خرجت من غرفتها
خرجت زينب من غرفتها متجهة إلى الكانون في فناء البيت الصغير، حيث وضعت والدتها الإناء النحاسي المملوء بالماء الساخن بعد أن انتهت من تحميم إخوتها الصغار. كانت تلك عادتها منذ سنوات، تغسل شعرها في دفء شمس الصباح، مستمتعة ببعض الهدوء قبل أن تبدأ أعمال المنزل.
جلست على الوسادة القماشية، وسكبت الماء على شعرها الطويل، ثم غسلته بعناية حتى انتهت، وأخذت المنشفة تجففه. وما إن رفعت رأسها حتى لمحت شابًا يقف في شرفة بيت الدهشوري الكبير.
ابتعدت بسرعة إلى داخل البيت وهي تقول بقلق
يا أمه... في راجل واقف في بلكونة بيت الدهشوري.
رفعت عزيزة رأسها من فوق القدر وقالت بهدوء
أكيد تقصدي ضاحي الدهشوري... ده رجع من السفر امبارح بعد غياب سنين.
اتسعت عينا زينب بدهشة.
رجع؟! أول مرة أشوفه.
ابتسمت الأم وهي تواصل إعداد الطعام.
أبوه تعبان، وسمعت إنه رجع يقعد معاه ويهتم بأرضه وبيته.
هزت زينب رأسها وقالت
ماكنتش أعرف إن حد بقى ساكن في الناحية دي من البيت.
ردت عزيزة
خلاص، خدي بالك بعد كده. الحوش مكشوف شوية، وهو أكيد لسه بيتعرف على البلد بعد الغيبة.
دخلت زينب غرفتها، لكن الفضول ظل يملأ قلبها. كانت تسمع اسم ضاحي منذ طفولتها، الشاب الذي سافر وهو في عمر صغير، وعاد الآن رجلًا يحمل أسرار سنوات طويلة.
ولم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستجمع بين عائلتيهما في ظروف لم يتوقعها أحد، بسبب أزمة كبيرة كادت أن تهدد أراضي القرية كلها، وأنها ستكون أول من يكتشف الحقيقة الفصل الثاني
في صباح اليوم التالي، استيقظت القرية على صوت جرس المسجد ينادي لاجتماعٍ عاجل بعد صلاة الفجر. كان الخبر قد انتشر في كل بيت؛ ترعة الري الرئيسية تعرضت لانهيار في أحد الجسور الترابية، وإذا لم يتم
خرج الرجال مسرعين يحملون الفؤوس والمعاول، بينما بدأت النساء في تجهيز الماء والطعام لمن يعملون في الحقول.
وقفت زينب بجوار والدتها تملأ الجرار، ثم سألت
هو كل الناس هتروح؟
أجابتها عزيزة
أيوه يا بتي، دي مصلحة البلد كلها، والغني والفقير فيها واحد.
بعد ساعة، مرّ ضاحي الدهشوري أمام بيتهم مرتديًا جلبابه الصعيدي البسيط، يحمل فأسًا على كتفه، وخلفه عدد من رجال عائلته.
توقفت عينه عند الباب المفتوح، فرأى عزيزة تحمل سطل ماء ثقيل.
تقدم فورًا وقال باحترام
سيبيه يا خالة... أنا أشيله.
ابتسمت عزيزة وهي تقول
ربنا يبارك فيك يا ولدي.
أخذ السطل ووضعه داخل المطبخ، ثم همّ بالمغادرة، لكنه التفت إلى زينب وقال بهدوء
لو كنت خوفتك امبارح، فحقك عليّ. أنا طلعت البلكونة أشوف البلد بعد الغيبة، وماكنتش أعرف إن الحوش ظاهر بالشكل ده.
احمر وجه زينب، ثم قالت بخجل
حصل خير.
هز رأسه باحترام وانصرف دون أن يطيل الحديث.
راقبت عزيزة المشهد ثم ابتسمت وقالت
الراجل المؤدب باين من أول كلمة.
لكن زينب لم ترد، واكتفت بالنظر من خلف الباب وهي ترى أهل القرية يسيرون جميعًا نحو الترعة.
ومع اقتراب الظهيرة، دوّى صوت صرخة قوية من ناحية الحقول.
ركض الجميع إلى مصدر الصوت، ليجدوا أن جزءًا من الجسر الترابي قد انهار، وأن طفلًا صغيرًا سقط في مجرى الماء المتدفق.
ساد الذعر بين الناس، بينما اندفع ضاحي دون تردد نحو المياه، غير عابئ بقوة التيار، في محاولة لإنقاذ الطفل قبل أن يجرفه السيل.
وفي تلك اللحظة... حبست زينب أنفاسها، وهي تدعو الله أن يخرج الاثنان سالمين الفصل الثالث
اندفع ضاحي نحو الماء قبل أن يتمكن أحد من منعه. كان التيار
صرخت النساء من بعيد، بينما وقف الرجال عاجزين للحظات لا يعرفون كيف يصلون إليه.
أمسك ضاحي بجذع شجرة قريب وقفز داخل المجرى، ثم سبح بكل قوته حتى اقترب من الطفل. حاول الصغير التعلق به بعشوائية من شدة الرعب، فكاد الاثنان يغرقان، لكن ضاحي احتضنه بذراع قوية ورفع رأسه فوق الماء.
تعالت أصوات الرجال
شدّوا الحبل!
ألقى أحدهم حبلاً طويلًا، فتمكن ضاحي من الإمساك به بيد واحدة، بينما ظل ممسكًا بالطفل باليد الأخرى. وبعد دقائق بدت كأنها عمر كامل، نجح الرجال في سحبهما إلى حافة الترعة.
انطلقت الزغاريد ممزوجة بالبكاء، وهرعت أم الطفل تحتضن ابنها وهي تردد
ربنا يجعلها في ميزان حسناتك يا ولدي... كنت هفقده.
كان ضاحي يلهث وقد غطى الطين وجهه وثيابه، لكنه ابتسم مطمئنًا الطفل قبل أن يجلس على الأرض ليستعيد أنفاسه.
وقفت زينب وسط النساء، وقلبها يخفق بعنف. لم ترَ فيه تلك اللحظة ابن العائلة الكبيرة أو الشاب العائد من السفر، بل إنسانًا خاطر بنفسه لينقذ طفلًا لا يعرفه.
اقتربت عزيزة منها وهمست
شوفتِ؟ الرجال معدنهم بيبان وقت الشدة.
لم تجب زينب، لكنها ظلت تنظر إليه بصمت.
بعد أن هدأت الفوضى، بدأ أهل القرية في إصلاح الجسر بسرعة قبل غروب الشمس. شارك ضاحي معهم رغم التعب، يحمل الأتربة ويثبت الألواح الخشبية كأنه واحد من العمال البسطاء.
وعندما عاد الجميع مع الغروب، مرّ مرة أخرى أمام بيت زينب. كانت تقف عند الباب تحمل إبريق ماء باردًا أرسلته أمها للعمال.
ترددت لحظة، ثم تقدمت نحوه قائلة
اتفضل... أكيد تعبان.
أخذ الإبريق وشرب منه، ثم قال مبتسمًا
تسلمي يا بنت
رفعت حاجبيها بدهشة
بنت العم؟ إحنا بينا قرابة؟
ضحك بخفة لأول مرة وقال
جدي وجدك كانوا أولاد عمومة بعاد... يعني بينا أصل واحد، حتى لو الزمن فرّق البيوت.
شعرت زينب بشيء من الدفء لكلماته، لكن قبل أن ترد، خرج صوت قوي من داخل بيت الدهشوري يناديه بعصبية
يا ضاحي! تعالى حالًا... أبوك تعبان!
تغير وجهه في لحظة، وأعاد الإبريق بسرعة ثم اندفع راكضًا نحو البيت الكبير.
تبادل أهل الشارع النظرات القلقة، بينما وقفت زينب عند الباب تشعر بأن عودته إلى القرية لم تكن صدفة أبدًا، وأن وراء هذا البيت الكبير حكاية أعمق بكثير مما يتخيله الجميع الفصل الرابع
ركض ضاحي نحو البيت الكبير، يتخطى درجات السلم اثنتين اثنتين، حتى وصل إلى غرفة والده.
كان الحاج الدهشوري مستلقيًا على فراشه، يضع يده على صدره ويتنفس بصعوبة، بينما وقف الطبيب الريفي إلى جواره يحاول تهدئته.
قال الطبيب بعدما انتهى من فحصه
الحمد لله... مجرد إرهاق شديد وانفعال، لكن لازم يرتاح تمامًا، وممنوع أي توتر.
تنفس ضاحي الصعداء، ثم جلس بجوار والده، فأمسك الرجل العجوز بيده وقال بصوت متعب
أنا مستني اليوم ده من سنين يا ولدي... يوم أشوفك راجع بين أهلك.
ابتسم ضاحي وربّت على يده قائلاً
مش هسيبك تاني يا بوي، خلاص السفر انتهى.
اغرورقت عينا الحاج بالدموع، وأشار إلى خزانة خشبية قديمة في ركن الغرفة.
فيها أمانة... خليها معاك، لكن ما تفتحهاش دلوقتي. هيجي يوم تعرف قيمتها.
نظر ضاحي إلى الصندوق الصغير في حيرة، لكنه هز رأسه موافقًا.
في الجهة الأخرى من القرية، كانت زينب تساعد والدتها في إعداد الخبز.
قالت عزيزة وهي تخرج الأرغفة من الفرن البلدي
النهارده كل البلد بتتكلم عن شجاعة ضاحي.
ابتسمت زينب دون أن
يستاهل... لولا ربنا ثم هو، كان الولد ضاع.
نظرت إليها أمها بطرف عينها وقالت