصوت واضح
أنا موافق أتنازل عن الجزء المطلوب من أرضنا، طالما الخير هيعم على البلد كلها.
ساد الصمت، ثم بدأ أهل القرية يصفقون له.
بعدها بدقائق، تقدمت عزيزة وقالت
وإحنا كمان موافقين... الخير للبلد أهم من أي حاجة.
ابتسم ضاحي احترامًا لها، بينما شعرت زينب بالفخر بوالدتها.
لكن قبل أن ينتهي الاجتماع، وصل رجل غريب يستقل سيارة قديمة، وسأل بصوت مرتفع
مين فيكم ضاحي الدهشوري؟
التفت الجميع إليه في دهشة.
اقترب الرجل، وأخرج ظرفًا مختومًا من حقيبته، ثم قال
معايا رسالة قديمة... كان لازم أوصلها ليك من سنين، لكن الظروف أخرتني.
تبادل أهل القرية النظرات، بينما مدّ ضاحي يده ليتسلم الظرف، دون أن يدرك أن ما بداخله سيكشف سرًا قديمًا سيغيّر مستقبل عائلته بالكامل الفصل الخامس
أخذ ضاحي الظرف من الرجل الغريب، وتأمله للحظات. كان الورق قديمًا، واسم والده مكتوبًا بخط واضح.
سأل الرجل
مين حضرتك؟
أجابه بهدوء
اسمي عبد الرحيم، وكنت شغال مع والدك زمان. الرسالة دي سلمني أمانة من سنين، وقال ما تتفتحش إلا لما ترجع البلد بنفسك.
ساد الصمت في الساحة.
فتح ضاحي الظرف بحذر، وأخرج منه رسالة صفراء من أثر الزمن.
قرأ بصوت منخفض
يا ضاحي... لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى ربنا كتب لك ترجع بلدك. الأرض والبيوت مالهاش قيمة
توقف عن القراءة، ثم أكمل وهو يحبس دموعه.
وفي المخزن القديم حاجة هتفيد أهل البلد كلهم... متنساش تدور عليها.
تعجب الجميع.
قال أحد كبار السن
مخزن إيه؟ ده مقفول من أكتر من عشرين سنة!
وفي نفس المساء، ذهب ضاحي مع عدد من رجال القرية إلى المخزن القديم خلف البيت الكبير.
كان الباب الخشبي مغطى بالتراب، وبالكاد انفتح بعد جهد.
أشعلوا الفوانيس، وبدأوا يزيلون الأتربة.
وبين الصناديق القديمة، وجدوا ملفات كثيرة، وأدوات زراعية محفوظة بعناية، وخريطة مرسومة يدويًا لأراضي القرية ومجاري المياه.
أخذها ضاحي إلى كبير القرية.
وبعد دراستها، اكتشفوا أن هناك مجرى ري قديمًا يمكن إعادة تشغيله، وسيكفي لري الأراضي في سنوات الجفاف.
انتشر الخبر بسرعة، وعادت البهجة إلى وجوه الفلاحين.
قال كبير القرية مبتسمًا
والدك كان بيفكر في مستقبل البلد من سنين... وربنا كتب إن السر يظهر على إيديك.
وفي اليوم التالي، تجمع الأهالي للعمل معًا في تنظيف المجرى القديم.
كانت زينب مع النساء يعدِدن الطعام للعمال، بينما يعمل الرجال منذ الصباح.
وعندما انتهى اليوم، وقف ضاحي ينظر إلى المجرى وقد عاد الماء يسير فيه من جديد.
ابتسم وقال
الخير لما الناس تتكاتف... بيكبر.
ابتسمت زينب من بعيد، وشعرت لأول مرة أن القرية كلها بدأت تدخل مرحلة جديدة، عنوانها التعاون والأمل، لكن القدر كان لا يزال يخبئ لهم اختبارًا أصعب سيظهر مع أول أمطار الخريف الفصل السادس
مرّت أسابيع، وعادت الحياة تدب في القرية من جديد. امتلأت الترعة بالمياه، واخضرت الحقول بعد أن ظن الجميع أن الموسم ضاع.
وفي صباح أحد الأيام، تجمّع الفلاحون أمام بيت العمدة، بعدما لاحظوا تشققات غريبة في السد الصغير الذي يحجز المياه قبل
قال أحد الرجال بقلق
لو السد اتكسر، المية هتضيع كلها.
تقدم ضاحي يتفحص المكان، ثم قال
لازم نصلحه النهارده قبل المغرب، ولو استنينا لبكرة هنخسر تعب الموسم كله.
تحرك شباب القرية فورًا، كل واحد يحمل ما يستطيع من أدوات، بينما بدأت النساء في تجهيز الطعام والماء لهم.
كانت زينب بينهن، توزع الخبز على العمال، حتى لاحظت طفلًا صغيرًا يبكي وهو يبحث عن والده وسط الزحام.
جلست بجواره وربتت على كتفه.
متخافش... هنلاقيه.
وبعد دقائق ظهر والده يركض نحوه ويضمه بقوة، وهو يشكر زينب على اهتمامها بابنه.
مع اقتراب الغروب، انتهى العمل، لكن السماء تغير لونها فجأة، وهبت رياح قوية تبعتها أمطار غزيرة لم تشهدها القرية منذ سنوات.
بدأ منسوب المياه يرتفع بسرعة.
صاح أحد الرجال
افتحوا المجرى الاحتياطي... بسرعة!
ركض ضاحي مع عدد من الشباب نحو البوابة الحجرية القديمة التي اكتشفوها قبل أسابيع، وحاولوا فتحها، لكنها علقت بسبب الصدأ.
أمسك الجميع بالعصا الحديدية، ودفعوا بكل قوتهم.
وفجأة...
تحركت البوابة، وانطلقت المياه في المجرى الجديد، لينخفض الضغط عن السد في اللحظة الأخيرة.
تنفس أهل القرية الصعداء، وتعالت أصوات التكبير والدعاء.
في صباح اليوم التالي، وقف كبير القرية وسط الناس وقال
اللي حصل امبارح أثبت إن القرية قوتها في تعاون أهلها، وكل واحد ساهم في إنقاذ الموسم.
ثم التفت إلى ضاحي وزينب وعزيزة، وقال مبتسمًا
كل واحد فيكم عمل خير من غير ما يستنى مقابل، وربنا بارك في الخير ده.
ابتسمت زينب وهي تنظر إلى الحقول الممتدة أمامها، وشعرت أن الأيام الصعبة بدأت تبتعد.
لكن بينما كان الجميع يستعد للعودة إلى بيوتهم، ظهر فارس على حصان قادمًا من الطريق الصحراوي، يحمل حقيبة جلدية صغيرة.
توقف أمام بيت الدهشوري، وسأل بصوت مرتفع
مين
ساد الصمت في المكان، وتبادل الجميع النظرات، فقد أدركوا أن فصلًا جديدًا من الحكاية على وشك أن يبدأ الفصل السابع
تقدم الفارس بخطوات هادئة حتى وقف أمام ضاحي، ثم ناوله الحقيبة الجلدية وقال
دي أمانة من المهندس اللي كان شريك والدك في مشروع الري من سنين. قبل ما يتوفى أوصاني أوصلها ليك أول ما أسمع إنك رجعت البلد.
فتح ضاحي الحقيبة بحذر، فوجد بداخلها دفترًا سميكًا، وعدة خرائط، ومجموعة من العقود القديمة.
تناول كبير القرية أحد العقود، وبعد أن قرأه قال بدهشة
سبحان الله... الحاج الدهشوري كان متبرع بجزء كبير من أرضه زمان عشان يتعمل عليها مدرسة ووحدة صحية، لكن المشروع وقف، والأوراق اتنسيت.
ساد الهمس بين الأهالي.
قال أحد كبار السن
أيوه... أنا فاكر الكلام ده، لكن بعد السنين الكل افتكر إنه مجرد وعد.
أغلق ضاحي الدفتر وقال بثبات
إذا كانت دي وصية أبويا، فهي هتتنفذ بإذن الله.
وفي اليوم التالي، سافر إلى مركز المحافظة ومعه الأوراق، وبعد ساعات عاد يحمل بشرى انتظرها أهل القرية طويلًا.
قال وهو يجمع الناس في الساحة
المسؤولين راجعوا العقود، والمشروع هيرجع يتنفذ من جديد، والمدرسة والوحدة الصحية هيتبنوا على الأرض المخصصة ليهم.
تعالت الزغاريد، وتهللت وجوه الأهالي.
أما زينب، فكانت تنظر إلى الأطفال وهم يقفزون فرحًا، وقالت لوالدتها
أخيرًا ولاد البلد هيلاقوا مدرسة قريبة بدل المشوار الطويل كل يوم.
ابتسمت عزيزة وقالت
الخير عمره ما يضيع يا بنتي.
ومرت الشهور، وبدأت أعمال البناء بالفعل.
كان ضاحي يزور الموقع كل صباح، يتابع العمال بنفسه، ويتأكد أن كل شيء يسير كما ينبغي.
وفي أحد الأيام، بينما كان العمال يحفرون أساسات المدرسة، اصطدمت معاولهم بصندوق
توقف الجميع.
أخرجوا الصندوق بحذر، وكان مغلقًا بقفل صدئ.
نظر الجميع إلى ضاحي
متابعة القراءة